ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤١/٢/٦ من نحن منشورات مقالات الصور صوتيات فيديو أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ السید عادل العلوي (٤٨)
■ منير الخباز (١)
■ السید احمد البهشتي (٢)
■ حسن الخباز (١)
■ كلمتنا (٢٨)
■ الحاج حسين الشاكري (١١)
■ الاستاذ جعفر البياتي (٤)
■ صالح السلطاني (١)
■ الشيخ محمد رضا آل صادق (١)
■ لبيب بيضون (٧)
■ الدكتور الشيخ عبد الرسول غفّاري (١)
■ السيد حسين الحسني (١)
■ مكي البغدادي (٢)
■ الدكتور حميد النجدي (٣)
■ السيد رامي اليوزبكي (١)
■ سعيد إبراهيم النجفي (١)
■ الدکتور طارق الحسیني (٢)
■ السيّد جعفر الحلّي (١)
■ الاُستاذ ناصر الباقري (١)
■ السيّد محمّد علي الحلو (١)
■ السيّد شهاب الدين الحسيني (١)
■ شريف إبراهيم (١)
■ غدير الأسدي (١)
■ هادي نبوي (١)
■ لطفي عبد الصمد (١)
■ بنت الإمام كاشف الغطاء (١)
■ محمد محسن العید (٢)
■ عبدالله مصطفی دیم (١)
■ المرحوم السید عامر العلوي (٢)
■ میرنو بوبکر بارو (١)
■ الشیخ ریاض الاسدي (٢)
■ السید علي الهاشمي (١)
■ السيّد سمير المسكي (١)
■ الاُستاذ غازي نايف الأسعد (١)
■ السيّد فخر الدين الحيدري (١)
■ الشيخ عبد الله الأسعد (٢)
■ علي خزاعي (١)
■ محمّد مهدي الشامي (١)
■ محمّد محسن العيد (٢)
■ الشيخ خضر الأسدي (٢)
■ أبو فراس الحمداني (١)
■ فرزدق (١)
■ هيئة التحرير (٤٣)
■ دعبل الخزاعي (١)
■ الجواهري (٣)
■ الشيخ إبراهيم الكعبي (١)
■ حامدة جاودان (٣)
■ داخل خضر الرویمي (١)
■ الشيخ إبراهيم الباوي (١)
■ محمدکاظم الشیخ عبدالمحسن الشھابی (١)
■ میثم ھادی (١)
■ سید لیث الحیدري (١)
■ الشیخ حسن الخالدی (٢)
■ الشیخ وھاب الدراجي (١)
■ الحاج عباس الكعبي (٢)
■ ابراھیم جاسم الحسین (١)
■ علي محمد البحّار (١)
■ بلیغ عبدالله محمد البحراني (١)
■ الدكتورحسين علي محفوظ (١٠)
■ حافظ محمد سعيد - نيجيريا (١)
■ الأستاذ العلامة الشيخ علي الکوراني (٤)
■ عزالدین الکاشانی (١)
■ أبو زينب السلطاني - العراق (١)
■ فاطمة خوزي مبارک (١)
■ شیخ جواد آل راضي (١)
■ الشهید الشیخ مرتضی المطهري (١)
■ شيخ ماهر الحجاج - العراق (١)
■ آية الله المرحوم السيد علي بن الحسين العلوي (١٣)
■ رعد الساعدي (١)
■ الشیخ رضا المختاري (١)
■ الشیخ محمد رضا النائیني (٢)
■ الشيخ علي حسن الكعبي (٥)
■ العلامةالسيد محسن الأمين (١)
■ السید علي رضا الموسوي (٢)
■ رحیم أمید (٦)
■ غازي عبد الحسن إبراهيم (١)
■ عبد الرسول محي الدین (١)
■ الشیخ فیصل العلیاوي (١)
■ أبو حوراء الهنداوي (٢)
■ عبد الحمید (١)
■ السيدمصطفیٰ ماجدالحسیني (١)
■ السيد محمد الکاظمي (٣)
■ حسن عجة الکندي (٥)
■ أبو نعمت فخري الباکستاني (١)
■ ابن الوردي (١)
■ محمدبن سلیمان التنکابني (١)
■ عبد المجید (١)
■ الشيخ علي حسین جاسم البھادلي (١)
■ مائدۃ عبدالحمید (٧)
■ كریم بلال ـ الكاظمین (١)
■ عبد الرزاق عبدالواحد (١)
■ أبو بكر الرازي
■ الشيخ غالب الكعبي (٨)
■ ماھر الجراح (٤)
■ الدکتور محمد الجمعة (١)
■ الحاج کمال علوان (٣)
■ السید سعد الذبحاوي (١)
■ فارس علي العامر (٩)
■ رحيم اميد (١)
■ الشيخ محسن القرائتي (١)
■ الشيخ احمد الوائلي (١)
■ الشیخ علي حسن الکعبي (١)
■ عبد الهادي چیوان (٥)
■ الشیخ طالب الخزاعي (٥)
■ عباس توبج (١)
■ السید صباح البهبهاني (١)
■ شیخ محمد عیسی البحراني (١)
■ السید محمد رضا الجلالي (٦)
■ المرحوم سید علي العلوي (١)
■ یاسر الشجاعي (٤)
■ الشیخ علي الشجاعي (١)
■ میمون البراك (١)
■ مفید حمیدیان (٢)
■ مفید حمیدیان
■ السید محمد لاجوردي (١)
■ السید محمد حسن الموسوي (٣)
■ محمد محسن العمید (١)
■ علي یحیی تیمسوقي (١)
■ الدکتور طه السلامي (٣)
■ السید أحمد المددي (٦)
■ رقیة الکعبي (١)
■ عبدالله الشبراوي (١)
■ السید عبد الصاحب الهاشمي (٣)
■ السید فخر الدین الحیدري (١)
■ عبد الاله النعماني (٥)
■ بنت العلي الحیدري (١)
■ السید حمزة ابونمي (١)
■ الشیخ محمد جواد البستاني (٢)
■ نبیهة علي مدن (٢)
■ جبرئیل سیسي (٣)
■ السید محمد علي العلوي (٣)
■ علي الأعظمي البغدادي (١)
■ السید علي الخامنئي (١)
■ حسن بن فرحان المالکي (١)
■ ملا عزیز ابومنتظر (١)
■ السید ب.ج (٢)
■ الشیخ محمد السند
■ الشیخ محمد السند (١)
■ الشیخ حبیب الکاظمي (١)
■ الشیخ حسین عبید القرشي (١)
■ محمد حسین حکمت (١)
■ المأمون العباسي (١)
■ احمد السعیدي (١)
■ سعد هادي السلامي (١)
■ عبد الرحمن صالح العشماوي (١)
■ حسن الشافعي (١)
■ فالح عبد الرضا الموسوي (١)
■ عبد الجلیل المکراني (١)
■ الشريف المرتضی علم الهدی (١)
■ السيد أحمد الحسيني الإشكوري (١)
■ سید حسین الشاهرودي (١)
■ السيد حسن نصر الله (١)
■ ميثم الديري (١)
■ الدكتور علي رمضان الأوسي (٢)
■ حسين عبيد القريشي (١)
■ حسين شرعيات (١)
■ فاضل الفراتي (١)
■ السيد مهدي الغريفي (١)

احدث المقالات

المقالات العشوائية

المقالات الاکثرُ مشاهدة

رسالة سِرُّ الخَلِيقَةِ وَفَلْسَفَة الحَيَاةِ - مجلة الکوثر العدد الاول - جمادي الثاني 1415 هـ

رسالة سِرُّ الخَلِيقَةِ وَفَلْسَفَة الحَيَاةِ

السيد عادل العلوي

قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ (المؤمنون:115 ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾(الأنبياء: 16).
مهما بلغ الإنسان في سير تقدّمه العلمي وتمدّنه الحضاري المزدهر بأحدث الصناعات والتكنولوجية، فإنّه لا يزال يدور في فلك من المجهولات الآفاقية والأنفسيّة، فلو تسَلّق سُلّم العلوم والفنهون وسخّر الفضاء والقمر، فإنّه لا يكاد يرى نفسه إلّا في بداية الطريق، وأنّ معلوماته وما كشفه ليست إلّا كالقطرة أمام البحر الهائج من مجهولات الكون وأسراره، ولو وضع جهله تحت أقدامه لنطح رأسه السماء السابعة، ولازالت جبال المجهولات لم تفتح قممها الشامخة التي تعلو السحاب، فإنّه ما أوتيتم من العلم إلّا قليلاً، وفوق كل ذي علم عليم.
ولكن مهما كان من الأمر، فإنّ الإنسان خُلق مفطوراً على التفكير، وقد أودع الله سبحانه فيه حب الاستطلاع وكشف الحقائق وفك رموز أسرار الحياة، فهو بجبلتِه لحكمة ربانية، يمتاز بالطموع والعمل الدؤوب المتواصل، يبحث دوماً عن المجهولات الكونية، ليكشفها ويرفع القناع والستار عن حقيقتها وذاتها، فلا يفتر في طلب العلم، وأنه يفك المهج ويخوض اللّجج من أجله.
ومن أعظم وأكبر مجهولاته، والذي ساير موكب البشرية منذ البداية وإلى يومنا هذا وغداً، هو أن يكشف سر الحياة وفلسفة الخلقة والهدف من هذا الكون الرحب، فما هي فلسفة الحياة؟! 
مهما تعمّق الباحث عن الحقيقة في هذا السؤال الرهيب، فإنّه يرى نفسه قد انغمر في بحار متلاطمة الأمواج بعيدة الغور والمدى وبلا ساحل يُرتجى،ومن مثلي قصير الباع قليل المتاع، وفي مثل هذه العجالة، من الصعب بل كاد أن يكون مستحيلاً أن أُوفّي وأقضي حق الموضوع، ولكن أوّل الغيث قطرة، وبالميسور لا يسقط المعسور، فوددت أن أذكر رؤوس أقلام في جواب هذا السؤال، عسى أن أفتح قلاع أفكار القارئ الكريم، إذ فيه انطوى العالم الأكبر كما جاء في الأثر: 

أتزعم إنك جِرمٌ صغير

وفيك انطوى العالم الأكبرُ

            
فأقول مقدمةً: إن الإنسان منذ أن خُلق وعَرف نفسه، فإنّه يسال عن علّة وجوده وحكمة خلقه وفلسفة حياته، ومن ثمَّ ما هو الهدف والغاية من خلقة هذا الكون العظيم الدقيق بكل ما فيه من ذراته إلى مجرّاته؟ ولماذا هذه الدنيا التي شُحنت بألوان الشقاء والعذاب والأهوال والأحداث كالزلازل والفيضانات والحروب؟!
قد غختلف الجواب عن ذلك، فمن كان متوغّلاً في الملاذ والشهوات وتغلّبت عليه القوة البهيميّة، وجذبته المادة وزخارف العيش، يجيب عن السؤال: بأنه خُلقنا للأكل والشرب والتزوّد من الملذات الدنيوية، وان السعيد من حاز على نصيب أوفر منها.
فلم يؤمنوا بالمعاد وبحياة أخرى، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم عن لسانهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (الاثية: 24) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾(محمد: 12).
ومنهم من يُجيب أنه خُقلنا للشقاء، فإنّ الحياة كلّها شقاء ونصب وتعب، ومنهم من يقول: خُلق بعضنا للسعادة والبعض الآخر للشقاء، وهذا رأي الأشاعرة، وهذا كلّه من الجهل والرجم بالغيب.
وقال بعض المتكلمين: إنّ التكليف من الله سبحانه هو وجه الحكمة الذي لأجله حسن من الله تعالى خلق العالم بما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد، فالله سبحانه خلق كل شيء للإنسان وخلق الإنسان ليكلّفه ثم يُثيبه، فإنّ الثواب هو العطاء الاستحقاقي والنفع المستحق على الله تعالى على سبيل التعظيم والإجلال ولا يكون إلّا للمكلّفين، كثمرة التكليف حسب استحقاقهم ذلك.
وقال بعضهم: خلق الله الخلق لأنّ الأمر أمرهُ، والملك ملكه، ولا ينفعهم ولا يضرّهم، ولا لوجه يخرج به عن كونه عبثاً.
وقال آخر: خلق الله الخلق لاظهار قدرته وقوته، فبعض الخلق للنار وبعض للجنة.
وذهب بعض الحكماء: إلى أن الخلق لا لغرض أعلىمن صدوره لغرض، لما فيه من احتمال النقص لو صدر لغرض.
وعند بعض الفلاسفة خلاف ذلك بأنّ الخلق لا لغرض هو الذي يدل على النقص.
والرأي الصائب كما هو معتقد الإمامية:
إنّما خلق الله الأشياء من أجل الإنسان ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾(الجاثية: 13) وخُلق الإنسان من أجل تكامله، فخلقنا لنتكامل ونتزوّد بالعلم والمعرفة والتقوى لنيل النعيم الأبدي، فخلقنا من الرحمة الإلهيّة ونشأنا بالرحمة، ونرجع بالعلم والعبادة إلى رحمة الله تعالى، كما عليه الآيات الكريمة والروايات الشريفة، وزبدة المخاض أن فلسفة الحياة هو التكامل، وذلك بالرحمة والعلم والعبادة.
توضيح ذلك: أنّ المعاني والمفاهيم على قسمين: إمّا حقيقيّة ـ كالإنسان والحيوان ـ بحيث لا يتوقف تصوّرها وتعقلها على معان اُخرى، وأمّا إضافية ـ أي بالإضافة إلى الغير ـ فإنّ تعقلّها وتصورها يتوقّف على معان اُخرى كالعلم والعشق، حيث العلم رابط بين العالم والمعلوم وإنّما نتصور العشق بعد تصور العاشق والمعشوق.
والخلق مصدر من (خَلَق، يَخلُق، خَلقاً) يتوقف تصوّره على معنى الخالق والمخلوق فهو رابط بينهما والحاصل منهما، فإذا أردنا أن نقف على سر الخلق والخليقة، فلابدّ أن نتصوّر سر الخالق وسر المخلوق، وبعبارة أخرى سرّ العلّة الأولى وسر المعلول، فإنّ الله سبحانه وتعالى على حسب تعبير فلاسفة المشّاء هو علّة العلل.
وربّما يقال: إنّ الله سبحانه فوق أن يوصف بذلك، فهو خالق العلّة والمعلول، فكيف يتأطر بمخلوقه ويدخل ضمن نظام العلة والمعلول، كما يلزم قدم العالم يقدم علّته إذا لا إنفكاك بين العلّة والمعلول، فيلزم أن يكون موجباً ويسلب منه القدرة والإختيار، وكيف يكون ذلك فإن لازمه نفي الذات فإنّ القدرة عينها، فلابدّ من معرفة الخالق والمخلوق حتى نُشرف على سر الخلق. وهذا يحتم علينا أن نسلّط الأضواء على غاية خلق هذا الكون تارة من ناحية الصانع والخالق الموجد الأوّل، بأنه لماذا خلق وصدر عنه المخلوقات بمراتبها وعدم نهايتها؟ وأُخرى نبحث من ناحية المخلوقات بإنّها لماذا صدرة عن الله سبحانه؟ وما هو السرّ وهو الحكيم العليم الخبير؟ وأنه لم يخلق السموات والأرض عبثاً ولا لهواً ولا لعباً، كما يحكم بذلك العقل السليم والفطرة المستقيمة، وتشير إليه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
ربما يقال لا يمكن معرفة سرّ الخالق، إذ الإنسان الممكن الفقير في وجوده وبقائه إنّما هو محاط بعلم الله وقدرته، فإنّ الله هو المحيط العليم القدير، فكيف المحاط يدرك المحيط، وكيف بالإنسان يدرك سرّ الله سبحانه في خالقيته؟ فإنّه يستحيل ذلك.
ولكن الحديث ليس في ذات الله وسرّ كنهه حتى يلزم الضلال والحيرة والكفر، لأنّا نُهينا أن نفكّر في ذات الله سبحانه، وإنّما أُمرنا أن نفكّر في صفاته وأسمائه، بل الحديث عن صفة من صفات الفعل، وهي صفة الخالقية، فإنّ الله هو الخالق والصّانع والمصوّر الأوّل، وإليه تنتهي سلسلة العلل والمعاليل من الممكنات والمخلوقات، فربّما من هذا المنطلق يمكن أن نستضيء ببصيص من نور واجب الوجود لذاته، لنعلم به من علمه السرّ في خلقه.
فلما كان سبحانه وتعالى هو الوجود البحث المطلق المستجمع لجميع الصفات الجمالية والكمالية على نحو الإطلاق وبلا نهاية، فهو العالم القادر الحي المطلق في علمه وقدرته وحياته، كما تدل على ذلك البراهين الواضحة والأدلة الساطعة، فهو الكمال المطلق والمطلق في الكمال.
والمطلق في صفاته الثبوتية الذاتية والفعلية من كماله المطلق: أن تتجلّى صفاته في مصنوعاته ومخلوقاته، فإنّ من يُجيد هندسة الطائرة النفّاثة إنما تظهر جودته وكماله في هندسته، لو صنع لنا الطائرة، وفاق أقرانه في إيجادها وإتقانها وطيرانها، فلولا الصنع لما عرفنا كماله، ومن الوجدانيات ـ والوجداني من البديهيات ـ أن من يملك الصوت الجميل مثلاً، فإنّه يحاول بين الأقران والاخلّاء أن يُغرّد ويظهر صوته، فيتغنّى ويترنّم، بل حتى لو كان وحده فإنّه يصدح ويعلو صوته، وذلك من كمال الصوت الجميل، فمقتضى الكمال وطبيعته الذاتية أن يظهر نفسه، فهو الظاهر بنفسه والمظهر لغيره كالنور.
ولمّا كان الله سبحانه مطلق الكمال والكمال المطلق فمقتضى ذاته ـ ولا يعلمها إلّا هو ـ أن يتجلّى في صفاته وجماله وجلاله، يظهر في علمه وقدرته وحياته وأسمائه الحسنى.
ورد في الحديث القدسي عن الله سبحانه: (كنتُ كنزاً مخفياً فخلقت الخلق لكي أُعرف) فخلق ليظهر قدرته كما ورد في الحديث الشريف ـ كما سنذكره ـ فالخلق مظهر لاسماء الله وصفاته.
وإنّما يقف على كُنه هذه الحقيقة وسرّها الأنبياء والأوصياء والأولياء الأمثل فالأمثل، كما جاء في زيارة الجامعة في زيارة الأئمة المعصومين^ (السلام على حملة سرّ الله) فأهل البيت^ حملة الأسرار أدرى بما في البيت، فلا نطرق باب سرّ الخالق أكثر من أن نقول ـ أن صحّ التعبير والقول ـ إنّ الله سبحانه هو الكمال المطلق ومن كمال كماله أن يتجلّى ويظهر في كل شيء كما يقول أمير المؤمنين×: (ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله ومعه وبعده) وقد ورد في دعاء سحر شهر رمضان (اللّهم إني أسألك من كمالك بأكمله وكل كمال كامل اللّهم إني أسألك بكمالك كلّه) وإن الله جميل ويحب الجمال ومن جماله أن يظهر جماله (اللّهم إني أسألك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل اللّهم إني أسألك بجمالك كلّه).
هذا وإنّما نطلق العنان في سر المخلوق، فإنّ الله سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما من أجل الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾وجاء في الحديث القدسي (خلقتُ الأشياء من أجلك وخلقتُك من أجلي).
فإنّ الله جل جلاله خلق الكائنات وما في الطبيعة وما ورائها من أجل الإنسان، وخلق الإنسان ذلك الكائن الذي لا يزال مجهولاً من أجل الله، فهو خليفة الله في الأر ض ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30).
والقرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم يُلخّص لنا سرّ الخلق وفلسفة الحياة في حقائق ثلاثة: الرّحمة والعلم والعبادة.
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118 ـ 119).
وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾(الطلاق: 12).
وقال جل جلاله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 59).
وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق× في قوله ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلّا ليعرفون، فإنّ العبادة لا تتم ولا تصح إلّا بعد المعرفة، فما خلق الجن والإنس إلّا ليعرفوه وإذا عرفوه عبدوه، فهو من باب اطلاق السبب على المسبب.
في كتاب تحف العقول عن الإمام أبي جعفر الباقر× قال: (لا يقبل عمل إلّا بمعرفة، ولا معرفة إلّا بعمل، ومن عرف دلّته معرفته على العمل، ومن لم يعرف فلا عمل).
وجاء في علل الشرايع (ص9) بسنده عن أبي عبد الله× قال: خرج الحسين بن علي÷ على أصحابه فقال: أيّها الناس إنّ الله جل ذكره ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، فقال له رجل: يابن رسول الله بأبي أنت وأمي فما معرفة الله؟ قال×: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته.
قال مصنف الكتاب الشيخ اصدوق عليه الرحمة: يعني بذلك أن يعلم أهل كل زمان أنّ الله هو الذي لا يُخليّهم في كل زمان عن إمام معصوم، فمن عبد رباً لم يقم لهم الحجة، فإنّما عبد غير الله عز وجل.
وإنّ الأئمة الأطهار ـ كما هو ثابت في محله ـ هم باب الله الذي منه يؤتى، ولولاهم لما عرف الله سبحانه.
عن بن عمارة عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد× فقلت له: لِمَ خلق الله الخلق؟ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً، ولم يتركهم سُدىً، بل خلقهم لاظهار قدرته، وليكلّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويُوصلهم إلى نعيم الأبد.
في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين×: يقول الله تعالى: يابن آدم لم أخلقك لأربح عليك، إنّما خلقتك لتربح عليّ، فاتخذني بدلاً من كل شيء، فإنّي ناصر لك من كل شيء.
عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله× عن قول الله عز وجل ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة، قال وسألته عن قول الله عز وجل ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم.
عن جميل بن دُرّاج قال: قلت لأبي عبد الله×: جعلت فداك ما معنى قول الله عز وجل وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ فقال: خلقهم للعبادة، قلت: خاصّة أم عامة؟ قال: بل عامّة.
وجاء في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي+: قوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ اللّام فيه للغرض، إذ أنه إستنثاء من النّفي، ولا ريب في ظهوره في أنّ للخلقةِ غرضاً،وإنّ الغرض العبادة، بمعنى كونهم عابدين لله، لا كونه معبوداً، فقد قال (ليعبدون) ولم يقل (لأُعبد) أو (لأكون معبوداً لهم) فالعبادة غرض لخلقة الإنسان، وكمال عائد إليه، ولو كان للعبادة غرض كالمعرفة الحاصلة بها والخلوص لله، كان هوالغرض الأقصى والعبادة غرضاً متوسطاً ـ وربما هذا معنى قول الإمام× (ليعرفون) .
لا يقال: كون اللام في (ليعبدون) للغرض بعارضه قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فإنّ الظاهر كون الغرض من الخلقة الإختلاف.
كما يعارض قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ (الأعراف: 179) فظاهره كون الغرض من خلق كثير من الجن والإنس دخول جهنم.
لأنه يقال: أمّا الآية الأولى فالإشارة فيها إلى الرحمة دون الإختلاف، وأمّا الثانية فاللّام للغرض لكنّه غرض تبعي وبالقصد الثاني، لا كما في ليعبدون.
فإن قلت: مراد الله لا يتخلّف عن إرادته، فإذا أراد الله شيئاً أن يقول له كن فيكون، فلو كان اللام للغرض لما تخلّف الناس عن العبادة، ومن المعلوم المشاهد أن كثيراً من الناس لا يعبدونه تعالى، فاللام ليس للغرض.
فالجواب: إنّما يرد الإشكال لو كان اللام من الجن والإنس للإستغراق، فيكون تخلّف الغرض في بعض الأفراد منافياً له وتخلّفاً من الغرض، والظاهر ـ والظواهر حجّة ـ إنّ اللام فيهما للجنس دون الإستغراق ووجود العبادة في النوع في الجملة تحقق للغرض، ولا يضرّه تخلّفه في بعض الأفراد. نعم لو إرتفعت العبادة عن جميع الأفراد كان ذلك بطلاناً للغرض، ولله سبحانه في النوع غرض، كما أنّ له في الفرد غرضاً.
وإن قيل: اللام للغرض ولكن المراد من العبادة العبادة التكوينية وليست التشريعية ـ التي هي عبارة عن التكاليف الشرعية التي فيها الثواب والعقاب ـ فيكون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: 44) فالعبادة تكوينية للجن والإنس كالتسبيح التكويني لكل شيء.
فالجواب: لو كانت تكوينيّة، فلماذا قد خصص الله الجن والإنس بهما؟ كما أنّ سياقها سياق توبيخ الكفار على ترك عبادة الله التشريعية، وتهديدهم على إنكار المعاد، وذلك يتعلق بالعبادة التشريعية دون التكوينيّة.
فاللام في (ليعبدون) للغرض، وفي (الجن والإنس) للجنس، والمراد من العبادة العبادة التشريعية، بمعنى أنما يأتي به العبد من الأعمال بالجوارح من قيام وركوع ونحوهما، غرض مطلوب لأجل غرض آخر، هو المثول بين يدي الله سبحانه.
فحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذُّلة والعبودية، وتوجيه وجهه إلى مقام ربّه، وهذا هو مراد من فسّر العبادة بالمعرفة، يعني المعرفة الحاصلة بالعبادة.
فحقيقة العبادة هي الغرض الأقصىمن الخِلقة، وهي أن ينقطع العبد عن نفسه وعن كل شيء ويذكر ربّه الغني المحض والعزيز المطلق، فيرى نفسه فقيراً مملوكاً لرب العالمين، فيسلّم أمره إليه، فإنّه هو الضار وهو النافع. والإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا حياة ولا نشوراً.
وأوّل العلم معرفة الجبار، وآخر العلم تفويض الأمر إليه، فالإنسان الكامل بين المعرفة والتفويض، متزّيناً بالعبادة، ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ (الفرقان: 77) وعبادتكم، فإنّ الدعاء مخّ العبادة ـ كما ورد في الخبر الشريف ـ والعبادة هي غرض الفعل، أي كمال عائد إليه لا إلى الفاعل.
ويظهر من النفي والإستثناء في الآية الشريفة، الذي هو من القصر ـ كما في علم البلاغة ـ أن لا عناية لله بمن لا يعبده، كما يفيده قوله تعالى ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ وهذا يدل على أهميّة الدعاء والعبادة، ولعل تقديم الجن على الإنس في آية (ليعبدون) لسبق خلقهم على خلق الإنس قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ (الحجر: 27).
ثم قد وقع نزاع بين الأعلام في علم الكلام في معرفة الله سبحانه، بأنها اكتسابية ونظرية، أو أنها بديهيّة وضرورية، والحق أنها من النظريات كما عند محققي المتكلمين في قولهم: إنّ النظر أوّل الواجبات على المكلفّين.
وإنّ الآيات القرآنية والروايات الشريفة تحث الإنسان على النظر والإستدلال والتعّقل والتفكر والتدبّر، في المعرفة بالله تعالى وتوحيده وكمال قدرته وعلمه وغاية حكمته. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾(الأعراف: 185).
وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: 2).
فخلقنا برحمة الله للعبادة بعلم ومعرفة، وإنّما الدنيا دار امتحان، والغاية منه تكميل النفوس وتقربّها إلى بارئها فإلى الله المنتهى، وإنّ الإنسان كادح إلى ربّه كدحاً فملاقيه، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
والمعرفة لا تكون نصيب النفوس المنافقة والمريضة الرجسة والمتلوّثّة بالذنوب والمعاصي والصفات الرذيلة، بل لابدّ من قلب زكي نقي طاهر لا فساد فيه ولا مرض، ولا يكون ذلك إلّا بالعبادة والخضوع لله سبحانه والائتمار بأوامره والإنتهاء عن نواهيه، فبرحمة الله خلق الإنسان، ولإيصال رحمة الله ـ الرحمانية والرحيميّة ـ كلفّ العباد من غير حاجة منه سبحانه في خلقهم ولا في تكليفهم ولا ليربح عليهم، وما أرسل الرسل وبعث الأنبياء وأنزل الكتب، إلّا لتعميق وترسيخ هذه المعرفة، وتركيز الحب الإلهي والعشق الربّاني الصمداني في النفوس الطاهرة والأرواح الزكيّة ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)، فلابدّ في إيمان العبد ومعرفته من إثبات ﴿أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ورفض ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فعلى الإنسان أن يبذل كل ما في وسعه في تحصيل معرفة الله، ويبلغ الغاية التي خلق لأجلها.
وبالمعرفة يصل الإنسان الكامل إلى قاب قوسين أو أدنى، إلى جنة عرضها السموات والأرض ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133).
ورأس التقوى المعرفة والعلم.
أجل: العلم والعبادة جوهران لأجلهما خلقت السموات والأرض وما بينهما، ولأجلهما اُنزلت الكتب من السماء واُرسلت الرسل، فهما كل شيء.
فحقيق علينا وعلى كل إنسان فهم الحياة وكشف سّر الخلقة، أن لا يشتغل إلّا بهما ولا ينظر إلّا فيهما فما سواهما لغو لا حاصل له. ولمثل هذا يقول الإمام السجاد×: (لو علمتم ما في طلب العلم لطلبتموه ولو بسفك المُهج وخوض اللُّجج) هذا في مقدار وكيفية السعي، وأمّا في الزمان فقد قال أمير المؤمنين× (اطلب العلم من المهد إلى اللحد) أي طيلة الحياة، وأمّا في المكان فقد قال النبي الأكرم|: (اطلبوا العلم ولو في الصين) كناية عن البعد المكاني.
وأشرف الجوهرين: العلم، فقد جاء في (الكافي :ج1 ص33)  عن مولانا الباقر×: (عالم ينتفع بعلمه ـ هو ينتفع من علمه كما أنّ الناس ينتفعون من علمه ـ أفضل من سبعين ألف عابد).
فلابدّ للعلم من عمل وعبادة، وهذا معنى العلم النافع والإنتفاع به، وإلّا كان العلم هو الحجاب الأكبر، ولم يزدد صاحبه من الله إلّا بُعداً ـ كما ورد في الخبر ـ فالعلم بلا عمل كليلة بلا قمر ـ كناية عن الظلام والظلمة ـ وإنّ العلم بمنزلة الشجرة اليانعة، والعمل والعبادة بمنزلة ثمرة من ثمراتها، فالشرف للشجرة، إذ هي الأصل، لكن الإنتفاع بثمرتها، فلابدّ أن يكون لنا من كلا الأمرين حظ ونصيب ـ فمن أخذ أخذ بحظ وافر ـ وأنّ العلم علم الدين والباقي فضل (إنّما العلم ثلاث آية محكمة ـ علم العقائد ـ وفريضة عادلة ـ علم الفقه ـ وسُنّة قائمة ـ علم الكلام ـ وما سواهن فهو فضل) 
، فعلم الدين فريضة على كل مسلم ومسلمة، وبالعلم يكون الإيمان، والعبادة الصحيحة تورث في القلب صفاءً بجعله مستعدّاً لحصول نور فيه، وليس العلم بكثرة التعلم، إنّما العلم نور يقذفه الله في قلب من يريد الله أن يهديه
، ومن علم وعمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومن تعلّم لله وعمل لله وعلّم لله دُعي في السموات عظيماً.
أن تحصيل العلم مقدّم على العبادة، فإن من لم يعرف المعبود ولا صيغة العبادة، ولا آثارها أنّى تات له العبادة؟ وكيف يكون عمله صائباً؟
فثمرة العلم الطاعة والعبادة، وإنّ العلم أمام العمل والعمل تابعه.
والعبادة على قسمين:
1 ـ العبادة الظاهرة التي هي من تقوى الجوارح والأبدان، كفعل الطاعات الظاهرة، كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغير ذلكمن العبادات والمعاملات، وترك المعاصي الواضحة كلزنا وشرب الخمر ونحو ذلك مما يوجب دخول النار، ويسّمى العلم المتعلق بذلك: علم الشريعة وعلم الفقه.
2 ـ العبادة الباطنة التي هي من تقوى القلوب والأرواح، وإذا صلح القلب صلحت الجوارح، فإنّ القلب سلطان البدن، والناس على دين ملوكهم، فتقوى القلب وإصلاح السريرة والسيرة أبلغ في الوصول من العمل بالجوارح، كالتخلّق بالصفات الحميدة من الإخلاص والتوكلّ علىالله والصبر والشكر وغير ذلك، والتجنّب عن الملكات الرذيلة كالحسد والكبر والعجب والرياء وقول الزور والظلم، وسمي العلم المتعلق بذلك علم السّر وعلم الأخلاق.
وكلتا العبادتين فريضة على كلّ مسلم ومسلمة، لورود الأمر بهما جميعاً في الكتاب والسنة كقوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾(الأنعام: 151).
والتكليف بكلتيهما إنما هو بقدر الوسع والطاقة ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286). والقلوب أوعية ولكن خيرها أوعاها، فلكل منهما درجات في الكمال والنقص وزيادة القرب من الحق بحسب إختلاف الناس درجاتهم في تحملها والعمل بها، وإنّ الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق.
ولكن الناس في العبادة على أقسام ثلاثة ـ كما ورد في الخبر ـ فمنهم من يعبد الله خوفاً من ناره وعذابه، وهذا مثل عمل وعبادة العبيد، ومنهم من يعبد الله طمعاً في جنّته وثوابه، وهذا مثل فعل التجار، فعملهم إنّما هو للربح، الأكثر فالأكثر، ومن الناس وهم أولياء الله المقربون والخلص من عباد الله، يعبدونه شوقاً وحبّاً وشكراً على نعمائه وآلائه، ووجدوا الله أهلاً للعبادة.
فغاية الخلق وسر الحياة: العلم والعبادة المتبلورة بالرحمة الإلهية، والجن والإنس كلفّوا بكسب العلم والعبادة وعلى كل فرد أن يكون عارفاً بالله عايداً ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾(الحمد: 5).
وأمّا الإمتحان والإبتلاء والبلاء الإلهي والفتن والحوادث الكونية إنّما هي ليعلم الناس أيهم أحسن عملاً، ومن ثمَّ أحسن عقلاً ومعرفة، إذ حسن العمل والعبادة بعد حسن المعرفة والعلم بعلمِ الله وقدرته ونتيجة ذلك تكامل الإنسان وبلوغ القمة والوصول إلى الله سبحانه.
وما أروع ما يقوله صدر المتألهين الشيرازي : (فلا غاية له ـ أي لله سبحانه ـ في فعل الوجود إلّا افاضة الخير والجود، بل ليس لجوده غاية سوى وجوده إذ هو غاية الغايات ونهاية النهايات، إليه ينتهي، كل موجود، وبه يقضي كل حاجة ومقصود، إنّما الغاية في فعله لما سواه من ذوي الفقر والحاجة واُولي المسكنة والفاقة وهوايصال كل واحد إلى كماله، وإرواءكل وارد من مشرب جماله، إذ لم يخلق هذا الجسماني الفسيح والفلك والدّ,ار المسيح، إلّا لأمر عظيم خطير، أعظم من هذا المحسوس الحقير).
فالغاية والمقصود من المخلوقات (هو إيصال كل واحد إلى كماله).
وقد ورد عن الإمامين الصادقين÷(الكمال كل الكمال: التفقه في الدين والصبر على النائبة والتقدير في المعيشة) وهذا يعني أن كمال الإنسان في كل أبعاده، العلمي والعملي، والفردي والإجتماعي، المادي والمعنوي، إنّما هو في حركات ثلاثة:
1 ـ الحركة العلمية (التفقه في الدين) فإنّ الفقه بمعنى الفهم وهو يرادف العلم أو يلازمه.
2 ـ الحركة الأخلاقية (الصبر على النائبة) فإن أساس الأخلاقيات هو الصبر والفرد الشاخص له هو الصبر على النائبة.
3 ـ الحركة الإقتصادية (التقدير في المعيشة) فيكون عيشه بقدر معلوم من دون إفراط وتفريط، فيراعي الجانب الاقتصادي في حياته.
وخلاصة الكلام يتضح بهذا المخطط:









هذا والدعاء والتوسل بالله وشفاعة أوليائه، له التأثير البالغ في تكامل روح الإنسان وتعاليه وبلوغ مناه فنسأله بلطفه وكرمه وجوده أن يوفقنا لكل خير ولما يحب ويرضى ويسعدنا في الدارين.
(إلهي أنظر إليَّ نظر من ناديته فأجابك، واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريباً لايبعد عن المغتر به ويا جواداً لا يبخل عمّن رجا ثوابه، إلهي هب لي قلباً يُدنيه منك شوقه، ولساناً يرفع إليك صدقه، ونظراً يُقربّه منك حقّه، إلهي أن من تعرف بك غير مجهول، ومن لاذ بك غير مخذول، ومن أقبلت عليه غير مملوك (ملول) إلهي إن من انتهج بك لمستنير وإن من اعتصم بك لمستجير، وقد لذتُ بك يا إلهي فلا تخيب ظنّي من رحمتك، ولا تحجبني عن رأفتك، إلهي أقمني في أهل ولايتك مقام من رجا الزيادة من محبتك، إلهمني ولهاً بذكرك إلى ذكرك وخمتي في روح نجاح أسمائك ومحل قدسك، إلهي بك عليك إلّا ألحقتني  بمحّل أهل طاعتك والمثوى الصالح من مرضاتك، فإنّي لا أقدرُ لنفسي دفعاً، ولا أملكُ لها نفعاً، إلهي أنا عبدك الضعيف المذنب ومملوكك المنيب (المعيب)، فلا تجعلني ممن صرفت عنه وجهك، وحجبه سهوه عن عفوك، إلهي هب لي كمال الإنقطاع إيك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حُجب النور فتصل إلى معدن العظمةوتصير أرواحنا معلقة بعزّ قدسك، إلهي وإجعلني ممن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك، فناجيته سراً وعمل لك جهراً، إلهي لم أسلّط على حسن ظني قنوط الأياس ولا إنقطع رجائي من جميل كرمك، إلهي إن كانت الخطايا قد اسقطتني لديك فاصفح عني بحسن توكلي عليك، إلهي إن خطّتني الذنوب من مكارم لطفك فقد نبهني اليقين إلى كرم عطفك إلهي إنّ أنامتني الغفلة عن الإستعداد للقائك فقد نبهتني المعرفة بكرم آلائك، إلهي إنّ دعاني إلى النار عظيم عقابك فقد دعاني إلى الجنة جزيل ثوابك، إلهي فلك اسئل وإليك إبتهل وأرغب، واسئلك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعلني ممن يديم ذكرك، ولا ينقص عهدك ولا يغفل عن شكرك، ولا يستخف بأمرك إلهي وألحقني بنور عزّك الأبهج فأكون لك عارفاً، وعن سواك منحرفاً ومنك خائفاً مراقباً، ياذ الجلال والإكرام، وصلى الله على محمد ورسوله وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً) .

ارسال الأسئلة