ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤١/٢/٦ من نحن منشورات مقالات الصور صوتيات فيديو أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ السید عادل العلوي (٤٨)
■ منير الخباز (١)
■ السید احمد البهشتي (٢)
■ حسن الخباز (١)
■ كلمتنا (٢٨)
■ الحاج حسين الشاكري (١١)
■ الاستاذ جعفر البياتي (٤)
■ صالح السلطاني (١)
■ الشيخ محمد رضا آل صادق (١)
■ لبيب بيضون (٧)
■ الدكتور الشيخ عبد الرسول غفّاري (١)
■ السيد حسين الحسني (١)
■ مكي البغدادي (٢)
■ الدكتور حميد النجدي (٣)
■ السيد رامي اليوزبكي (١)
■ سعيد إبراهيم النجفي (١)
■ الدکتور طارق الحسیني (٢)
■ السيّد جعفر الحلّي (١)
■ الاُستاذ ناصر الباقري (١)
■ السيّد محمّد علي الحلو (١)
■ السيّد شهاب الدين الحسيني (١)
■ شريف إبراهيم (١)
■ غدير الأسدي (١)
■ هادي نبوي (١)
■ لطفي عبد الصمد (١)
■ بنت الإمام كاشف الغطاء (١)
■ محمد محسن العید (٢)
■ عبدالله مصطفی دیم (١)
■ المرحوم السید عامر العلوي (٢)
■ میرنو بوبکر بارو (١)
■ الشیخ ریاض الاسدي (٢)
■ السید علي الهاشمي (١)
■ السيّد سمير المسكي (١)
■ الاُستاذ غازي نايف الأسعد (١)
■ السيّد فخر الدين الحيدري (١)
■ الشيخ عبد الله الأسعد (٢)
■ علي خزاعي (١)
■ محمّد مهدي الشامي (١)
■ محمّد محسن العيد (٢)
■ الشيخ خضر الأسدي (٢)
■ أبو فراس الحمداني (١)
■ فرزدق (١)
■ هيئة التحرير (٤٣)
■ دعبل الخزاعي (١)
■ الجواهري (٣)
■ الشيخ إبراهيم الكعبي (١)
■ حامدة جاودان (٣)
■ داخل خضر الرویمي (١)
■ الشيخ إبراهيم الباوي (١)
■ محمدکاظم الشیخ عبدالمحسن الشھابی (١)
■ میثم ھادی (١)
■ سید لیث الحیدري (١)
■ الشیخ حسن الخالدی (٢)
■ الشیخ وھاب الدراجي (١)
■ الحاج عباس الكعبي (٢)
■ ابراھیم جاسم الحسین (١)
■ علي محمد البحّار (١)
■ بلیغ عبدالله محمد البحراني (١)
■ الدكتورحسين علي محفوظ (١٠)
■ حافظ محمد سعيد - نيجيريا (١)
■ الأستاذ العلامة الشيخ علي الکوراني (٤)
■ عزالدین الکاشانی (١)
■ أبو زينب السلطاني - العراق (١)
■ فاطمة خوزي مبارک (١)
■ شیخ جواد آل راضي (١)
■ الشهید الشیخ مرتضی المطهري (١)
■ شيخ ماهر الحجاج - العراق (١)
■ آية الله المرحوم السيد علي بن الحسين العلوي (١٣)
■ رعد الساعدي (١)
■ الشیخ رضا المختاري (١)
■ الشیخ محمد رضا النائیني (٢)
■ الشيخ علي حسن الكعبي (٥)
■ العلامةالسيد محسن الأمين (١)
■ السید علي رضا الموسوي (٢)
■ رحیم أمید (٦)
■ غازي عبد الحسن إبراهيم (١)
■ عبد الرسول محي الدین (١)
■ الشیخ فیصل العلیاوي (١)
■ أبو حوراء الهنداوي (٢)
■ عبد الحمید (١)
■ السيدمصطفیٰ ماجدالحسیني (١)
■ السيد محمد الکاظمي (٣)
■ حسن عجة الکندي (٥)
■ أبو نعمت فخري الباکستاني (١)
■ ابن الوردي (١)
■ محمدبن سلیمان التنکابني (١)
■ عبد المجید (١)
■ الشيخ علي حسین جاسم البھادلي (١)
■ مائدۃ عبدالحمید (٧)
■ كریم بلال ـ الكاظمین (١)
■ عبد الرزاق عبدالواحد (١)
■ أبو بكر الرازي
■ الشيخ غالب الكعبي (٨)
■ ماھر الجراح (٤)
■ الدکتور محمد الجمعة (١)
■ الحاج کمال علوان (٣)
■ السید سعد الذبحاوي (١)
■ فارس علي العامر (٩)
■ رحيم اميد (١)
■ الشيخ محسن القرائتي (١)
■ الشيخ احمد الوائلي (١)
■ الشیخ علي حسن الکعبي (١)
■ عبد الهادي چیوان (٥)
■ الشیخ طالب الخزاعي (٥)
■ عباس توبج (١)
■ السید صباح البهبهاني (١)
■ شیخ محمد عیسی البحراني (١)
■ السید محمد رضا الجلالي (٦)
■ المرحوم سید علي العلوي (١)
■ یاسر الشجاعي (٤)
■ الشیخ علي الشجاعي (١)
■ میمون البراك (١)
■ مفید حمیدیان (٢)
■ مفید حمیدیان
■ السید محمد لاجوردي (١)
■ السید محمد حسن الموسوي (٣)
■ محمد محسن العمید (١)
■ علي یحیی تیمسوقي (١)
■ الدکتور طه السلامي (٣)
■ السید أحمد المددي (٦)
■ رقیة الکعبي (١)
■ عبدالله الشبراوي (١)
■ السید عبد الصاحب الهاشمي (٣)
■ السید فخر الدین الحیدري (١)
■ عبد الاله النعماني (٥)
■ بنت العلي الحیدري (١)
■ السید حمزة ابونمي (١)
■ الشیخ محمد جواد البستاني (٢)
■ نبیهة علي مدن (٢)
■ جبرئیل سیسي (٣)
■ السید محمد علي العلوي (٣)
■ علي الأعظمي البغدادي (١)
■ السید علي الخامنئي (١)
■ حسن بن فرحان المالکي (١)
■ ملا عزیز ابومنتظر (١)
■ السید ب.ج (٢)
■ الشیخ محمد السند
■ الشیخ محمد السند (١)
■ الشیخ حبیب الکاظمي (١)
■ الشیخ حسین عبید القرشي (١)
■ محمد حسین حکمت (١)
■ المأمون العباسي (١)
■ احمد السعیدي (١)
■ سعد هادي السلامي (١)
■ عبد الرحمن صالح العشماوي (١)
■ حسن الشافعي (١)
■ فالح عبد الرضا الموسوي (١)
■ عبد الجلیل المکراني (١)
■ الشريف المرتضی علم الهدی (١)
■ السيد أحمد الحسيني الإشكوري (١)
■ سید حسین الشاهرودي (١)
■ السيد حسن نصر الله (١)
■ ميثم الديري (١)
■ الدكتور علي رمضان الأوسي (٢)
■ حسين عبيد القريشي (١)
■ حسين شرعيات (١)
■ فاضل الفراتي (١)
■ السيد مهدي الغريفي (١)

احدث المقالات

المقالات العشوائية

المقالات الاکثرُ مشاهدة

الممارسة الجماعيّة للعمل الجهادي القسم الثاني - الكوثر العدد التاسع عشر رجب 1424

لممارسة الجماعيّة للعمل الجهادي

القسم الثاني


خلاصة القسم الأوّل في العدد السابق
بيان معنى الجهاد لغةً واصطلاحآ، ثمّ بيان ضرورته في العمل الجماعي ، وسيره التاريخي ، وما ورد في فضله وفضل المجاهدين في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، وأمّا الفصول المتبقّية فإليک ما يلي  :

 الفصل الثالث: أساليب الجهاد

 (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَـنَا) .
جاء في تفسير الآية : «من الواضح أنّ التعبير بالجهاد له معنىً واسع مطلق ، ومثله التعبير بكلمة «فينا» فالتعبير يشمل كلّ سعي وجهاد في سبيل الله ومن
أجله ، وللوصول إلى الأهداف الإلهيّة ، كلّ ذلک يصدق عليه (جَاهَدُوا فِينَا)» . على هذا يمكن أن نقول الواجب على الاُمّة الإسلاميّة أن تثور بكلّ ما اُوتيت من قوّة وعزم وتجاهد، والجهاد كما قلنا في الآية مطلق غير مقيّد، فيشمل الجهاد العسكري والجهاد السياسي والجهاد الثقافي الفكري والجهاد على مستوى الحرب النفسيّة والجهاد الأكبر وجميع المجالات .
فإذا كان الإنسان يجاهد في جميع المجالات ويكون جهاده لله (فِينَا) كانت الهداية الإلهيّة في أثره حتمآ ولا تتخلّف أبدآ (إنْ تَنصُرُوا اللهَ يَـنصُرْكُمْ وَيُـثَـبِّتْ أقْدَامَكُمْ ) ، من هنا يتنوّع الجهاد وأساليبه للوصول إلى أهدافه في 
نشر الإسلام وإقامة حكم الله والعدل على الصعيد الجماعي .
والآن نشرع في أساليب الجهاد :
 1 ـ الجهاد العسكري  :
عبارة عن الجهاد بالمعنى الخاصّ وهو المرادف للقتال ، ويأتي بمعنى تحمّل المشقّة والصعاب وبذل غاية الجهد والوسع من الناحية البدنيّة في محاربة العدوّ وبمختلف الأساليب ، بهدف نشر الإسلام وإعلاء كلمة التوحيد، أو الدفاع عن الإسلام والمسلمين ، وعادةً ما يكون هذا القتال والجهاد في سبيل الله تعالى .
اُسلوب من أساليب الجهاد تحتاجه الاُمّة في مراحل خوض الصراع مع العدوّ، ولهذا الاُسلوب أحكامه وقواعده الخاصّة ، فأحسن طريق لدراستها هي
من الناحية التاريخيّة والقرآنيّة والجغرافيّة من حيث ارتباطها بالقوى والاستعدادات والطاقات للمجتمع الإسلامي .
ينقسم الجهاد العسكري إلى قسمين  :
أوّلا: الجهاد الفردي الخاصّ .
وثانيآ: الجهاد الجماعي العامّ .
أوّلا ـ الجهاد الفردي الخاصّ  :
أو ما يمكن أن يصطلح عليه بالمصطلح المعاصر القوّات ذات المأموريّات الخاصّة ، هو اُسلوب يتّخذ عادةً في مواقع خاصّة يفرضه واقع المرحلة الجهاديّة ، فهو عادةً ما يكون ذا مساحة واسعة من حيث التحرّک الجغرافي فيكون أحيانآ من أجل تحصيل المعلومات أو فتح القنوات مع الجاهير أو القيام بأعمال في عمق أراضي العدوّ لأجل زعزعة جيشه وإيجاد الرعب في قوّاته ، ويكون إمّا باختراق أراضي العدوّ وصفوف جيشه ، أو بالدخول في داخل النظام والعمل لأجل تغيير قسم من القرارات والقوانين لصالح الجماعة المؤمنة .
فأمثله هذه الأساليب الاختصاصيّة التي تقوم بها جماعة خاصّة ومتخصّصة واضحة من خلال استقراء تاريخ الأنبياء والأئمّة وأصحابهم في هذا المجال ؛ فعلى صعيد جلب المعلومات كان الرسول  9 يرسل عيونه لأجل كسب المعلومات عن العدوّ سواء بالنفوذ أو الاختطاف لقسم من جنود العدوّ ولأجل الاستجواب ، ففعل الرسول كلا الطريقتين  :
الاُولى بإرساله (حذيفة اليماني ) في معركة الخندق ليلا لجلب المعلومات ، «قال ابن إسحاق : قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه ؟ قال : نعم يا ابن أخي . قال : فكيف كنتم تصنعون ؟ قال : والله لقد كنّا نجهد، قال : والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ، ولحملناه على أعناقنا! قال : فقال حذيفة : يا ابن أخي ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله بالخندق ، وصلّى رسول الله هويّآ من الليل ، ثمّ التفت إلينا فقال : مَن رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثمّ يرجع ـيشرط له رسول الله الرجعة ـ أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنّة ؟ فما قام رجل من القوم ، من شدّة الخوف ، وشدّة الجوع ، وشدّة البرد، فلمّا لم يقم أحد، دعاني رسول الله، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني ، فقال : يا حذيفة ، إذهب فادخل في القوم ، فانظر ماذا يصنعون ، ولا تحدثن شيئآ حتّى تأتينا. قال : فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، لا تقرّ لهم قدرآ ولا نارآ ولا بناءً، فقام أبو سفيان ، فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت : مَن أنت ؟ فقال : معاوية ، ثمّ ضربت بيدي على الذي عن شمالي فقال : عمرو بن العاص ...! إلى أن قال حذيفة : ولولا عهد رسول الله إليَّ (أن لا تحدث شيئآ حتّى تأتيني ) ثمّ شئت لقتلته بهم (أي أبا سفيان ) قال حذيفة  : فرجعت إلى رسول الله  9 وهو قائم يصلّي فلمّا سلّم أخبرته الخبر» .
والثانية إرساله  9 لثلاثة من أصحابه في معركة بدر لاختطاف العدوّ، وبالتالي استجوابهم : «أرسل الرسول ثلاثة فيهم الإمام عليّ 7 فأتوا ببعض عبيد قريش على ماء بدر، فأخذوهم وسألوهم عن العير، فأنكروا معرفتها، فضربوهم ورسول الله يصلّي ، فانفتل من صلاته وقال : إن صدقوكم فضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم ! ثمّ سألهم عن عدّة قريش فقالوا: إنّه لا علم لهم بعددهم .
فقال : كم تنحرون كلّ يوم من جزور؟ قالوا: تسعة إلى عشرة . فقال : القوم تسع مائة إلى ألف رجل . فأمر بهم فحبسوا» ، وأمّا العمل في داخل أراضي العدوّ والتخريب فاستخدم ذلک الصحابي نعيم بن مسعود بن عامر، فأوجد الفرقة والخلاف بين قريش واليهود في معركة الخندق . (إنّ نعيم ... أتى رسول الله فقال  : يا رسول الله، إنّي قد أسلمت ، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمُرني بما شئت ، فقال رسول الله: إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت ، فإنّ الحرب خدعة .
فخرج نعيم حتّى أتى بني قريظة فقال لهم : لا تقاتلوا مع القوم حتّى تأخذوا منهم رهنآ من أشرافهم ، ثمّ خرج حتّى أتى قريشآ فقال لأبي سفيان : إنّ اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد، وأرسلوا إليه : إنّا قد ندمنا، فهل يرضيک أن نأخذ لک من قريش وغطفان ، رجالا من أشرافهم فنعطيكهم ، ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال لهم مثل ما ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم إلى أن وقع بينهم الفتنة وخذل الله بينهم ) .
وأمّا الدخول في داخل النظام فهذا ما استخدمه مؤمن آل فرعون (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إنَّ المَلأ يَأتَمِرُونَ بِکَ لِـيَقْتُلُوکَ فَاخْرُجْ إنِّي لَکَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) .
جاء في تفسير هذه الآية (ويبدو أنّ هذا الرجل هو «مؤمن آل فرعون »الذي كان يكتم إيمانه ويدعى «حزقيل » وكان من اُسرة فرعون ، وكانت علاقته بفرعون وثيقة بحيث يشترک معه في مثل هذه الجلسات ، وكان متأثّرآ من جرائم فرعون وينتظر أن تقوم ثورة «إلهيّة » ضدّه ويكون الرجل معها).
وكما أعطى الإمام الكاظم 7 الشرعيّة لبعض أصحابه للدخول في الحكم واستلامه لوزارة في دولة بني العبّاس ، (كان عليّ بن يقطين من خواصّ الإمام الكاظم  7 ومن رواة حديثه أمره أن يبقى في وزارته في حكم الرشيد لمساعدة الشيعة والموالين للإمام  7 وأن يرسل إليه الخمس .
وأمّا على مستوى فتح القنوات سواء مع الجماهير والناس تجاه العدوّ أو القيام بأعمال نفوذيّة في عمق أراضي العدوّ.
واضح وبيّن في التاريخ الإسلامي ففي جانب فتح القناة مع الناس تجاه العدوّ أرشد رسول الله  9 أبا بصير في صلح الحديبيّة لذلک . (وجاءه  9 وهو بالمدينة أبو بصير؛ رجل من قريش واسمه عتبة وكان ممّن حُبس بمكّة فأرسلت قريش إلى رسول الله  9 رجلين في رَدّه «وكان من شروط الصلح : على أنّه من أتى محمّدآ من قريش بغير إذن وليّه رَدُّه عليهم »، فأمره بالرجوع فقال : يا رسول الله أتردّني إلى المشركين يفتنونني عن ديني قال : إنّ الله سيجعل لک ولمن حولک من المسلمين فرجآ وخَرجآ، فلمّا كان في بعض الطريق أخذ سيف أحدهما وقتله به وفرّ الآخر وذهب أبو بصير إلى محلّ من طريق الشام تمرّ به عير قريش ، واجتمع إليه جمع من المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكّة صاروا يتسلّلون إليه ...
فكانوا سبعين وانضمّ إليهم ناس من قبائل العرب كانوا أسلموا حتّى بلغوا ثلاثمائة فقطعوا مارّة قريش لا يظفرون بأحد إلّا قتلوه ولا تمرّ بهم عير إلّا أخذوها فكتبت قريش إلى رسول الله 9 تسأله بالأرحام إلّا آواهم ولا حاجة لهم بهم فآواهم رسول الله  9 فقدموا عليه المدينة » .
وأمّا في جانب القيام بأعمال في عمق أراضي العدوّ، فهذا ما أمر به رسول الله  9 الإمام عليّ  7 في معركة خيبر. (روى ابن سعد بسنده عن سلمة بن الأكوع قال : ... إنّ نبيّ الله أرسلني إلى عليّ فقال : لاُعطينّ الراية اليوم رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله في عينيه ثمّ أعطاه الراية فخرج مرحب يخطر بسيفه ويرتجز ويقول  :
قد علمت خيبر أنّي مرحب         شاكي السلاح مجرب
فقال  7 :
أنا الذي سمّتني اُمّي حيدرة         أكليلكم بالسيف كيل السندرة
ليث بغابات شديد قسورة
ثمّ قال : ففلق رأس مرحب بالسيف وكان الفتح على يديه ، عن أبي رافع مولى رسول الله  9 قال : خرجنا مع عليّ بن أبي طالب حين بعثه رسول الله برايته فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم فضربه رجل من اليهود فطاح ترسه من يده فتناول عليّ بابآ كان عند الحصن فتترّس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتّى فتح الله عليه ثمّ ألقاه من يده حين فرغ فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلک الباب فما نُقلبه ) .
ثانيآ ـ الجهاد الجماعي العامّ  :
هذا الاُسلوب يستخدم إمّا بشكل دفاع عن مدينة أو دولة أو على شكل هجوم أو إرسال بعض السرايا للقيام بعمليّات محدودة وقريبة من منطقة المسلمين أو إرسال الجيوش خارج حدود الدولة الإسلاميّة . فينقسم تشكيل الجيوش سواء الدفاعيّة أو الهجوميّة إلى تشكيلات الحرب الجبهويّة المتكوّن من القلب والميمنة والميسرة وموقع القيادة أو على شكل حرب العصابات والنفوذ لمواقع العدوّ أو على شكل احتفاظ بمنطقة والانطلاق والتوسّع منها.
فكلّ هذه الأنواع موجودة في حياة الرسول  9 والحروب والغزوات والسرايا التي جهّزها وخاض غمارها مع العدوّ والذي يريد الاطّلاع عليها يراجع غزوات الرسول  9 (روى ابن سعد في الطبقات أنّ عدد مغازي رسول الله  9 التي غزاها بنفسه كانت سبعآ وعشرين غزوة وسراياه التي بعث بها سبعآ وأربعين سريّة وما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات ) . ونودّ أن نذكر واحدة من غزواته 
 9 من باب التبرّک والتيمّن .
(في حنين عندما انهزم المشركون قتل أبي جرول ـمن المشركين ـ وتجالد المسلمون والمشركون فلمّا رآهم النبيّ قام في ركابي السرج حتّى أشرف على جماعتهم ثمّ قال : الآن حمي الوطيس  :
أنا النبيّ لا كذب         أنا ابن عبد المطّلب
فما كان بأسرع من أن ولّى القوم على أدبارهم ) .
وكذا غزوات وحروب الإمام عليّ  7 في الجمل وصفّين والنهروان وثورة الإمام الحسين 7 والثورات والانتفاضات الشيعيّة فيها هكذا أساليب وأشكال دالّة على الجهاد الجماعي العامّ .
 2 ـ الجهاد السياسي  :
هذا النوع من الجهاد إن لم يكن أحيانآ أهمّ من الجانب العسكري فإنّه لا يقلّ أهميّة عنها، وتأتي أهميّة الجانب السياسي عندما لم تكتمل الظروف الموضوعيّة للمواجهة المسلّحة أحيانآ أو لظروف اُخرى وذلک أنّ حالات المواجهة للعدوّ تكون متنوّعة وبأشكال وأساليب مختلفة .
فخوض الجهاد في هذا الجانب يحتاج إلى قائد محنّکٍ وواعٍ ومستوعب للأحداث والملابسات فيها وأيضآ يحتاج إلى وعي واستيعاب وتفهّم من قبل الثلّة المجاهدة فأحيانآ يدخل القائد ليخوض الصراع السياسي ولكنّ عدم نضوح ووعي الثلّة يؤدّي إلى طرح إشكالات وحتّى اتّهامات لمقام القائد وهذا ما نجده بشكل واضح من خلال إلقاء نظرة موضوعيّة على إشكالات صلح الإمام الحسن 7 واتّهام بعض المؤمنين له (بأنّه أذلّ المؤمنين ): قاله سليمان بن صرد: السلام عليک يا مذلّ المؤمنين ... كما خاطبه بعض أصحابه بقوله فلقد أذللت رقابنا بتسليمک الأمر لهذا الطاغية ) .
وكذا موقف الخوارج من الإمام عليّ  7 (... فجاء الإمام عليّ زهاء عشرين ألفآ مقنّعين في الحديد شاكي السلاح سيوفهم على عواتقهم وقد اسودّت جباههم من السجود... فنادوه باسمه لا بإمراة المؤمنين : قالوا: يا عليّ أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه ، وإلّا قتلناک كما قتلنا ابن عفّان فوالله لنفعلنّها إن لم تجبهم . فقال لهم الأشتر: يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظنّ أنّ صلاتكم زهادة في الدنيا وشوق إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلّا إلى الدنيا من الموت ) . 
وموقف الواقفة من الإمام الرضا  7 (قالوا عند وفاة الإمام الكاظم  7: لا نبايع الرضا فنحن من الواقفة إلى أن يُظهر الله الحجّة ) .
وحتّى أدّى في بعض الأحيان إلى الخروج والثورة وإعلان الجهاد العسكري من قبل بعض الذين لم يدركوا موقف الإمام المعصوم كخروج صاحب الزنج (عليّ بن محمّد صاحب الزنج «ت 255 ه  883 م » قاد ثورة الزنج على العبّاسيّين وأقام شبه نظام عسكري . شيّد مدينتي المختارة والمنيعة ، واحتلّ جنوبي العراق وأحرق البصرة . عجزت الخلافة العبّاسيّة في بغداد عن قهره مدّة 14 عامآ حتّى أنزل به الموفّق يسانده جيش لؤلؤ الضربة القاضية ) .
فأهمّ شيء للثلّة المؤمنة هنا هي الطاعة مثل مالک الأشتر حين أمره الإمام بالرجوع عن القتال في معركة صفّين ، ولم يبقَ من الانتصار على معاوية إلّا حلبة شاة على قول الأشتر.
(حين أرسل الإمام عليّ يزيد بن هاني للأشتر قال : فلا تجيبوهم أمهلوني خوفآ ـما بين الحلبتين ـ فإنّي قد أحسست بالفتح ، قالوا: لا، قال : فاملهوني عدوة الفرس فإنّي قد طمعت في النصر... إلى أن قال : فقد رضيت بما رضي أمير المؤمنين  7) .
والنقطة الاُخرى التي هي جديرة بالملاحظة هي التأهّب والاستعداد في هذه المرحلة للمواجهة في المرحلة اللاحقة (إيّاک والعجلة بالاُمور قبل أوانها، أو التسقّط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكّرت ، أو الوهن عنها إذا استوضحت ، فضع كلّ أمرٍ موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه ) .
إذن تشخيص أبعاد المرحلة القادمة والثبات في المرحلة الحاليّة مسألة مهمّة ، وما يدرينا لعلّ المواجهة في المرحلة اللاحقة مواجهة ثقافيّة في إطارها العامّ وحربيّة عسكريّة في تفاصيلها، ليتأهّب الإنسان ليعرف كيف يخوض الجهاد الفكري والحضاري والعسكري مع العدوّ.
 3 ـ الحرب النفسيّة  :
(هي الاستخدام المتعمّد للدعاية وغيرها من الوسائل ، بهدف التأثير على آراء ومشاعر ومواقف وتصرّفات المجموعات المعادية أو المحايدة أو الصديقة ، دعمآ لسياسة أو لأهداف راهنة ، أو لخطّة عسكريّة ، في ظروف الحرب أو الأزمات والمواجهات ، وتستهدف الحرب النفسيّة بشكلٍ عامّ التأثير على معنويّات الخصم ، والقضاء على إرادته للقتال أو المقاومة ، وفي بعض الأحيان
دفعه إلى تقبّل موقف الطرف الصديق ) .
(فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاکَ إلاَّ بَشَرآ مِثْلَنَا وَمَا نَرَاکَ آتَّبَعَکَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأيِ) .
ممّا لا شکّ فيه أنّ الكفّار استخدموا هذا الاُسلوب من المواجهة مع الأنبياء (أي اُسلوب الحرب النفسيّة )، واستخدموه مع أصحاب وأتباع الأنبياء أيضآ.
(قَالَ المَلأُ الَّذِينَ آسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ آسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أتَعْلَمُونَ أنَّ صَالِحآ مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إنَّا بِمَا اُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ آسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ) .
وكانت هذه الأساليب تجرّ أحيانآ إلى قول الرسول أو دعائه بطلب النصر منه تعالى على هؤلاء.
(وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي ) .
(قَالَ رَبِّ آنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ ) .
فلهذا الاُسلوب القديم الجديد ممارسات خاصّة يستخدمها العدوّ سيّما الدوائر الاستكباريّة وبطريقة فنّيّة ووفق دراسات خاصّة وتستخدم في ذلک طريقة الإلقاء عن طريق الإعلام والنشرات الأخباريّة بحيث تصل الحالة إلى أن
يسيّروا الناس إلى ما هم قاصدوه والناس بدلا من أن تكون هي صاحبة القرار تنتظر إلى ما تقوله الإذاعات أي تصل إلى درجة التوجيه والقيادة وأخذ أوامر الحركة والوقف منهم وهذا ما لاحظناه في تأثير الإعلام الغربي على الرأي العامّ في روسيا والصين وقسم من نهضات الشرق الأوسط .
(وَإذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ آشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) .
فالنتيجة هذا الاُسلوب يخلق كما قالت الآية شعورآ عاطفيّآ بالارتياح عندما تقول الدوائر الاستكباريّة سوف تحلّ مشاكل العالم سيّما الشرق الأوسط فهذا ما يريده الاستكبار، أمّا ما تريده الشعوب فعليها دوائر وخطوط حمراء في داخل ذهنها تخاف حتّى التفكير به مع نفسها.
أمّا أساليب هذه الحرب من قبل العدوّ فهي  :
1 ـ اُسلوب إلباس الباطل لباس الحقّ .
2 ـ الدعاية ونسخ الحقائق .
3 ـ إثارة الرعب .
4 ـ إسلوب الاستهزاء والاستخفاف .
5 ـ إسلوب التشهير.
6 ـ إسلوب الكذب والتناقض والمغالطة والإشاعة .
أمّا أساليب المواجهة لهذه الأساليب فهي  :
1 ـ الاتّصال المباشر والجماعي بالناس .
2 ـ الصبر لحين انجلاء الزوبعة الإعلاميّة .
3 ـ توجيه دعاية مضادّة ومناسبة في الوقت .
أمّا كيفيّة الانتصار في هذه الحرب النفسيّة فهي كالآتي  :
1 ـ الإيمان والعقيدة الراسخة واليقين .
2 ـ الصدق والأمانة .
3 ـ التضحية والفداء.
4 ـ الإيمان بالقائد والدفاع عنه .
5 ـ توجيه الضربة في الوقت المناسب .
 4 ـ الجهاد الفكري  :
هو بمعنى بذل الوسع من أجل استخراج القواعد والاُصول والمباني الفكريّة في عمليّة الجهاد سواء على مستوى المفاهيم والاُصول الثقافيّة أو على المستوى الحضاري أو الحوار الديني والتي يمكن أن يستفاد منها على الصعيد الجماعي للاُمّة التي تخوض معركة التغيير والانبعاث ، ويكون إمّا على شكل اُصول ومباني داخليّة في إيجاد قناعات الاُمّة أو على شكل مباني في مواجهة العدوّ.
(وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا) .
وأمّا قوله «ولن يجعل الله» فمعناه أنّ الحكم يومئذٍ للمؤمنين على الكافرين ، ولن ينعكس الأمر أبدآ، وفيه إياس للمنافقين ، أي لييئس هؤلاء المنافقون فالغلبة للمؤمنين على الكافرين بالآخرة . ويمكن أن يكون نفي السبيل
أعمّ من النشأتين : الدنيا والآخرة ، فإنّ المؤمنين غالبون بإذن الله دائمآ ما داموا ملتزمين بلوازم إيمانهم ، قال تعالى  :(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
بحث روائي  : وفي العيون بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا  7 في قوله الله جلّ جلاله : (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا) ، قال : فإنّه يقول : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين حجّة ، ولقد أخبر الله تعالى عن كفّار قتلوا نبيّهم بغير الحقّ ومع قتلهم إيّاهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا) .
في هذا المجال نؤكّد على جانبين  :
الأوّل : أنّ الفقهاء استدلّوا بهذه الآية على أنّ الكفّار لا يمكن أن يتسلّطوا على المسلمين المؤمنين من الناحية الحقوقيّة والحكميّة ، ومعنى هذا يجب أن لا يخضع المسلم ويستسلم أمام الأحكام الفارغة والمنطق الخاوي لهم ، بل عليه أن يتمسّک بكلمة الله العليا، ومنطق الإسلام القويم في جميع أحواله ، ولا يتّخذهم أولياء دون المؤمنين أيضآ.
الثاني : أنّ ما نراه من انتصار للكافرين على المسلمين ، ليست أنّ الآية لا تفيد الاستمرار والأبديّة بل هو نتيجة عدم تمسّک المسلمين بتكاليفهم ومسؤوليّاتهم الدينيّة من تضامن وجهاد حقيقي واكتساب للعلم ، فإذا أصبحوا بمستوى المسؤوليّة ، وتمسّكوا بالكلمة الحقّة والمنطق السليم فيصدق (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا) .
لا شکّ أنّ للكلمة قوّتها وأفضليّتها في بعض المواقف سيّما إذا كانت المعركة والصراع فكري (وأفضل من ذلک كلمة عدل عند إمامٍ جائر) ، فإنّ لهذا الاُسلوب أهميّة خاصّة وتأثير كبير على مستقبل الرسالة ولكنّ الأهمّ من ذلک هو تصفّح تاريخ معارک الرسول والأئمّة ليُتّخذ تلک العبرة والاُسوة في كيفيّة إطلاق الكلمات والشعارات في كلّ مرحلة .
إذن على الإنسان المجاهد أن يتّعظ من هؤلاء العظام وصحابتهم وينظر إلى أقوالهم في مواقف مهمّة ، مثلا عندما رفع المشركون شعار (لنا العزّى ولا عُزّى لكم ) فنرى المسلمين بالمقابل رفعوا شعارآ يقابل هذا الشعار ويدحض أو يُهبظ عظمة أو تأثير هذا الشعار من نفوسهم فقالوا: (الله ربّنا ولا ربّ لكم)  كان هذا شعار المسلمين في معركة بدر.
وإليک قسم من شعارات المسلمين مع الرسول والإمام عليّ  7 :كان شعار أصحاب رسول الله 9 يوم اُحد: أمِت أمِت .
وكان شعارهم يوم الخندق وبني قريظة : حم ، لا ينصرون .
وكان شعارهم يوم بني المصطلق : يا منصور، أمِت أمِت .
وكان شعار أهل العراق في صفّين مع الإمام عليّ  7: (يا الله يا أحد يا
صمد، يا ربّ محمّد يا رحمن يا رحيم ) .
أو عندما أرادوا من بعض الصحابة التنازل عن الإسلام والرسول والأئمّة تراهم أطلقوا كلماتهم الخالدة أمام هؤلاء الطغاة والظلمة والمتجبّرين .
فهذا عمّار الصابر المحتسب ، وذاک بلال الذي لا زال صوته في آذان المجاهدين وهو يردّد أحدٌ أحدٌ، وهذا أبو ذرّ الذي ينقلونه من أرضٍ إلى أرض وحيدآ فريدآ، وهؤلاء أصحاب الإمام الحسين 7 الذين يتقدّمون للموت بين يديه وهم يقولون : (والله لوددت أنّي قُتلت ثمّ نُشرت ثمّ قُتلت حتّى اُقتل كذا ألف قتلة ، والله لا نُخليک حتّى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة الرسول  9) ، وموقف الفرزدق بن غالب وشعره أمام هشام بن عبد الملک : «إذ أقبل الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين  8، فجعل يطوف بالبيت ، فإذا بلغ الحجر، تنحّى الناس له ، حتّى يستلمه ، هيبةً له وإجلالا! فغاظ ذلک هشامآ، فقال لبعض أصحابه : سَل من هذا الذي قد هابه الناس ، فإنّي لا أعرفه ! فقال الفرزدق : أنا أعرفه ، فقال ارتجالا :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته         والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ
هذا ابن خير عبادِ الله كلّهمُ         هذا التقيّ النقيّ الطاهر العلَمُ
هذا عليّ، رسول الله والده         أمست بنور هداه تهتدي الاُممُ
إذا رأته قريش ، قال قائلها         إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ 
نعم أيّها الإخوة ، يمكن أن تمرّ مرحلة من جهاد المسلمين بهذا النمط من
الجهاد فعلى الإنسان أن يعرف كيف يتكلّم مع العدوّ، وماذا يقول للناس ، وأحيانآ نكتفي بقول نحن مسلمين وموالين لعليّ  7 ونريد حكم الإسلام فعندما يُكسب الرأي العامّ للاُمّة في أيّ بلد من البلدان عندها يستطيع أن يخوض غمار الجهاد السياسي أو العسكري مع الجماهير الملتفّة حوله ، ويتمّ ذلک كلّه كما قال القرآن الكريم : (آدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّکَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ إنَّ رَبَّکَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ) .
فالانتصار على الطغاة وكسب الجماهير يتمّ عن طريق الدعوة إلى الله باُسلوب الحكمة للمثقّفين والعلماء والموعظة لعامّة الناس ، المجادلة أو المناقشة للذين يظهرون العداء أو يطرحون إشكالات أمام الرسالة الإلهيّة بالتالي قد جمع القرآن في هذه الآية أساليب متنوّعة في سبيل الوصول للطريق الحقّ .
من المصاديق البارزة للجهاد الفكري في عصرنا الحاضر هي ثلاثة اُمور أساسيّة : الغزو الثقافي ، الحوار الحضاري ، الحوار الديني .
أوّلا ـ الغزو الثقافي  :
الكلام عن الغزو الثقافي يكون مرّةً في معناه وأهدافه وأركانه ، وتارةً عن الفرق بينها وبين التبادل الثقافي واُخرى عن مواجهة هذا الغزو.
1 ـ ففي معناه نقول : هو أن تقوم مجموعة سياسيّة أو اقتصاديّة بالهجوم على الاُسس والمقوّمات الثقافيّة لاُمّة من الاُمم بهدف تحقيق مآرب الجهة الغازية وجعل تلک الاُمّة منقادة لها من الناحية الثقافيّة والاعتقاديّة قسرآ.
وبالنتيجة يهدف إلى سلخ الجيل الحاضر والجديد، من الاعتقادات
والاُصول الثوريّة ، وبالتالي إلى قلعه من التفكّر بما عنده من مباني أوّليّة وذاتيّة .
2 ـ أمّا أركان هذا الغزو عبارة عن استبدال الثقافة الخاصّة بتلک الاُمّة بالثقافة الأجنبيّة ، عن طريق الهجوم الثقافي ، وبالوسائل الموجودة لديها من أفلام ونشرات وكتب ودعايات على قيم ومباني الثورة الحقيقيّة .
3 ـ أمّا الفرق بين التبادل الثقافي والعلمي والغزو الثقافي ، فإنّ الأوّل عبارة عن تبادل فكري طوعي واختياري بين الفكر الإسلامي وتلقيحاته مع الفكر العالمي فطلب العلم والمعرفة الحقّة ضالّة الإنسان المؤمن وهذا ما يؤكّد عليه الإسلام (الحكمة ضالّة المؤمن ، فحيث وجدها فهو أحقّ بها)  فالإسلام يؤكّد على الاستفادة من كافّة الإمكانيّات في سبيل تنشيط وإثراء حالة البحث والتحقيق بل استوعب الإسلام حالات فلسفيّة وعلميّة وناقشها ووضعها على منهجها السليم بعد الدراسة والمقارنة والتنقيح .
أمّا حالة الغزو والهجوم الثقافي فسرّيّة كما ذكرنا ويهدف إلى استئصال وقطع الثقافة الإسلاميّة واجتثاثها وتبديلها بالاُسس العلمانيّة وبالتالي التوجّه نحو نسيان الله تبارک وتعالى والإسلام .
4 ـ أمّا كيفيّة مواجهة هذا الغزو فيتمّ بواسطة إحياء فطرة الإنسان لأنّ الدين فطري وعميق في وجدان الاُمّة الإسلاميّة .
يقول البروفسور جيتک : (إنّ الغالب في الحضارة الإسلاميّة ، طالما بقيت إسلاميّة ، هو ذكر الله الجنبة الاُنسيّة للبشر مع الباري ) .
فإحلال اُسس التعقّل بدل الجهل ، والجهاد والشهادة بدل الخنوع ، وبكلمة واحدة التمسّک بحبل الله وآل بيته ومباني الإسلام المحمّدي الأصيل بدل الإسلام الذي يكون آلة بيد الفراعنة والطواغيت .
هذا بالشكل الكلّي ، أمّا بالشكل التفصيلي فيحتاج إلى وضع البرامج والخطط بما يتناسب وحجم الغزو وأبعاده وسدّ طرقها، كلّ بحسب ما يستخدمه العدوّ من وسائل قصد المسائل الثقافيّة الحديثة من خلال الأجهزة الجديدة لا يتمّ بالطرق البدائيّة والأوّليّة ، بل يحتاج إلى نفس استخدامات تلک الأجهزة مثل الأقمار الصناعيّة ووسائل الاتّصالات المرئيّة وأجهزة الكومبيوتر والإنترنيت و...
وينبغي أن تتمّ كلّ هذه الاُمور تحت نظر وإشراف علماء الدين وخبراء في العلوم الحديثة ومتخصّصين واعين في فنون الإرشاد والتبليغ والتوجيه .
الثاني ـ الحوار الحضاري  :
تعريف الحضارة : (خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم ... وما ينشأ عن الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلک العمران بطبيعة من الأحوال ) .
إنّ مدنيّة الإنسان واجتماعيّته هو بالطبع ومبني على أساس الفطرة والتوحيد فقد أثبت التاريخ والآثار ذلک ، والقرآن يؤكّد هذا الترابط أيضآ :(يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَـقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَاُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبآ وَقَـبَائِلَ لِتَـعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أتْقَاكُمْ ) .
وبطبيعة الحال ينبغي القول أنّ المجتمع البشري لم يظهر إلى الوجود متكاملا، فالمجتمع البشري يحتاج لظهور الطاقات فتفاوت طبائع الأفراد وميولهم لها دخل في توزيع الأعمال ، وتتمّ عمليّة التوزيع على أساس التنافس ، فالجميع لهم الحرّيّة في اختيار العمل والمسؤوليّة بما تنسجم وقابليّاته ، والحياة ميدان النجاح ، وللجميع حقّ الاشتراک في هذا السباق .
ولكنّ الظاهر أنّ الصراعات وعدم التبادل الثقافي والحضاري بين المجتمعات والأعراف وبعض التقاليد والعادات السيّئة وبروز طبقة المنتفعين والطغاة ، كانت أسباب وراء التخالف والتباعد والطبقيّة بين أبناء البشر.
لذا نجد في هذه المرحلة من الحضارة أنّ بلدان المشرق والعالم الإسلامي تشهد حالات التخلّف والفقر والصراع والتمزّق ، وفي جهة اُخرى من العالم نجد الاتّحادات الكبرى في الاقتصاد والسياسة والاجتماع و... على الرغم من وجود خيرات وثروات في مشرق الأرض ، أضف إلى ذلک التاريخ المجيد المشرق والإسلام الذي استطاع أن يؤسّس نموذج حضاري راقي رغم تعدّد الملل والنحل والديانات .
فإذا لم يتمّ توزيع عادل لما أنتجته البشريّة والعمران من حوائج بشكل متناسب وعامّ ، وما لم يتمّ الرجوع لتوحيد الفطرة والعادات والعقائد والأهداف الإنسانيّة الحقّة فلن يحصل للإنسان التكامل ولا للمجتمع البشري العيش بوئام فإنّ (التكامل يأتي للوجود عن طريق الوفاق والانسجام والتعاون والتآلف والتوادد الاجتماعي لا عن طريق الصراعات والاختلافات والخصومات والتناقضات ) .
وإلّا فإنّ الشعور بالاستعلاء الحضاري عند البعض ، وعدم منح الناس
حقوقهم ، وتحقير الآخرين وأفكارهم ، والانحصار التكنولوجي عند البعض الآخر، والاستعمار بثوب جديد للشعوب ، وسرقة العقول المتخصّصة ، واتّهام مليارد مسلم بالإرهاب لا يأتي إلّا بمزيد من المأساة والويلات على المجتمع البشري .
فإنّ الأصالة (للماء) (فَأمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ ) .
الثالث ـ حوار الأديان  :
(إنّ الدين في عرف القرآن هو السنّة الاجتماعيّة الدائرة في المجتمع ) .
من هنا نستطيع أن نقول إنّ الدين غريزة في ذات الإنسان ، فلا يخلو أيّ مجتمع من سنن وتقاليد وقوانين وهذه بدورها تعبّر عن الدين .
وعلى هذا يمكن أن نستنتج ونقول إنّ البشريّة بينهم نوع من القواسم المشتركة متمخّضة من التمسّک بالكتب السماويّة وأقوال الأنبياء والأوصياء والحكماء المستندة على العقل والبرهان ، وعلى هذا الأساس الاُمم التي آمنت بالله وملائكته واتّبعت أنبياءها وآمنت بكتبها تعدّ في الحقيقة متمسّكة بمبادئ السماء الحقّة ودين الله القويم فكلّ الاُمم مسلمة ، ولكن ينبغي التوجّه إلى أنّ هناک تكامل في الدين وخاتميّة للأنبياء، فعلى هذا الأساس أصبح نوع من الاصطكاک بين الديانات .
فالإسلام الذي يعدّ آخر الديانات استطاع أن يتعامل مع جميع الملل والنحل ويؤمن بالأنبياء والأوصياء جميعآ، ويعتقد ما في الصحف والكتب بل جاء القرآن مبيّنآ لكثير ممّا في الكتب السابقة ، ولم يكن عندها مشكلة من هذه الناحية ، ولكن كانت مشكلة أصحاب الديانات السابقة فلم تؤمن بعضها لا بالقرآن ولا بالنبيّ  9.
فكلام القرآن موضوعي ليس فيه أيّ شکّ وشبهة .
(لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) .
فبعد توضّح معالم الدين الحنيف لا يحتاج إلى إكراه وإدخال الآخرين للدين بالإكراه والجبر، ولا إلى تفتيش العقائد، بل تبيين المباني السليمة والاُصول الحقّة للدين القويم .
ولكن كما قلنا تعامل الإسلام مع كلّ هؤلاء، ولكن كلّ حسب ما في ظرفه من علم وحبّ للحقيقة ، فتعامل مع الذين آمنوا بما عندهم وما في الإسلام  : (وَإنَّ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا اُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا اُنْزِلَ إلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنآ قَلِيلا اُوْلَئِکَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ) .
نزلت في مؤمني أهل الكتاب الذين تركوا العصبيّة ، والتحقوا بالمسلمين وكانوا يشكّلون عددآ معتدّآ به من النصارى واليهود.
فتعامل مع الذين لا يؤمنون به شكل آخر وعلى التفصيل التالي  :
1 ـ لا يؤمن ولا يضمر العداء فيقول في شأن هؤلاء علينا وعليكم الرجوع
للأصل الحضارة ، فإن لم تنسجموا معنا في الدين ، فتعالوا إلى أصل الوحدة الثانية ، أي التوحيد والإيمان بالله وعدم الشرک به ، وإن كنتم لا تتّفقون معنا في النبوّات والكتب (قُلْ يَا أهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ألاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِکَ بِهِ شَيْئآ وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضآ أرْبَابآ مِنْ دُونِ اللهِ) .
2 ـ لا يؤمن ويريد أن يهدم الدين فيتعامل معهم بما عاملوا به أنفسهم إمّا بالجهاد على الصعيد الكلامي أو الحربي أو...
وعودآ على بدء نقول : إنّ الإسلام يتعامل وفق الجهة المعاملة ، وبالنسبة إلى الديانات السماويّة فيتعامل معهم وفق النظرة المستوعبة لجميع الحالات البشريّة ، فينبغي من أهل الديانات الاُخرى أن يتعاملوا مع الإسلام بما هو دين سماوي وكتاب إلهي ونبيّ مرسل ، إن أرادوا الحوار الموضوعي المبني على الحقّ ، وليتكاتفوا جميعآ في حلّ المشكلات الأخلاقيّة والاجتماعيّة للبشر.
فعلى الإنسان المجاهد أن يتسلّح ويتأهّب لمختلف الظروف ليخوض الجهاد وعمليّة التغيير في الاُمّة سواء في الجانب العسكري أو السياسي أو الثقافي الفكري ، إنّ لهذه الأساليب أهمّيتها في الشأن الجماعي حيث نلاحظ وعلى طول التاريخ ، أنّ الاُمّة التي تنتصر وتصل إلى أهدافها في الحرّيّة والاستقلال وإحلال السلام ، قد استفادت من تنوّع الأساليب ، والشيء الأهمّ في هذا الجانب هو أنّ الاستفادة من الاُسلوب المحدّد وفي الظرف المعيّن تقتصر الزمن وتقلّل الخسائر أيضآ.
فتجربة الصدر الأوّل للإسلام والثورة الإسلاميّة وانتصار حزب الله في
لبنان خير شاهد ودليل على ذلک ، إنّ هذه الأساليب يجب أن تكون وفق قواعد ثابتة لا تتغيّر لتكسب الشرعيّة وتصل إلى نتائجها، وهذا ما سوف نوضحه في الفصل اللاحق تحت عنوان «سنن الجهاد».
 
الفصل الرابع: السنن الحاكمة في الجهاد
 
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَـبْدِيلا) .
لقد وضع الله سبحانه لكلّ شيء قوانين وقواعد منها ثابتة ودائمة ومنها مؤقّتة ومرنة حسب الاحتياج ، وطبيعي أن يضع الله سبحانه سنن وبرامج وقواعد ثابتة لهذا النوع من جوانب الحياة ، وهذه السنن واضحة وبديهيّة في طريق الجهاد ولكن لا بأس بالتأكيد وتكرار قسم منها للذكرى (وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ ) .

 1 ـ السنّة الاُولى  :
دفاع الله سبحانه عن المؤمنين (إنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا)  فيكون 
دفاع الله سبحانه عن المؤمن بحرمة دمه وماله وعرضه وغيبته والتعدّي عليه ، أمّا في الحرب والقتال والجهاد فيدافع عنه بعدّة أشكال وطرق ، منها تأييده وتسديده في الثبات وعدم الخوف في المواقف التي تتزلزل فيها الأقدام والنفوس  :(هُنَالِکَ آبْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدآ) .
وأحيانآ يصدّ عن المجاهدين خططآ وأعداءً لم تكن لتخطر على بالهم قطّ ، ولكنّ هذه الحالة الأخيرة متوقّفة على الاستعداد والإعداد للعدوّ لا أن يتّكئ ويعتمد في كلّ شيء على الله بدون الإعداد فهذا لا يمكن أبدآ ـأي لا يمكن أن لا تتجهّز بالسلاح والعدّة ـ وتقول الله يبطل أعمالهم وينسفها من القواعد صحيح هذا، ولكن في مكانه أي يجب أن تعمل وفق ما قالته الآية (وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا آسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ )  فبعد هذا الإعداد يتمّ دفاع الله عن المجاهدين الذين يخطّط لهم الأعداء أشياء لم تصل إليها عقولهم بعد (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ )  ففي هذه الحالة يتدخّل الله سبحانه وتعالى (وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورآ) .
السنّة الثانية  :
إبطال حالة المكر وإرجاعه على فاعله (وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إلاَّ بِأهْلِهِ 
فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَـبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا) .
جاء في تفسير هذه الآية (من سلّ سيف البغي قُتل به ، ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، والحقيقة النابعة من الحقّ والواقع لا تموت ، وإنّها تموت الخرافات والأكاذيب . ولذا نصر سبحانه عبده محمّد  9، واظهر دينه على الشرک كلّه ويخذل المكذّبين كما خذل الشرک حين استسلموا في النهاية لرسول الله صاغرين ) . هكذا يفعل المكر السيّء بأهله على مدى التاريخ وهذا غير خاصّ بالصدر الأوّل للإسلام ، بل في كلّ زمان ومكان .
إذن المهمّ هو العمل السليم في المسيرة الجهاديّة ، وإلّا فطلب النصر بالمكر لا يؤدّي إلّا إلى الخسارة في الدنيا وابتعاد الناس من الماكر والنار في الآخرة كما قال الإمام عليّ  7: «والله ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهيّة الغدر لكنتُ من أدهى الناس » .
فإنّ الغادر والفاجر والماكر معلون على لسان الرسول  9.
 3 ـ السنّة الثالثة  :
العطاء الإلهي غير خاصّ بأحد، بل إنّ الله تعالى عادل ، ومن عدله فسح المجال للجميع أن يعملوا، لأنّ ذلک من شروط التكليف ، وإلّا لا يمكن أن يعمل الإنسان ، بل جعل الله سبحانه عطاءه للجميع سواء المؤمن أو الكافر المجاهد أو القاعد.(كُلاّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّکَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّکَ مَحْظُورآ) .
فالقرآن الكريم يضيف على هذا الكلام في شرح الحالة النفسيّة والتعب الذي يصيب الإنسان المجاهد ويقول له بأنّ أعداءک يألمون ويتعبون أيضآ، ولكنّ الفارق بينک وبين هؤلاء هو شيء واحد: هو الرجاء، أي أنت ترجو من الله النصر لا بالمكر، والثواب منه لا من الظلمة ، والإمداد منه لا من الشيطان ، فبهذه الطريقة يرفع القرآن حالة الملل عن المجاهدين ويرفع بالتالي من روحيّاتهم ومعنويّاتهم .
(وَلا تَهِنُوا فِي آبْتِغَاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمآ حَكِيمآ) .
هذا بالنسبة للمجاهد أمّا أعداء الله فبهذا الجواب القرآني الصارخ يُهبط من عزمه ويُبعده من رحمته ويدخل النار في الآخرة .
(مَلْعُونِينَ أيْنَمَا ثُقِفُوا اُخِذُوا وَقُتِّـلُوا تَقْتِيلا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَـبْدِيلا) .
4 ـ السنّة الرابعة  :
حبّ الله لوحدة الصفّ في العمل الجهادي وبغضه للفرقة ، المقصود بالحبّ هنا إعطاء طابع وصبغة القدسيّة لاُسلوب البرامج والعمل الموحّد، وهي بالنتيجة
تكمل شرط من شروط النصر وتحقيق الأهداف المتوخّاة من الجهاد مثل رفع الظلم ، أو نشر الإسلام أو إقامة حكم الله.
(إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُـقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّآ كَأنَّهُمْ بُـنيَانٌ مَرْصُوصٌ ) .
فالوحدة مطلب وشرط أساسي مهمّ في كلّ عمل سيّما في العمل الجهادي ، ولأهمّيّته أكّد القرآن عليه في آيات كثيرة ، فالظاهر أنّ الخلاف وكثرة الآراء ممّا تبرز بشكل كبير في أساليب الجهاد وأقسامه من حيث وضع الخطط والبرامج ، وأحيانآ تجرّ إلى الجانب العقائدي أيضآ، فنرى القرآن لا يحاول في هذه الآيات إخفاء حالة أو ظاهرة الخلاف ، لا بل يقرّها، ولكن يوضع لها إسلوب سليم في كيفيّة الحلّ والحقيقة .
إنّ هذا الاُسلوب هو الاُسلوب الصحيح من الناحية المنطقيّة والعقليّة إضافةً للناحية الشرعيّة .
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَـنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) .
فالأحسن أن نرجع إلى الإمام عليّ  7 في تفسير هذه الآية (يقول الإمام عليّ  7 في تفسير هذه الآية : فالردّ إلى الله الأخذ بمحكم كتابه ، والردّ إلى الرسول الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة ) . ولكنّ المشكلة الردّ إلى الكتاب
والسنّة يحتاج إلى قيّم ومفسّر، فمن يكون هؤلاء يا ترى القيّمين هم الأئمّة  : ومن بعدهم العلماء وبشهادة الآية القرآنيّة (وَإذا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوْ الخَوْفِ أذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى اُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ) .
فالردّ إلى الرسول واضح ، واُولي الأمر الأئمّة الأطهار  : أيضآ واضح ، والذين يستنبطونه العلماء أيضآ، واضح إذن ما على الإنسان إلّا أن يطيع هؤلاء وإلّا (فمعصية الناصح الشفيق العالم المجرّب تورث الحسرة ، وتعقب الندامة).
5 ـ السنّة الخامسة  :
خذلان وخسارة من يتّخذ غير الله: عادة الذين يريدون الإصلاح والتغيير ومواجهة الحكومات الظالمة يحتاجون إلى دعم وسند وناصر ووليّ لهم وهذه سنّة جارية منذ النشأة الاُولى للخليقة ، ولكنّ المشكلة تكمن في تشخيص الناصر، هنا على حدّ التشخيص يتفرّق الناس في اتّخاذ الناصر فمنهم من يتّخذ الله فهذا هو المنتصر في النهاية ، ومنهم من يتّخذ غير الله فهو المخذول في النهاية ، والأمثلة من التاريخ البشري واضحة لا لبس فيها، فمنهم من اتّخذ الشيطان فقال له في النهاية  : (إنِّي أرَى مَا لا تَرَوْنَ إنِّي أخَافُ اللهَ) ، ومنهم من اتّخذ المستكبرين فأرداه في نار جهنّم ، وقال لا شُغل لي بک . ولم أكن أنا السبب (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) ، أمّا نتائجها الدنيويّة فواضحة (مَثَلُ الَّذِينَ آتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ آتَّخَذَتْ بَـيْتآ وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَـيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) . فلاحظنا كم من النهضات والثورات اعتمدت على روسيا، وإذا بها انتهت في ساعة الاحتياج ، وكم اعتمدوا على أمريكا وإذا بهم انتهوا في ساعة الشدّة ، مثل الشاه وغيره (إنّ فاقد الشيء لا يعطيه )  إنّ الذي ينقصه قواعد وقيم ومبادئ حقوق الإنسان والحرّيّة الواقعيّة والحبّ للبشر لا يستطيع أن يعطي للاخرين الاستقلال والسلام ، وليس همّ هؤلاء الشعوب ، بل همّهم الوحيد الحروب ، فاستعرض الخارطة السياسيّة للعالم أمامک الآن لا تجد نارآ للحرب وفسادآ بين الدول وإلقاء العداوة ، إلّا وتجد أمريكا وإسرائيل فيها، فليس هؤلاء إلّا كما قال القرآن الكريم : (وَألْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كُلَّمَا أوْقَدُوا نَارآ لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادآ وَاللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ) .
فإنّ من يتّخذ وليّآ سيّما الشيطان سوف لا يحصد إلّا السراب .
(وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلاَّ غُرُورآ) .
إنّ هذه السنن هي كما ذكرنا عبارة عن قواعد وأركان كلّيّة ثابتة في عمليّة خوض الجهاد تجاه العدوّ، وبالتالي تتحكّم في نتيجة ما تصل إليه الاُمم والجماعات ، ولا يمكن لأيّ جماعة أن تقفز على السطح وتصل ثورتها لنتائج دون أن تضع هذه القواعد والسنن نصب عينيها، فتصفّح التاريخ تدلّنا على مصاديق كلّ سنّة من هذه السنن ، ولكن يبقى شيء في البين وهو من الذي يتمسّک ويؤمن بهذه القواعد؟ هذا ما سوف نوضحه في الجهاد الأكبر.

 الفصل الخامس: الجهاد الأكبر
 
1 ـ في تعريف وأوصاف النفس ، وفضل جهادها :
أ ـ تعريف النفس وأوصافها: قد تعدّدت آراء أهل الكلام ـفي النفس ـ تعدّدآ كثيرآ، حتّى قيل : إنّها بلغت إلى قريب من أربعين مذهب ليس على واحد منها دليل قطعي .
فالحقّ ما قاله المحقّقون من الحكماء والمكاشفون من العرفاء: إنّه جوهر مجرّد مدبّر للبدن حافظ له .
من الأقوال أنّ النفس مجرّدة حدوثآ وبقاءً، ومنهم قائلين من كونها جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء.
فالحقّ أنّ النفس الإنسانيّة جسمانيّة الحدوث والتصرّف وروحانيّة البقاء والتعقّل ، فتصرّفها في الأجسام جسمانى ، وتعقّلها لذاتها وذات جاعلها روحاني .
ب ـ أوصاف النفس : ورد في القرآن الكريم ثلاثة أوصاف للنفس وهذه الأوصاف هي النفس المطمئنّة واللوّامة والأمّارة بالسوء وقيل إنّها إشارة إلى القوى الثلاث الموجودة في الإنسان أي العاقلة والسبعيّة والبهيميّة .
ويقول صاحب جامع السعادات بهذا الخصوص «والحقّ أنّها أوصاف ثلاثة للنفس بحسب اختلاف أحوالها، فإذا غلبت قوّتها العاقلة على الثلاث الاُخر ـالسبعيّة والبهيميّة والوهميّة ـ وصارت منقادة لها مقهورة منها وزال اضطرابها الحاصل من مدافعتها سمّيت (مطمئنّة )، لسكونها حينئذٍ تحت الأوامر والنواهي ، وميلها إلى ملائماتها التي تقضي جبلتها، وإذا لم تتمّ غلبتها وكان بينها تنازع وتدافع ، وكلّما صارت مغلوبة عنها بارتكاب المعاصي حصلت للنفس لوم وندامة سمّيت (لوّامة ). وإذا صارت مغلوبة منها مذعنة لها من دون دفاع سمّيت (أمّارة بالسوء) لأنّه لمّا اضمحلّت قوّتها العاقلة وأذعنت للقوى الشيطانيّة من دون مدافعة ، فكأنّما هي الآمرة بالسوء) .
والكلام يقع هنا أيّ نفس نريد أن نجاهدها، لا شکّ أنّ الشرع الإسلامي لا يرضى بالصفات القبيحة والتي هي بدورها تورد الإنسان في الذنب والذي يظهر أنّ النفس في وصفها الأوّل أي المطمئنّة خارجة عن مورد بحثنا، لأنّها لا تحمل الصفات القبيحة ، ولا هي مرتكبة لذنب ، فيبقى عندنا النفس اللوّامة التي تلوم صاحبها عند ارتكاب الذنب ، والنفس الأمّارة بالسوء التي هي الآمرة بالذنب أساسآ هما اللتان داخلتان في مورد كلامنا، والمطلوب من كلّ إنسان مسلم أن يجاهد نفسه ، لينتقل من ذلّ المعاصي والذنوب وآثارها القبيحة إلى حيث جنّة المأوى والنفس المطمئنّة .
فانتصار الإنسان على نفسه هو الانتصار على العدوّ الداخلي التي هي مقدّمة للانتصار على العدوّ الخارجي .
ج ـ فضل جهاد النفس : أن يكون المجتمع جهادي بظواهره الخارجيّة محتاجة لتنزل إلى عمق نفسها لتجاهدها وتهذّبها. وإنّ أفضل الجهاد في الإسلام هو جهاد النفس ، وقد عبّر عنه النبيّ الأكرم  9 بالجهاد الأكبر أي هو أعظم من جهاد العدوّ، والذي عُبّر عنه بالجهاد الأصغر.
وإذا لم يتوفّر في الإنسان بناء نفسه بالمعنى الواقعي ، فلن ينتصر في جهاده على أعدائه ، إضافةً لما ذُكر في البداية .
إنّ رسول الله  9 بعث سريّة فلمّا رجعوا قال : مرحبآ بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل : يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال  : جهاد النفس . ثمّ قال  9: «أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه» .
2 ـ كيفيّة مجاهدة وتهذيب النفس  :
بعد معرفة مكانة وأهمّيّة مجاهدة النفس نأتي إلى كيفيّة المجاهدة والتهذيب ، فنقول : إنّ الله خلق الإنسان وفي ذاته معرفة فطريّة أوّليّة إلهاميّة في
النزوع والرغبة لمعرفة الخير وتمييز الشرّ.
(وَنَـفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَألْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَـقْوَاهَا) .
فوفق هذه المعرفة الأوّليّة أنزل الباري تعالى التشريع وكلّف الإنسان فأوّل ما كلّفه هو إلزام ومجاهدة النفس على طاعة الله، وما يريده من الوظائف والأحكام ، وبعد ذلک نهاهه عن المعاصي والذنوب .
فوضع سبحانه وتعالى وفق ما أنزل على أنبيائه من شرائع عبر طرق الوحي تفاصيل ما يريده بشكلٍ منهجيّ وتشريعي مبين .
عن أبي عبد الله  7 قال لرجل : «إنّک قد جُعلت طبيب نفسک ، وبين لک الداء، وعرفت آية الصحّة ودللت على الدواء، فانظر كيف قيامک على نفسک » .
فعلى الإنسان إذن أن يجاهد نفسه بالشكل الذي يوافق فطرته ويريده تعالى ، لقد وضّحت الروايات سبيل ومنهج مجاهدة النفس فأهمّ ما أكّدت عليها الروايات هي صدّ النفس عن الهوى سئل عليّ  7: عن أيّ سلطانٍ أغلب وأقوى قال الهوى )  فاتّباع الهوى يسلب الإنسان وسائل الهداية والإدراک الصحيح للحقائق ، ويلقي الحجب على عقل الإنسان والرين على قلبه ، وهو بالتالي طريق بنفوذ الشيطان ويوصله في النهاية إلى محاربة الله وأوليائه ، لا بل يكون إلهه الهوى .
(أفَرَأيْتَ مَنِ آتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ ) .
وأمّا من خالف هواه وجاهد فيكون ثمنه الجنّة في الآخرة ويقهر ويملک نفسه في الدنيا.
ولكنّ المسألة المهمّة كيف يجاهد الإنسان نفسه ويصدّ هواه ؟
الجواب الروايات توضح ذلک أيضآ.
أوّلا: من الناحية العقليّة : يتمّ الجهاد بالعلم .
ثانيآ: من ناحية الوصول للسعادة : فطامها من لذّات الدنيا.
ثالثآ: من ناحية البطن : قلّة الطعام والشراب .
رابعآ: من الناحية السبُعيّة : مغالبة الغضب .
خامسآ: من ناحية الغريزة الجنسيّة : بالكفّ عن الشهوات .
واللطيف في النقطة الثالثة والخامسة هناک نتائج اُخرى منها في مجاهدة وعفّة البطن والفرج استضلال الملائكة وإحلال الحكمة في القلب .
فبتهذيب ومجاهدة النفس عن الهوى وقلع ونزع هذه الشجرة الخبيثة تنمو، وتستقيم شجرة الصالحات وتكون الثمرة كما بيّنت الروايات .
أوّلا: العصمة من الذنوب .
ثانيآ: رفع الدرجات ومضاعفة الحسنات .
ثالثآ: كمال وصلاح النفس .
المحصّلة والعصارة : بعد أن فرض الله الجهاد على النفس والقلب أراد أن تظهر على الجوارح على شكل حقوق وفروض .
عن أبي عبد الله  7: وفرض على اليدين ... وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم ، والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات .
ولعلّ الرواية إشارة خفيّة على دعوى الآية القرآنيّة إلى الجهاد النفسي والإنفاق في سبيل تحقيق أهداف الجهاد.
(يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَـنُوا هَلْ أدُلُّـكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُـنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ * تُـؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأمْوَالِكُمْ وَأنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .
بهذه الركيزة المهمّة أي ركيزة (الجهاد الأكبر) تكون قد تمّت واكتملت عناصر الجهاد من ناحية تأمين الجانب النفسي والسلوكي ، وبهذا يمكن لنا البحث بعد هذا عن النتائج والأهداف ـالدنيويّة والاُخرويّة المادّيّة والمعنويّة والأجر والثواب ـ لعمليّة الجهاد سيّما فيما ترجع هذه العمليّة من نتائج على الجماعة المجاهدة والاُمّة ، هذا ما نبحثه في أهداف الجهاد.

الفصل السادس: أهداف الجهاد
 
إنّ أصل تشريع القتال والأمر بالجهاد من قبل الباري تعالى هو لأجل أهداف سامية ، وهذه الأهداف هي بحدّ ذاتها متطلّبات الجماعة الإنسانيّة ، ولها مرتكزاتها الذاتيّة في فطرة ووجدان الإنسان ، فإذن إنّ أصل تشريع القتل والقتال لا لأجل الفساد كما يذهب إليه البعض ، بل من أجل المتطلّبات الحقّة (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) . فهذا التشريع الربّاني والتوصيات هي كما ذكرنا من أجل متطلّبات الإنسانيّة الحقّة ، فمن من الناس ليس له ضمير، لا يتحرّک أمام صرخات الشيوخ والنساء والولدان من اجل الإنقاذ من الظلم ، ومَن منهم لا يريد المنهج السليم المبتني على الخير والسعادة ، ومن لا يريد الحكم الصالح ، ومَن لا يريد الأجر والثواب الاُخروي ، إلّا الذي أحبّ الضلال وانسلخ عن الإنسانيّة ونسى قواعد وقيم السماء (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إذَا فَرِحُوا بِمَا اُوتُوا أخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) .
لكنّ الإنسان ذو الفطرة السليمة يؤمن بالجهاد والمبادئ الثوريّة ، فاُولئک لهم الخير والسعادة في الدنيا والآخرة (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا
بِأمْوَالِهِمْ وَأنفُسِهِمْ وَاُوْلَئِکَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَاُوْلَئِکَ هُمُ المُفْلِحُونَ * أعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِکَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) . بعد هذه المقدّمة نستعرض أهمّ أهداف الجهاد سواء على مستوى الأهداف الدنيويّة أو الأهداف الاُخرويّة .
 أوّلا ـ الأهداف الدنيويّة للجهاد :
1 ـ لدفع الفتنة وذلک لكي لا يصاب المؤمنون بالبلاء لأنّ العذاب يعمّ عند انحراف الذين ظلموا عن جادّة الحقّ .
(وَآتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ) .
وجانب ثانٍ لدفع الانحراف عن الدين ولكي يكون الدين خالص وبدون أيّ شائبة فيه ، أي الرجوع إلى الدين الإسلامي الحنيف أو الإسلام المحمّدي الأصيل كما في تعبير السيّد الإمام الراحل  2 (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) .
2 ـ القتال من أجل المحرومين والمستضعفين وخلاصهم من الظلم والحكّام الظلمة .
(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّـنَا أخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أهْلُهَا) .
إنّ الجانب العاطفي في النهضات تساهم في دعم حركة الجهاد في الوصول لأهدافها، فمفردات الزوجة والأطفال والشيوخ والاُمّ هذه المقدّسات تعدّ المكوک والجوهر المحرّک في الدفع لساحة المواجهة والدفاع عن الحريم الاجتماعي ، وبالتالي تعدّ هذه الركيزة الثانية بعد سبيل الله في المسير للقتال والجهاد ينبغي الالتفات وبموضوعيّة تامّة لهذه الركيزة التي تعدّ نصف المجتمع في حركة الوصول إلى التكامل وبقاء النسل .
3 ـ القتال رفع الظلم والنجاة من الظلمة والانتصار.
(اُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَـقَدِيرٌ) .
(وَآنتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) .
إنّ مبدأ النجاة من الظلمة ورفع المظلوميّة تعدّ من المرتكزات الأوّليّة الأصيلة في أصل تشريع الجهاد، وهذا المبدأ جاري في كلّ مراحل التاريخ ، ما زال هناک ظالم ومظلوم وبطبيعة الحال رفع هذه المظلوميّة تؤدّي إلى تحقيق مبدأ العدل والمساواة في المجتمع سواء الإسلامي أو الإنساني .
4 ـ القتال من أجل نشر وإقامة حكم الله، فلا يتمّ نشر الإسلام وتطبيق مفاهيمه بالشكل الواقعي إلّا بإقامة حكم الله، وهذا الهدف الأخير واضح من خلال الآية القرآنيّة ، وكذلک تعدّ من الوعد الإلهي المتحقّق الوقوع (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ آسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ )  يعني
القرآن لا يكتفي برفع الظلم عن الذين استضعفوا وبعدها يصادر الحكم إلى الآخرين ، بل يؤكّد على أنّه نجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين ، أي نجعلهم حكّامآ، ولا يتمّ ذلک إلّا بإقامة حكمه في الأرض .
النتيجة أنّ أهمّ ما يحقّقه الجهاد من الأهداف الدنيويّة بعد أن يحقّق أهدافه الثانويّة ، هي هداية السبيل ، أي الوصول إلى تطبيق الإسلام وإقامة حكم الله.
فبعد حكومة الأنبياء وحكم الرسول والإمام عليّ  7 حقّق الجهاد الأهداف الثانويّة الاُخرى ، في قسم من البلاد الإسلاميّة وعلى أيدي القادة الإلهيّين ، ولكنّها لم تصل إلى قطف الثمرة المترتّبة على الجهاد، فالاُمّة وإلى ما قبل الدولة الإسلاميّة المباركة لم تصل إلى هذه النتيجة على الرغم من خوض الجهاد والشهادة وهذا ملاحظ على الثورات سواء في بلدان المشرق الإسلامي مثل العراق ولبنان وسوريا أو بلدان المغرب من دول أفريقيا المظلومة كالسودان ومصر والجزائر وتونس و... فهذه الاُمّة المضطهدة التي طالما قامت بثورات على أساس مفاهيم وقيم الجهاد والشهادة ولكن لم تصل لنتيجة حيث اُستُغلّت من قبل اُناس غاصبين لحقّ الشعوب وأهلكوا الحرث والنسل .
إذن فلنكن واعين ومتبصّرين لما يدور في عالمنا الإسلامي وما وصلت إليها الاُمّة من حالة الجهاد والغليان والثورة فلنُتمّ الطريق إلى النتيجة في إقامة حكم الله وإلّا تصادر ثمار الجهاد ودم آلاف الشهداء كالسابق ويذهب طاغوت
ويأتي من هو أتعس منه (إذا عمل أحدكم عملا فليتقنه ).
 ثانيآ ـ الأهداف الاُخرويّة للجهاد :
هناک أهداف اُخرويّة وثمار معنويّة هي مقدّمة للوصول إلى ثواب الله تعالى فالجهاد بحدّ ذاته يوصل الإنسان إلى درجات الكمال ونتيجة الكمال هو الابتعاد عن الذنوب وبالتالي غفران الله تعالى له ما تقدّم من ذنبه ، وما تأخّر إضافة إلى استبدال سيّئاته حسنات .
(لِـيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا) .
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا اُوْلَئِکَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّآ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) .
(فَاُوْلَئِکَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّـئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) .
ويحصل بالنتيجة على ثواب الآخرة وأيّ ثواب ودرجة ؟ فيحصل من الثواب أحسنه ومن الدرجة من ناحية المكان فهو (مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ )  ومن المقام (الَّذِينَ آمَنُوا 
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأمْوَالِهِمْ وَأنفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَاُوْلَئِکَ هُمُ الفَائِزُونَ )  فينال درجة ومقام الشهادة سواء مات أو قُتل (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقآ حَسَنآ وَإنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) . فهذا الرزق هو نفس الرزق الذي وعد الله به الشهداء (بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )  فذكر هنا في ذيل الآية لهؤلاء الرزق والحياة عند ربّهم سواء ماتوا أو قُتلوا.
فممّا يرزق الله به المجاهدين والشهداء في سبيله الحور العين (إنّ الشهيد إذا ما اُصيب تدلّت زوجتاه من الحور العين عليه تنفضان التراب عن وجهه وتقولان : ترّب الله وجه من ترّبک ، وقتل من قتلک ) ، ولا يمتحن المجاهد المقتول في سبيله في القبر والبرزخ لتأثير الأعمال الصعبة والشاقّة التي تحمله في سبيل الجهاد إلى أن جعله يتكامل ، وبعدها يدخل الإنسان الجنّة حيث النعيم الدائم والجلوس على الأرائک وخدمة الولدان والأنهار التي تجري (فَلا تَعْلَمُ نَـفْسٌ مَا اُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ ) .
والأهمّ من كلّ هذا وذاک الرسالة الإلهيّة المقدّمة لهؤلاء بالخلود الدائم من الحياة (من الحيّ الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت ) . إنّ مع هذه النعم والخلود شيء مهمّ وغاية نهائيّة للإنسان فهذه الغاية هي  :(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أكْبَرُ) .
(لَـيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ ) .
أي رضا الله من العبد ورضا العبد من الله. نسأل الله تعالى لنا ولكم ذلک .
خلاصة الكلام في هذا الفصل تخوض الاُمّة الجهاد وفق المباني والاُسس السليمة وما تقدّمه من تضحيات تكون حتمآ ناظرة إلى ما تثمره هذه العمليّة من نتائج وتحقّق من أهداف ، فعلى هذا يجب أن تبيّن الجماعة المجاهدة وتوضع أهدافها منذ الوهلة الاُولى لأنّه وكما ذكرنا لطالما رأينا كيف أنّ بعض الاُمم والشعوب تحرّكت وناضلت وجاهدت ولكن صودر جهادها وحجب أهداف تحرّكها في ساعة الانتصار والثمرة ، فالاُمّة المعتقدة بأهدافها والمطمئنّة بأبنائها سوف لا تُقهر ولا تُغلب ولا تُخدع لا في زمن الثورة ولا في زمن الدولة ، ولا تكون كلّ ذلک إلّا بالنظرة الدقيقة والثاقبة كما ذكرنا لأهداف الجهاد سواء الدنيويّة منها أو الاُخرويّة ، الماديّة أو المعنوية .
 
الخاتمة
 
إنّ الشيء المهمّ الذي نودّ الإشارة إليه في الخاتمة هو خلق الحالة الجهاديّة في نفوس الاُمّة سواء على مستوى الشباب أو الشيوخ أو النساء، ولكن كلّ حسب ما يقتضيه وضعه التكويني الخاصّ ووظيفته الشرعيّة المبيّنة في الشرع الإسلامي .
فالتعبئة الجماعيّة وعلى المستوى العامّ للشعوب الإسلاميّة ممّا يستعجل الوصول إلى الأهداف ، فإنّ هذا النوع من التعبئة تسمّى بمصطلح اليوم بحرب الشعب وعلى مصطلحنا بالممارسة الجماعيّة للعمل الجهادي وهذا شيء مهمّ ونرى كيف أنّ الرسول استفاد منه ، والأمثلة دالّة عليه ، كما في معركة اُحد وإتيان الشباب للرسول وهم يقفون على أصابعهم لأجل أن يأخذهم الرسول  9. (أجاز رسول الله في اُحد سمرة بن جندب الفزاري ، ورافع بن خديج ، أخا بني حارثة ، وهما ابنا خمس عشرة سنة ، وكان قد ردّهما، فقيل له : يا رسول الله، إنّ رافعآ رامٍ ، فأجازه فلمّا أجاز رافعآ، قيل له : يا رسول الله فإنّ سمرة يصرع رافعآ فأجازه ) . 
أو مشاركة قسم من النساء في معركة اُحد ودفاعها عن الرسول . (قالت اُمّ عمارة ، نسيبة بنت لعب المازنيّة عن يوم اُحد: خرجت أوّل النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله  9 وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين ، فلمّا انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله فقمت اُباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتّى خلصت الجراح إليَّ أن قالت أقبل ابن قمئة يقول دلّوني على محمّد، فلا نجوت إن نجا، فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير واُناس ممّن ثبت مع رسول الله  9 فضربني هذه الضربة ، ولكن فلقد ضربته على ذلک ضربات ) . وكذا مشاركة الشيوخ في معركة اُحد. (لمّا خرج رسول
الله  9 إلى اُحد، وضع حسيل بن جابر بن اليمان ، وثابت بن رفش في الأطام مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران : لا أبا لک ما ننتظر... أفلا نأخذ أسيافنا ثمّ نلحق برسول الله لعلّ الله يرزقنا شهادةً مع رسول الله؟ فأخذا أسيافهم ثمّ خرجا حتّى دخلا الناس فاستشهد ثابت على يد المشركين ، وأمّا حُسيل فقتله المسلمين ، ولا يعرفونه وفداه الرسول  9 .
وحتّى وصلت الحالة إلى دخول المعوقين في الحرب . (إنّ عمر بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله المشاهد، فلمّا كان يوم اُحد أرادوا حبسه وقالوا له : إنّ الله قد عذرک ، فأتى رسول الله فقال : إنّ بُنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معک ، فوالله إنّي لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنّة . فقال رسول الله  9: أمّا أنت فقد عذرک الله فلا جهاد عليک ، وقال لبنيه : ما عليكم أن لا تمنعوه لعلّ الله يريد أن يرزقه الشهادة ، فخرج معه ، فقُتل يوم اُحد) .
ونرى هذه الطريقة واضحة في تعبئة الإمام الراحل فبروحه ونفوذه الروحي والسلوكي وارتباطه بالله تعالى ، وبمباني ومبادئ الجهاد في سبيل الله، استطاع أن يعبّئ هذه الاُمّة ويشكّل بذلک جبهة قويّة ومتماسكة في الداخل والخارج .
ولا يتمّ كلّ هذا إلّا بالسيرة العمليّة للمجاهدين ، وما انتشر الإسلام
ومفاهيمه في مشارق الأرض ومغاربها إلّا بهذا الشكل ، حتّى فتحوا القلوب ودخلوا البلدان ، وأخذت المفاهيم الجهاديّة تنغرس في ذات الشعوب . وأصبحوا هم حاملين لراية الإسلام وحكومته لقرون في بلادهم ، وحتّى أثّروا على البلدان المجاورة كأسبانيا والهند وفارس وتركيا.
فأخلاقيّة المجاهدين ومباني دينهم القويم فتحت أكثر البلدان وبدون حرب وقتال كبيرين كما في فتح بلاد فارس ، وبأخلاقيّة هؤلاء العظام دفعت أصحاب الديانات الاُخرى الجزية ، وفتحوا أبواب فلسطين أمام جند الإسلام ، وأطلقوا كلمتهم الخالدة على مرّ الدهور :«إنّ دفعنا للجزيّة والبقاء معكم أفضل من البقاء تحت جور الروم والصليبيّين ».
فإذن أيّها الإخوة إنّ مستقبل العالم والعالم الإسلامي خاصّة متوقّف على الإخوة المجاهدين أنفسهم ، لأن يكونوا القدوة والاُسوة للناس ، لكي يقبلوا أفكارهم وآراءهم في الحياة الدنيا والآخرة .
فوالله إنّ كلّ إنسان مجاهد متّزن ومتكامل في مواقفه ، والصابر عند البأساء والضرّاء، والذاكر الله، والمتوكّل عليه ، قادر أن يكون اُسوة وقدوة في مجتمعه ومحيطه واُمّته .
فلنكن أهلا لتحمّل هذه المسؤوليّة لكي نسير بالاُمّة لتحقّق أهدافها؛ فلنتجرّد عن الذات ، لنأخذ بيد هذه الاُمّة ، ونسير من الخلق إلى الحقّ تعالى ، لأنّنا كلّنا من الله وإليه نرجع .
المصادر :
1 ـ القرآن الكريم .
2 ـ اُصول الكافي ـ الشيخ الكليني ـ مؤسّسة دار الكتب .
3 ـ إثبات الهداة ـ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ـ المطبعة العلميّة ، قم .
4 ـ أعيان الشيعة ـ محسن الأمين ـ دار التعارف للمطبوعات .
5 ـ التفسير الكبير ـ الفخر الرازي ـ دار إحياء التراث العربي ، لبنان .
6 ـ التفسير الكاشف ـ محمّد جواد مغنية ـ دار العلم للملايين ، بيروت .
7 ـ الثقافة الإسلاميّة ـ إبراهيم الأميني ـ مؤسّسة أنصاريان ، قم .
8 ـ جمهرة اللغة ـ أبي بكر محمّد بن الحسن بن دُريد ـ دار العلم للملايين ، بيروت .
9 ـ جهاد ـ آية الله حسين النوري ـ دفتر نشر فرهنک إسلامي .
10 ـ جامع السعادات ـ الشيخ محمّد مهدي النراقي ـ مؤسّسة إسماعيليّان ، قم .
11 ـ الأحاديث القدسيّة في الكتب الستّة ـ المكتبة التوفيقيّة ، بيروت .
12 ـ الحياة السياسيّة للإمام الرضا ـ جعفر مرتضى العاملي ـ مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم .
13 ـ الحرب النفسيّة ـ أحمد نوفل ـ دار الفرقان ، الأردن .
14 ـ دائرة المعارف الإسلاميّة الشيعيّة ـ حسن الأمين ـ دار التعارف للمطبوعات .
15 ـ دائرة معارف القرن العشرين ـ محمّد فريد وجدي ـ دار المعرفة ، بيروت .
16 ـ الدوافع الذاتيّة لأنصار الحسين ـ محمّد علي عابدين ـ منشورات الشريف 
الرضي .
17 ـ رسالات إسلاميّة ـ السيّد عادل العلوي ـ مطبعة النهضة ، قم .
18 ـ سيرة الأئمّة الاثنى عشر ـ هاشم معروف الحسيني ـ منشورات الشريف الرضي ، قم .
19 ـ السيرة النبويّة ـ ابن هشام ـ دار إحياء التراث العربي .
20 ـ الأسفار الأربعة ـ صدر الدين الشيرازي ـ مطبعة الحيدري ، طهران .
21 ـ سيّد المرسلين ـ الشيخ جعفر السبحاني ـ مؤسّسة النشر الإسلامي ، قم .
22 ـ شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد ـ منشورات مكتبة السيّد المرعشي ، قم .
23 ـ الصحيح من السيرة ـ جعفر مرتضى العاملي ـ دار السيرة ، بيروت .
24 ـ الغزو الثقافي ـ خطب آية الله السيّد علي الخامنئي ـ دار الولاية .
25 ـ غرر الحكم ودرر الكلم ـ عبد الواحد الآمدي التميمي ـ دار الكتاب الإسلامي ، قم .
26 ـ الفهرست ـ الشيخ الطوسي ـ منشورات الشريف الرضي ، قم .
27 ـ الفكر الاجتماعي عند الشهيد مطهّري ـ علي باقر آبادي ـ دار الرسول والمحجّة البيضاء، بيروت .
28 ـ الفتح المبين في غزوات سيّد المرسلين ـ سعد محسن الطائي ـ مؤسّسة نشر الفقاهة ، قم .
29 ـ قاموس الرجال ـ الشيخ محمّد تقي التستري ـ مركز نشر كتاب ، طهران .
30 ـ الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير ـ منشورات دار الكتب العلميّة ، بيروت .
31 ـ الكلمات القصار ـ من كلام الإمام الخميني ـ مؤسّسة نشر آثار الإمام .
32 ـ لسان العرب ـ ابن منظور الأفريقي المصري ـ دار صادر، بيروت .
33 ـ الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل ـ الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ـ مؤسّسة البعثة ، بيروت .
34 ـ مجمع البيان ـ الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ـ دار الفكر للمطبوعات .
35 ـ موسوعة السياسة ـ عبد الوهاب الكيّالي ـ المؤسّسة العربيّة للدراسات .
36 ـ موسوعة الشهادة ـ مكّي قاسم البغدادي ـ الدار الإسلاميّة ، لبنان .
37 ـ الميزان في تفسير القرآن ـ السيّد محمّد حسين الطباطبائي ـ مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات .
38 ـ المنجد في اللغة ـ يونس معلوف ـ انتشارات إسلامي .
39 ـ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ـ محمّد فؤاد عبد الباقي ـ انتشارات إسلامي .
40 ـ ميزان الحكمة ـ محمّد ريشهري ـ مركز انتشارات دفتر تبليغات .
41 ـ مفاتيح الجنان ـ الشيخ عبّاس القمّي ـ انتشارات اُسوة .
42 ـ معالم الحكومة الإسلاميّة ـ الشيخ جعفر السبحاني ـ دار الأضواء، بيروت .
43 ـ الملل والنحل ـ الشهرستاني ـ منشورات الشريف الرضي .
44 ـ نهج البلاغة ـ فيض الإسلام ـ انتشارات إسماعيليّان ، قم .
45 ـ الانتفاضات الشيعيّة ـ هاشم معروف الحسني ـ منشورات الشريف الرضي ، قم .
46 ـ وسائل الشيعة ـ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ـ دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
47 ـ الينابيع الفقهيّة ـ علي أصغر مرواريد ـ مطبعة حكمت ، قم .

ارسال الأسئلة