ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤١/٢/٦ من نحن منشورات مقالات الصور صوتيات فيديو أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ السید عادل العلوي (٤٨)
■ منير الخباز (١)
■ السید احمد البهشتي (٢)
■ حسن الخباز (١)
■ كلمتنا (٢٨)
■ الحاج حسين الشاكري (١١)
■ الاستاذ جعفر البياتي (٤)
■ صالح السلطاني (١)
■ الشيخ محمد رضا آل صادق (١)
■ لبيب بيضون (٧)
■ الدكتور الشيخ عبد الرسول غفّاري (١)
■ السيد حسين الحسني (١)
■ مكي البغدادي (٢)
■ الدكتور حميد النجدي (٣)
■ السيد رامي اليوزبكي (١)
■ سعيد إبراهيم النجفي (١)
■ الدکتور طارق الحسیني (٢)
■ السيّد جعفر الحلّي (١)
■ الاُستاذ ناصر الباقري (١)
■ السيّد محمّد علي الحلو (١)
■ السيّد شهاب الدين الحسيني (١)
■ شريف إبراهيم (١)
■ غدير الأسدي (١)
■ هادي نبوي (١)
■ لطفي عبد الصمد (١)
■ بنت الإمام كاشف الغطاء (١)
■ محمد محسن العید (٢)
■ عبدالله مصطفی دیم (١)
■ المرحوم السید عامر العلوي (٢)
■ میرنو بوبکر بارو (١)
■ الشیخ ریاض الاسدي (٢)
■ السید علي الهاشمي (١)
■ السيّد سمير المسكي (١)
■ الاُستاذ غازي نايف الأسعد (١)
■ السيّد فخر الدين الحيدري (١)
■ الشيخ عبد الله الأسعد (٢)
■ علي خزاعي (١)
■ محمّد مهدي الشامي (١)
■ محمّد محسن العيد (٢)
■ الشيخ خضر الأسدي (٢)
■ أبو فراس الحمداني (١)
■ فرزدق (١)
■ هيئة التحرير (٤٣)
■ دعبل الخزاعي (١)
■ الجواهري (٣)
■ الشيخ إبراهيم الكعبي (١)
■ حامدة جاودان (٣)
■ داخل خضر الرویمي (١)
■ الشيخ إبراهيم الباوي (١)
■ محمدکاظم الشیخ عبدالمحسن الشھابی (١)
■ میثم ھادی (١)
■ سید لیث الحیدري (١)
■ الشیخ حسن الخالدی (٢)
■ الشیخ وھاب الدراجي (١)
■ الحاج عباس الكعبي (٢)
■ ابراھیم جاسم الحسین (١)
■ علي محمد البحّار (١)
■ بلیغ عبدالله محمد البحراني (١)
■ الدكتورحسين علي محفوظ (١٠)
■ حافظ محمد سعيد - نيجيريا (١)
■ الأستاذ العلامة الشيخ علي الکوراني (٤)
■ عزالدین الکاشانی (١)
■ أبو زينب السلطاني - العراق (١)
■ فاطمة خوزي مبارک (١)
■ شیخ جواد آل راضي (١)
■ الشهید الشیخ مرتضی المطهري (١)
■ شيخ ماهر الحجاج - العراق (١)
■ آية الله المرحوم السيد علي بن الحسين العلوي (١٣)
■ رعد الساعدي (١)
■ الشیخ رضا المختاري (١)
■ الشیخ محمد رضا النائیني (٢)
■ الشيخ علي حسن الكعبي (٥)
■ العلامةالسيد محسن الأمين (١)
■ السید علي رضا الموسوي (٢)
■ رحیم أمید (٦)
■ غازي عبد الحسن إبراهيم (١)
■ عبد الرسول محي الدین (١)
■ الشیخ فیصل العلیاوي (١)
■ أبو حوراء الهنداوي (٢)
■ عبد الحمید (١)
■ السيدمصطفیٰ ماجدالحسیني (١)
■ السيد محمد الکاظمي (٣)
■ حسن عجة الکندي (٥)
■ أبو نعمت فخري الباکستاني (١)
■ ابن الوردي (١)
■ محمدبن سلیمان التنکابني (١)
■ عبد المجید (١)
■ الشيخ علي حسین جاسم البھادلي (١)
■ مائدۃ عبدالحمید (٧)
■ كریم بلال ـ الكاظمین (١)
■ عبد الرزاق عبدالواحد (١)
■ أبو بكر الرازي
■ الشيخ غالب الكعبي (٨)
■ ماھر الجراح (٤)
■ الدکتور محمد الجمعة (١)
■ الحاج کمال علوان (٣)
■ السید سعد الذبحاوي (١)
■ فارس علي العامر (٩)
■ رحيم اميد (١)
■ الشيخ محسن القرائتي (١)
■ الشيخ احمد الوائلي (١)
■ الشیخ علي حسن الکعبي (١)
■ عبد الهادي چیوان (٥)
■ الشیخ طالب الخزاعي (٥)
■ عباس توبج (١)
■ السید صباح البهبهاني (١)
■ شیخ محمد عیسی البحراني (١)
■ السید محمد رضا الجلالي (٦)
■ المرحوم سید علي العلوي (١)
■ یاسر الشجاعي (٤)
■ الشیخ علي الشجاعي (١)
■ میمون البراك (١)
■ مفید حمیدیان (٢)
■ مفید حمیدیان
■ السید محمد لاجوردي (١)
■ السید محمد حسن الموسوي (٣)
■ محمد محسن العمید (١)
■ علي یحیی تیمسوقي (١)
■ الدکتور طه السلامي (٣)
■ السید أحمد المددي (٦)
■ رقیة الکعبي (١)
■ عبدالله الشبراوي (١)
■ السید عبد الصاحب الهاشمي (٣)
■ السید فخر الدین الحیدري (١)
■ عبد الاله النعماني (٥)
■ بنت العلي الحیدري (١)
■ السید حمزة ابونمي (١)
■ الشیخ محمد جواد البستاني (٢)
■ نبیهة علي مدن (٢)
■ جبرئیل سیسي (٣)
■ السید محمد علي العلوي (٣)
■ علي الأعظمي البغدادي (١)
■ السید علي الخامنئي (١)
■ حسن بن فرحان المالکي (١)
■ ملا عزیز ابومنتظر (١)
■ السید ب.ج (٢)
■ الشیخ محمد السند
■ الشیخ محمد السند (١)
■ الشیخ حبیب الکاظمي (١)
■ الشیخ حسین عبید القرشي (١)
■ محمد حسین حکمت (١)
■ المأمون العباسي (١)
■ احمد السعیدي (١)
■ سعد هادي السلامي (١)
■ عبد الرحمن صالح العشماوي (١)
■ حسن الشافعي (١)
■ فالح عبد الرضا الموسوي (١)
■ عبد الجلیل المکراني (١)
■ الشريف المرتضی علم الهدی (١)
■ السيد أحمد الحسيني الإشكوري (١)
■ سید حسین الشاهرودي (١)
■ السيد حسن نصر الله (١)
■ ميثم الديري (١)
■ الدكتور علي رمضان الأوسي (٢)
■ حسين عبيد القريشي (١)
■ حسين شرعيات (١)
■ فاضل الفراتي (١)
■ السيد مهدي الغريفي (١)

احدث المقالات

المقالات العشوائية

المقالات الاکثرُ مشاهدة

تأملات قرآنیة في قصة مریم مائدة - الكوثر العدد الخامس والعشرون - محرم 1433هـ

مائدة عبد الحمید – باحثة إسلامیة

أفضل الصلاة وأزكى التحية على الحبيب المصطفى وآله خير البرية 
ما أن يبدأ الإنسان أولى ساعات عمره حتّی يبدأ بالتعرف على ماحوله، فيشرع وبما أُعطي من غريزة ومايتفعل تدريجياً من حواسه باستكشاف محيطه، فتتكون لديه مجموعة من الأسئلة يحاول الإجابة عليها، بماوهب من حبّ استطلاع ومن عقل وبما كوّن من معلومات ومااكتسب من خبرات. فنجد أنّ الطفل الصغير لايكلّ ولا یملّ من التقرب على كل ماتقع عليه يداه، حتى إذا استكمل هذه المرحلة ووصل إلى مقام يستطيع فيه من الإرتقاء أكثر فأكثر في درجات العلم، نراه لايكتفي بما يحيطه بل يرید أن يصل إلى مايرقّيه في العلم للتعرّف على ماوراء عالم المادة الّتي تحكمه بقوانينها وجاذبيتها، فهو يسأل من أنا؟ ومن أين أتيت؟ وإلى أين سيكون مصيري... فإن كان في مجتمع يسهِّل له الحصول على أجوبة لأسئلة كهذه فسوف تحصل له طمأنينة بال وراحة خاطر، تمكّنه من أن يبني شخصية راضية قوية طموحة، لا تهزها العواصف الّتي قد تعترض طريقها ولاتنال منها الشبهات والترهات الفكرية الّتي تعتريها من هنا وهناك. 
ولما كنّا نعتقد بأنّنا نعيش في هذا المجتمع فمن الحري بنا أن نعرض أنفسنا من حين لآخر على الميزان لنرى في أيّ وضع أصبحنا وفي أيّ حالٍ أمسينا. 
فأيً ميزان هذا الّذي يجب علينا أن نعرض أعمالنا وأنفسنا عليه؟ وماهي مواصفات هكذا ميزان؟ هل يمكن لنا أن نضع أغلى جوهرة نملكها في هذه الدنياـ وهي أنفسناـ في أيّ ميزان؟ أم أنّ هذا لميزان الّذي سنضع فيه كل مانملك يجب أن يكون عادلاً سوياً لايخطأ ولايحيف، قطعاً لايوجد عاقل لايقول بهذا فنحن نرى أنّ الشيء كلّما ارتفعت قيمتّه وزاد ثمنه فهو يقيّم بميزان أدق حتّى تكون نسبة احتمال الإشتباه فيه أقل مايكون؛ وهكذا فإن نفوسنا الّتي لاتقيّم بثمن يجب أن توضع في ميزان لايوجد فيه أدنى مجال لإحتمال الإشتباه، أمّا أرواحنا الّتي لاترضى إلاّ بالكمال فإن لم تتمكن الوصول إليه فإنّها ستسعى للإقتداء بمن استطاع نيل درجات عالية منه، واتّباعه وكلما احسّت بقيمة وجودها أكثر أبدت من الحساسية مقداراً أكبر في التعرف على شخصيات كهذه. 
ولكن... في هذا العالم الّذي نعيشه اليوم وفي كل عصرـ والّذي نحن فيه كأننا على ظهر سفينة تتلاطمها الأمواج العاتية، فإن العقل الّذي هو أقوى مايمكن أن نستند عليهـ والروح التى بين جنبینا والّتي يحكمها شوق عجیب للسمّو الى أعلى درجات الكمال حتى الوصول إلى الكمال المطلق في هذا الكون، إضافة إلى تجاربنا وخبراتنا الّتي اكتسبناها على مدى ما عمّرناه على هذه الكرة الأرضية، كل هذا یشعرنا ويؤكد لنا حاجتنا إلى قائد حكيم قادر يقودنا إلى بر الأمان فنرسو على ضفاف هادئة آمنة نحس فيها بالطمأنينة والإستقرار، فيكون سفرنا هذاـ مدة حياتنا في الحياة الدنياـ سفراً مثمراً يؤدّي بنا إلى ماترتضيه نفوسنا وتقرّبه إعيننا.
فإذا رتبّنا كل هذه المقدمات فسنصل في النهاية إلى حاجة كل إنسان يحسس بأهمية وجوده ويعرف قيمة نفسه، وبأنّه لم يخلق سدى، بل له غاية وهدف عظيم يجب أن يصل إليه ليسعد سعادةً أبدية يصفو بها عيشه، سیحس هذا الإنسان بأنه وفي هذا السفر إلی الأبدیة هو بحاجة إلی قائد یقوده إلی الطریق السّوي الذي یوصله إلی الهدف المنشود ومن أهم مواصفات هذا القائد، العلم حتی لا یضله، والرحمة حتی یثق هذا الانسان به، وتطمئن له نفسه، والحكمة والقدرة و... ولاتجتمع هذه الصفات بكمال مطلق إلاّ في الخالق سبحانه تعالى فهو الحكيم العليم القادر القاهر العزيز الرحيم.... 
وبحق فإن الوصول إلى هذه النتيجة هي من الاُمور الشاقة المضنية الّتي قد تكون أحياناً من الصعوبة بمكان يمكن أن يقال عنها بأنّها مستحيلة لولا العناية الإلهية والمرحمة الربانية. 
أمّا نحن فيه فبحمدالله ومنّته لم نلقَ ماقد يلقاه غيرنا من العناء والجهد حتّى نصل إلى الكشف عن هذه المعارف القيّمة والدرر الثمنية، فنحن قد وُلدنا وفتحنا أعيننا في مجتمع تضيء جنباته بأنوار الحقيقة، فتكشف عمّا تريده الأنفس التواقة للحق بأكمل برهان وأعذب بيان، فقد مدَّ لنا خالقنا الرحيم الحكيم حبله المتين «إنّي تارك فيكم الثقلين... كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض...» لنأخذه فلانضيع، ونتمسك به فلانشقى، فيخرجنا من الظلمات إلى النور «الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ». نعم من ظلمات الجهل والغرور والضلال إلى النور الأوحد إلى الصراط الّذي يطغى على كل الطرق، فهي لاشيء لأنّ الطريق إليه سبحانه واحد فالنور واحد، والظلمات متعددة، إلى صراط الله العزيز «يا من لبس لباس العز فأولياؤه يعزه يعتزون» ففي هذا الصراط يشع النور، ويتلبس سالكه العترة ویحس قلبه بالطمأنينة، «أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» وباتباع هذا الكتاب يحصل الإنسان على الهدى، وتحفّه الرجعة ويتضح له كل شيء، فلايبقى هناك سؤال بلاجواب «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» فأي بشرى هذه الّتي يزفها للمسلمين كتاب ربهم؟ ! ! تعالوا معي لنفتح هذا السفر العظيم، لتشع علينا من خزائن كنوزه أنوار الهداية والرحمة، ولنرى أوّلاً كيف يعرّف هذا الكتاب نفسه فهذا الكتاب الّذي يعرّف نفسه، بأنّه يهدي للّتي هي أقوم، وبأنّ فيه البشرى للمؤمنين والمسلمين، وفيه الشفاء والرحمة وبأن الذكر قد يسرّه فيه الرب الرحيم وبأنّه نزل بالحق وبأنّه تذكرة لمن يخشى وفيه تأكيد بأنّه من الله العزيز العليم الحكيم وبأنّه يستحيل أن يكون مفترى من دون الله وفي، الطرف المقابل فيه الخسران للكفّار والمعاندين. 
هو أيضاً يحث الناس على إتباعه «وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ» وهو يحض الناس على التدبر والتأمل في آياته «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ». فبإتباع هذا القرآن وبالتدبر فيه، نصل إلى وضع أقدامنا على الصراط الّذي أراده سبحانه ليهدي عباده إلى النور، وإلى السرور والسعادة، ولكن هذا الخالق الرحيم العليم، يعلم أنّ الإنسان يحتاج في طريقه هذا إلى بشر مثله سلكوا هذا الطريق من قبله فيأخذوا بيده ويكونوا أدلائه فهو يأنس بهم ويُحب أن يتبعهم ـ حتّى أنّ الروايات تؤكد أنّ بعض الأعمال الصالحة تتجسد في عالم البرزخ فتأتي إلى قبر الإنسان لتؤنسه وترفع عنه وحشة قبره أو أنّه يجدها عندما يخرج من قبره مذعوراً خائفاً فتخفف من روعه وتزيل عنه إضطرابه بمرافقته؛ لذا نجد سبحانه في القرآن الكريم يبين لنا أنّ الإنسان إذا اختار إتباع الوعظ الّذي يأتيه ممن أرسلهم سبحانه له، فسيهدى إلى الصراط المستقيم وتؤدي إطاعته للّه‏ ورسوله إلى أن يكون مرافقاً لمن «أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ» حيث يصفهم بأنّهم أحسن المرافقين. 
ولما كنّا نزعم بأننا نجد في أنفسنا العزم والشوق لرقي درجات الكمال كما أرادها لنا خالقنا الكريم رحمة منه «إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» وبأننا أخترنا أن نكون على الصراط الّذي رسمه لنا ربنا، فنحن بحاجة إلى من نتبعه ونقتدي به، فنرافقه. فلنبدأ أولاً بالتعرف على بعض الشخصيات الّتي عرّفها سبحانه وتعالى لنا بأنّهم ممّن يصلح بأن يكون مثالاً يقتدى به المؤمنون، فيسلط الله سبحانه وتعالى عليها الأضواء في كتابه العزيز؛ وقد اخترنا في هذه السلسلة من المقالات أن تكون شخصية مريم’ أوّل هذه الشخصيات، لخصوصيات نذكر بعضها: 1ـ وجود سورة كاملة بإسمها، وسورة أخرى بإسم آل عمران، وسيأتي لاحقاً من هم آل عمران 2ـ ضرب الله سبحانه وتعالى المثل للمؤمنين بمريم (سورة التحريم 11ـ 12). 3ـ وجود بعض التقاط الغامضة في القصة القرآنيةـ ظاهراًـ والّتي ينكشف غموضها إذا تأملنا في الآيات الكريمة الّتي تتحدث عن هذه الشخصية العظيمة. 
4ـ ذكر الله سبحانه لمريم’ في الكتاب. 
5ـ جعل الله سبحانه وتعالى مريم وابنها÷ آيتان من آياته. 
6ـ الإشارة إلى مريم’ في القرآن الكريم محفوفة بتكريم خاص مع اختفاء هالة من القدسية والنورانية على شخصیتها الكريمة. 
7ـ ذكر اسمها مقروناً بالتكريم بعد ذكر سلسلة من الأنبياء العظام في موضوعين من القرآن الكريم (سورة الأنبياءـ يذكر أولاً الأنبياء معظّماً لهم وذاكراً نصره وتأييده لهم ولما جاؤوا به ثمّ يقول سبحانه «وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا» وفي سورة المؤمنون يذكر الأنبياء^ فيذكر دعوتهم وتكذيب الناس لهم ونصرة الله لهم ثمّ يذكر بن مريم وأمّه... ثمّ يقول «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ». 
مريم’ شخصية فذة عظيمة يصورها لنا الله سبحانه في كتابه الكريم أحسن تصوير ويضربها مثلاً للمؤمنينـ رجالاً ونساءً فهي المثل والقدوة الحسنة للإنسان الصالح والفرد المؤمن، فكيف يعرّفها لنا القرآن الكريم؟
من أين تبدأ قصة مريم’
بـ بيدأ للّه‏ سبحانه وتعالى سرد قصة مريم’ وهي جنين في بطن أمها فقد نذرت من قبل أمها للّه‏ سبحانه،  هناك عدة محطات في هذه الفقرة، يمكن للمتأمل أن يقف عندها: 
1ـ نذرت امرأة عمران مافي بطنها «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي» من دون تعيين ومهما يكن ماتلده، فإنّها نذرت أن يكون (محرراً) له سبحانه وهنا أيضاً عدة محاور نذكر منها: 
أ: مستوى أم مريم العبادي والإعتقادي والحالة الروحية الّتي كانت تضفي بأبعادها على سلوك وكلمات هذه المرأة المؤمنة وخطابها (دعائها) للّه‏ سبحانه وتعالى والّذي نشم فيه عطر الخشوع والخضوع والتقرب ومعرفة الشيء الكثير. 
ب: أثر الأُم وحالتها النفسية ومستواها الإعتقادي على الجنين الّذي يعتمد في بقائه حياً على هذه التربة الغنية الّتي تمدّه بأسباب الحياة وهي بالإضافة إلى ذلك تعطيه العناصر الأساسية لحياته الروحية أيضاً، فكلى ما سنذكره هنا سيكون له أثر واضح فيما بعد على شخصية مريم. 
ج: تكشف لنا أمور كثيرة من بلاغة القرآن، ايراد الكلمات الموجزه الّتي تنقل لنا معانٍ كثيرة في كلمات قليلة، فهنا في هذا الدعاء وفي 14 كلمة نجد من المعاني السامية والمفاهيم العالية مانحتاج في بيانه إلى تسطير صفحات متعددة، وفي النهاية قد لانصل إلى کنّه هذه الكلمات البسيطة في ظاهرهما؛ فقد ابتدأت دعائها بكلمة (رب) وفيها من المعاني مافيها، فهي تشعر أن قائلها يحس بالخضوع والخشوع ويقر بالربوبية للّه‏ ولنفسه بالعبودية والإنقطاع ثمّ أكدت أنّها تنذر مافي بطنها باستعمالها (أن صيغة الماضي) وهي نذرتها خالصة للّه‏ سبحانه (لك)، وهي تنذر ما في بطنها أيًّ ماكان وكيفما كان وهي ترجو منه سبحانه أن يقبل منها تخضعاً وتذللاً، فماذا كان نذر أم مريم؟ كان نذرها أن يصبح وليدها خادماً للمعبد وهو أمر شاق، وهذا لوحده يكشفٍ لنا أبعاداً مضیئة في جنبات هذه الشخصية العظيمة، حيث يجعلها جديرة بأن تكون أما لمريم. فالإمهات يعرفن ما أقول وهو حساسية المرأة في هكذا مرحلة تجاه جنينها الّذي تجعله في أحشائها فهي تحسس به بكل جوارحها، وتعطف عليه أكثر من أي وقت آخر لأنّها تحس بضعفه وهو بعد لم ينفصل عنها. لكنّها رضوان الله تعالى عليها تنذره في هذا الحال لأمر شاق وعسير وهي إلى ذلك ترجو من الله سبحانه أن يتقبل، فها ثم نراها تختم قولها بما يدل على المعرفة والإيمان فهي تبدأ كلامها في هذا المقطع بـ (إنك) ثمّ تؤكد بالضمير المنفصل (أنت) ثمّ بإدخال الألف واللام على صيغة (فعيل) ثمّ تعطفها بصيغة أخرى. 
حالة أُم مريم عند وضعها مريم 
بعد انتظار شاق وطويل يأتي وقت الوضع والولادة لترى هذه الأم وجه وليدها وثمرة فؤادها الّذي نذرته محرراً للّه‏ سبحانه فإذا به أنثى، وكأنّها لم تكن تنتظر هذا فكيف كانت ردّة فعلهاـ رضوان الله تعالى عليها، هل تغير موفقها أمام الله السميع العليم؟ هل تذمرت واشتكت؟ هل نسيت نذرها وماآلت به على نفسها؟ كلا وألف كلا، فهذه المرأة المؤمنة لايليق بها كل هذا الجفاء، بل نجدها تقول برباطة جأش وطمأنينة خاطر وعزم وجزم على أداء النذر (رب إني وضعتها أُنثی) وذلك لأنّه لم يكن قد عُهد حتّى ذلك الوقت أن تكون إمرأة خادمة للعبد، فهيـ رضوان الله تعالى عليهاـ حتّى لم تتذرع بهذه الذريعة لكيلا تؤدي نذرها، بل نجدها ماضية قدماً في تقديم فتاتها الصغيرة إلى المعید لكي تكون خادمة هناك مع ما في هذا الأمر من المشقة بالنسبة للرجال فكيف بالنسبة لمريم الصغيرة، ثمّ تستطرد هذه الأم الّتي كانت حقاً جديرة بأن تكون أماً لهكذا شخصية عظيمة «وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فهي تقول لنا أنّه ليس هناك من ملجأ للإنسان المؤمن وفي كل الظروف غير اللجوء إلى أقوى قوة في الكون ألا وهو الله سبحانه وتعالى، لكي يلجأ إليه من أعدى أعداءه وهو الشيطان الرجيم، فماذا كانت النتيجة؟ أنّها النتيجة الّتي لاتتخلف عن مقدماتها أبداً، فالإنسان الضعيف الّذي يعرف ضعفه ويقرّبه فيختار الاتجاه إلى أعز وأقوى ما في هذا الوجود ـ إلى الله العزيز الحكيم ـ فإنّه سبحانه لن يخيب عبده، بل سيحمده بكل أسباب القوة والعزة، وسيقبله بأحسن قبوله «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا» مرة أخرى وبإيجاز محيّرللعقول يصف سبحانه وتعالى المراحل الأولى في عمر مريم’، فقد تقبل الرب العزيز الحكيم هذه البذرة الصالحة فرعاها بتدبيره وربّاها بتربية وضمن لها معلماً وكفيلاً ممتازاً كزكريا×. 
وهناك في ذلك المعبد وفي محراب هذه المنذورة الطاهرة شعّت أنوار هذه الجوهرة الفريدة لتأخذ بمجامع القلوب الّتي لم يلوثّها الدنس والرجس، فزكريا الكفيل والمعلّم والنبي لم يتردد عندما رأى وبصورة متكررة الأرزاق الإلهية عند مريم، بأن يدعو ربه ـ وهو يرى ثمار عبادة وصبر مريم على شكل فاكهة في غير أوانها فتجيب مريم بأنّها من رزق الله ممّا يثلج قلبه بما تبين له من مقامات هذه السيده الصديقة ـ بأن يرزقه ذرية طيبة، فهل هذا إشارة إلى موطن من مواطن قبول الدعاء؟ أم أنّ زكريا وبما أوتي من علم رباني قد أحس بدنو تحقق النبوات الّتي تبشر بنبيٍ موعود ينتظره بني إسرائيل؟ هل كانت هذه أحدى العلامات؟ ! ! 
الاصطفاء الإلهي 
تستمر مريم هذه الفتاة اليافعة ومن ثم الإمرأة العابدة العارفة في قطع الأشواط البعيدة، في مسيرة العبودية فتنال المقام تلو المقام بجدها وإجتهادها وإنقطاعها إلى خالقها، فهي لم تكن تجد أي لذة في هذه الدنيا غير لذة العبادة والتضرع والخضوع اليه سبحانه حتّى تصل إلى مقام تكون مخاطبة من الملائكة «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ‏عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ» وهنا عدة محطات، أولاً: من هم آل عمران في هذه الآية؟ هناك إصطفاءان ویخبرنا سبحانه قیل أن يبتدأ بقصة مريم ـ في الدور الجنيني ـ أن هناك إصطفاء لآل عمران على العالمين، كإصطفاء آدم ونوح وآل ابراهيم فمن هم آل عمران؟ لاشك أن مريم منهم، فهل هذين الإصطفائين هما من هذا الإصطفاءـ اصطفاء آل عمرانـ أم أنهما إصطفاءان آخران لمريم خاصة؟ فقد كانت مريم في صلب آدم حينما اصطفاه الله، كما كانت في صلب نوح وكذلك هي من آل إبراهيم وهي من آل عمران، فهل هناك سلسلة من الإصطفاءات حتّى نصل إلى إصطفائين خاصين بمريم’؟ 
ليس من المستبعد هذا خصوصاً وهي الّتي يُراد لها أن تؤهل لمهمة لم تتحملها أنثى على مدى التاريخ البشري فيما كان وماسيكون إلى يوم القيامة. 
المحطة الثانية 
على كل حال هناك إصطفاء من الله لمريم وتطهير وعناية ورعاية وقبول وإنبات، وتكفيل لزكريا لها، حتّى تصل هنا إلى دعوة خاصة الى مريم عن طريق الملائكة لتقنت لربها وتسجد وتركع مع الراكعين، حيث لم يعهد من قبل لإمرأة مشاركتها الركوع في المعبد ـ وهكذا تستمر مريم في سلسلة الترقي والكمال في عبوديتها لمولاها الحق، صائمة نهارها قائمة لیلّها صابرة على ما تراه وتسمعه من حسد الحاسدين وغيض الحاقدين فلايزيدها إلاّ إخلاصاً وإنقطاعاً وتعيداً وحسن سريرة، وهنا يجدر بنا أن نتوقف في هذه المحطة فنشير إلى عدّة اُمور تستحق التوقف عندها: أوّلاً: إختيار الله سبحانه لعبد من عباده للقيام بمهمة ما؛ فهو سبحانه لايُسثل عن فعله وهم يسئلون ولكنّه آلى على نفسه إلاّ يكون فعله إلاّ عن حكمة فهو الحكيم، وهنا أيضاً نجد من الحكمة ماهو واضح لنا وبالطبع هناك مايخفى عنا ـ وماخفي كان أعظم ـ فمن الواضحات: أـ أنّ إختياره لايكون إعتباطاً فالله سبحانه لايختار إلاّ من يكون أهلاً لهذه المهمة، ب ـ إن هذه الأهلية هي من الغيب الّذي يعلمه هو سبحانه فهو عالم الغيب لذا نجده سبحانه وتعالى وبسلسلة من الإمتحانات يبين للجميع ـ بما فيهم المؤهل بالمهمة الإلهية والإمتيازات الموجودة في الشخصية المنتخبة والّتي أدت إلى استقرار الإختيار الإلهي عليها، ج ـ الإختيار الإلهي يكون لوحده كاشفاً عن وجود هكذا إمتيازات، ولكن كل ماتقوم به هذه الشخصية المختارة يكون مؤيداً ومؤكداً لحكمة وصحة هذا الإنتخاب. 
ثانياً: هناك مراحل وتدرجات في كل شيء في هذا الوجود فنحن في عالم التدرج ولايشذ ما نحن فيه عن هذه القاعدة، فهنا يوجد تدرج، فهي’ لاتصل إلى مقام حتّى تكون قد أثبتت جدارتها لنيله والثبات فيه ومن ثم إستحقاقها لنيل مقام أعلى وهكذا. 
ثالثاً: يوجد تقاسم في الأدوار بين الله سبحانه وعبده المنتخب فهنا في قصة مريم، هناك مراحل لم تكن مريم’ دخیلة في وجودها ولكن لعلم الله سبحانه وتعالى بأهلية مريم’ للقيام بهذه المهمة فقد مهَّد سبحانه لها بإختيار الأرضية المناسبة لإنبات هذه البذرة، المختارة، فاختار لها أن تولد من هكذا أم في هكذا عائلة وفي هذا الوقت بالذات، ومن ثمّ أن تكون خادمة للمعبد ولكن وكما قلنا فإن عمل مريم’ جاء مؤيداً ومؤكداً بأنّها جديرة ومؤهلة لتحمل أعباء هذا الإنتخاب والقيام بهذه المسؤولية بأحسن وجه، فهي عندما وجدت نفسها خادمة للمعبد إختارت أن تكون خدمتها خدمة متميزة وعبادتها عبادة تقربها لخالقها، فاستحقت القرب والتسليم من الملائكة والدعوة خاصة و... فالله سبحانه وتعالى عندما يجد أنّ هذه الشخصية قد وصلت إلى الحالة الروحية الّتي تؤهلها للرقي إلى مقام أعلى سيعهد لها السبيل للرقي وهكذا. 
حتّى إذا أحسنت روحها المرهقة بأنّها تريد خلوة تختلي بها بربها وتشعرها إنقطاعاً أکثر عمن حولها، اختارت مكاناً شرقياً من بيت المقدس، لتتابع عبادتها فيه، فنجده سبحانه عندما يريد أن يشيد بذكر مريم في الكتاب، نراه يذكر لنا هذا المقطع بالذات من حياتها الشريفة’«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً» مما يعطينا إنطباعاً بأهمية هذا المقطع بالذات فهنا عدة محطات نودّ أن تتوقف عندها قبل الدخول في تفاصيل هذا المقطع فنتأمل في السرد القرآني لهذه القصة المليئة بالعبر: 
المحطة الأُولى: تسمية هذه السورة بإسم مريم
يخصص القرآن سورة كاملة بإسم مريم’ ولكنه يذكر في هذه السورة مقطعاً خاصاً من حياتها يبدأ بإختيارها مكاناً منعزلاً وهنا عدة وقفات تأملية. 
أوّلاً: أول عبارة تبتدأ فیها معها الآيات المباركة التي تتحدث عن مريم هو «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ» فأي كتاب هذا الذى سطرت فيه أسماء ومواقف هذه الشخصيات الفذة (هناك عدة أراء تفسيرية في هذا المجال لا يسعنا المقام هنا لذكرها)، لابد وأن يكون هذا الكتاب عظيماً لكي يُعد ذكر هذه الشخصيات فيه إفتخاراً لها. 
ثانيا: أول الأسماء التي تذكر بعد عبارة «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ» هو إسم مريم ومن ثم أسماء شخصيات عظيمة وعلى مستوى عظيم من الرقي. 
ثالثا: كل ما يذكر حول الشخصيات التى جاءت بعد هذه العبارة في هذه السورة هو المواقف والكلمات التي صدرت عن هذه الشخصيات والتي تزيد في قناعة المتأمل فيها أن قصد القرآن الكريم من إيرادها هنا هو أن يعطي إنطباعاً أن هذه الشخصيات بلغت علواً وكمالاً يستحقق التكريم والحفاوة من الله سبحانه وتعالى مما يجعلنا نتقيد من كل نتيجة نريد الوصول إليها، أنها يجب أن تكون مبرزة لهكذا مقاماتـ خصوصا مورد بحثنا هنا وهو شخصية مريم. 
نعود الى المقطع المختار من الله سبحانه وتعالى ونحاول التأمل فيه ونتوقف عند بعض تفاصيله، فنجد أن المقطع الخاص بمريم يبدأ بـ «إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا...»فيظهر لناـ بناءً على ما تقدم ـ أنها’ قد أرتأت أن تبتعد ـ حيث تعطي كلمة «انتَبَذَتْ» معنى البعد الإختياري ـ ولكن هنا عدة تساؤلات: 1ـ لماذا إبتعدت مريم’؟ 2ـ وإلى أين ذهبت؟ 3ـ فمن ابتعدت؟ 
يجيبنا الشيخ مكارم الشيرازي في كتابه الأمثل عن السؤال الأوّل والثاني حيث يقول: 
فقد كانت ـ أي مريم’ـ تبحث عن مكان خالٍ من كل نوع من التشويش والضوضاء، حتى لا يشغلها شيء عن مناجاتها ويصرفهاـ ولو حيناًـ عن ذكر المحبوب ولذلك إختارت شرقي بيت المقدس ذلك المعبد... وربّما كان هذا التغيير ـ أي إنتبذت  ـ في الآية إشارة إلى أن مريم قد إعتزلت بصورة متواضعة ومجهولة وخالية من كل مايجلب (الانتباه، وإختارت ذلك المكان من بيت الله للعبادة). 
ممن ابتعدت مريم؟ 
يشير سبحانه وتعالى في الآية 16 من سورة مريم «إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا...»إلى أن الإبتعاد كان من أهلها، ولم يقل من قومها مثلاً، وبالطبع فإنّ دائرة الأهل هي أضيق من دائرة القوم، ممّا قد يعطينا إنطباعاً يأتها إبتعدت حتّى عن المقربين إليها، وقد يشمل هذا الأمر حتّى كفیلها زكريا×، ممّا يصور لنامدى العزلة الّتي إختارتها مريم’، وقد يفسر لنا ردة فعل مريم’ تجاه الأجنبي الّذي رأته في هكذا خلوة، وسنقف لاحقاً عند هذا الأمر. 
مايهمنا هنا، هو أنّ هذا الفعل من مريم’ الّذي قد نعبّر عنه بأنّه ترك للدنيا من نوع أخص قامت به مريم’ وعزم على إرادة إنقطاع أكثر إلى الله جلّ وعلاـ كان إيذاناً منها’ بأنّها أصبحت مؤهلة أكثر وبأنّها أضحت أقرب من أي وقت مضى لتحمل المهمة الّتي ستُلقى على عاتقها، فهذه الخلوة أرادت منها مريم’ أن تقرّبها إلى خالقها ومحبوبها الأوحد في هذا الوجود وهذه المهمة كانت وساماً قلده بارئها إياها لیزيّن بها قامتها فيتلألأ في صدرها شمساً مضيئة تنير درب السائرين إلى الحق تعالى. 
إرسال الروح 
إنّ مسألة إرسال الروح تحمل في طیاتها أموراً كثيرة، سوف تفق بإيجاز عند بعضها: 
1ـ توقيت إرسال الروح؛ حيث جاء بعد إتّخاذ مريم للعزلة والحجاب، فهي’ قد إتخذت حجاباً بينها وبين أهلها إضافة إلى الإبتعاد فكان إعتزالاً من نوع خاص كما بينا سابقاً. 
2ـ إنّ مريم’ قد وصلت إلى مقام عالٍ بحيث تستطيع أن تلتقي بالروح ـ أو أنّ مسألة حملها بعيسى×وقيامها بهذه المهمة العظيمة سوف يؤهلها لهكذا لقاء. 
3ـ تحمل كلمة (سوياً) ماتحمل من المعاني فهي بالإضافة إلى مايذكر من أنّ الروح كان قد تمثّل بشراً يساوي مريم في الجمال والشباب، فهو يساويها في التقوى، أي أنّها’ رأت عليه سيماء المتقين، فمريم’ لم تكن بالمرأة العادية، وهي وإن لم‏تر الملائكة قبلاً ـ فقط كلمتها الملائكة ـ ولكن كان لها من فراسة المؤمن مايمكنّها من تشخيص المتقي من غيره وقد يفسر هذا قولها (إن كنت تقياً) ولكن هذا لم يمنعها من الحذر وإلتزام الحيطة مع كلّ ماتراه من علامات التقوى (فلنتأمل فيما تقدم لنا’ في هذا الموقف لوحدة من دروس عظيمة في العفة والنقاء). 
المحطة الخامسة
تمثّل الروح بالبشر السوّي قد يكون في موارد أخرى للأستيناس، لأنّ الناس يأنس بعضهم ببعض، ولكن في هذا المورد الخاص نجد العكس وهو أمر طبيعي للظروف والملابسات الخاصة، الّتي كانت تحيط بهذا الموقف، فلماذا إذن كان هذا التمثّل؟ قد يكون لعّدة أمور: 
أوّلاً: إنّه كان أمتحاناً لمريم’، وابتلاءً؛ لترقى درجة تؤهلها لنيل مهمة عظيمة كهذه، ولتنال منصباً عظيماً كمنصب أمٍ لهكذا مولود، كأبتلاء إبراهيم× لنيل منصب الإمامة، وقد شاءت رحمته سبحانه أن يكون ابتلاء مريم’ على يد ملك كريم، وليس على يد بشر؛ وذلك رحمة بها، ولأنّ خصوصية مريم’ وعفتها وطهارتها لايُراد لها أن تُخدش حتّى عن طريق الإمتحان. 
ثانياً: أراد الله سبحانه وتعالى في عرضه لموقف دخول الملك عليها في خلوتها وطريقة ردّة فعلها أن يبيّن مدى عفتها وطهارتها، وأنّ الحصن الّذي أحاطت به نفسها لم يكن يتأطر بالإطار الجسدي فقط، بل يتعداه إلى الروح والفكر فهي لم تتردد عندما رأت هكذا إنسان ـ كما حسبته أول مرّة ـ وبهكذا موقف من الاستعاذة بالرحمن والاستعاذة بالرحمن: أقوى قوة في الوجود. 
امّا لماذا حدّدت الاستعاذة بالتقوى ففي ذلك عدّة صور: 
الصورة الأُولى: إنّها استعاذت بالرحمن ولم تستعذ باسم آخر من أسمائه سبحانه؛ لأنّها جربت رحمته مراراً، فهي لن تقف ساكتة، وهذا يبيّن مدى عصمة مريم’ وطهارتها وعدم خطور المعصية على بالها على أيّة حال. 
الصورة الثانية: تذكر الآية أنّ الروح تمثّل لمريم’ بشراً سوياً وقد بينّا ماتحمل هذه الكلمة من معان، فهنا بالخصوص تتضح لنا تجليات من الحصانة المريميّة فاستحقت المدح خاص منه سبحانه، فهي على هذه الحالة مع كل ماتشاهده على هذا الملك ـ الرجل ـ من جمال وشباب وتقوى، وفي هكذا خلوة، ولكن لم تخطر على بالها حتّى أي من الأمور الطبيعية الّتي قد تخطر على بال غيرها، حتى مَنْ بلغ مراتب عالية من التقوى، فاستحقت أن يباهي بها سبحانه خلائقه يوم القيامة، حيث جاء في الحديث المروي في الكافي عن أبي عبدالله×: (يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة الّتي قد أفتتنت في حسنها فتقول: يا رب ! حسنت خلقي حتّى لقيت مالقيت، فيجاء بمريم’، فيقال: أنت أحسن أم هذه؟ قد حسنّاها فلم تفتتن...) ولم يذكر عن مريم’ إنّها كانت عرضة لهكذا ابتلاءات. 
الصورة الثالثة: قد تكشف ردّة فعل مريم’ تجاه هذا الشخص المجهول واشتراطها في استعاذتها أن يكون تقياً نوعاً من الطهارة الفكرية لدى مريم’، فهي لم تُسيء الظن بالقادم الجديد، بل افترضت أن يكون متقياً مع أخذ الحيطة والحذر، وثمّ من ناحية أخرى هي تذكّرة برحمته العامة بجميع خلقه، فيكون فعلها هنا ملائماً تماماً لفعل الإنسان الكامل، فهي لم تترك الوعظ والإرشاد حتّى في هذا المقام. 
الصورة الرابعة: استعاذت مريم بالله أقوى قوة في الوجود وهو الله الحاضر الشاهد في ما كل مكان وهذه الإستعاذة هنا تبرز لنا يقيناً وعلماً لايُوصف وفي هذه الاستعاذة مايذكرنا بحالة أمّها لدى ولادتها فتأمل. 
تعطينا هذه الصور جميعها على تنوّعها لوحة جميلة عن شخصية مريم’ العظيمة، حيث لم يخطر على بالها إلاّ الظن الحسن بخلق الله حتّى يثبت عكس ذلك، وهذا يكشف عن السريرة الطاهرة لهذه الصدّيقة، ويعطينا دروساً و فوائداً غزيرة في كيفية التعامل مع أبناء جلدتنا.
وعلى حال أيّة حال سواء أخذنا بهذه الصور كلها أو بعضها فسنجد أنّه سبحانه في جميع هذه الإحتمالات يبيّن لنا مدى الطهارة والعصمة المريبة وجدارتها لنيل المدح منه سبحانه، وكذلك جدارتها لنيل منصب نادر، كهذا المنصب الّذي لم يتكرر على مدى التاريخ، وهو أن تحمل امرأة من غير بعل وبأعجاز منه تعالى. 
وسوف نتعرّض في ما بعد لمحطات أخرى في ما يختص بهذه الشخصية، الصدّيقة مريم عليها أفضل الصلاة والسلام. 

إستفسار مريم عن كيفية الحمل 
في موضعين في القرآن الكريم، نجد أنّ الله سبحانه ينقل عن لسان مريم’ إستفسارها عن كيفية حملها وهي العذراء البتول. مرة في سورة آل عمران وفي سياق البشرى الّتي تعطيها الملائكة لمريم فتتساءل’، عن كيفية حملها وهي الّتي لم يمسها بشرـ طبعاً المس أوسع من اللمس فهو يشمل الأمور الباطنية والمعنوية أيضاً، فهي عندما تنفي المس تنفى الأوسع دائرة فحتى من ناحية معنوية لم يمسها بشرـ وفي سورة مريم عندما أخبرها (روح الله) أنّه رسول ربها ليهب لها غلاماً زكياً فهي تتسائل أيضاً وبنفس الطريقة ونحن هنا لسنا بصدد إثبات أنّه هذا التساءل كان مرة واحدة وذكر في موضعين أم أن أصل التساءل قد تكررـ حيث أنّه في الفرض الثاني سيكون أول مرة عندما بلغت بالمهمة وفي المرة الثانية عندما جاء وقت ادائها للمهمة فكان الجواب على السؤال الأوّل كلياً والجواب على السؤال الثاني فيه نوع من التفصيل ولكن في الحالتين هو قضاء الله الّذي لايرد ولا یبدل وفي مورد عيسى هو من نوع (كن فيكون)ـ ولكن كلامنا هنا، هو أن ظاهر هذا التساءل قد يلقى شبهة في الذهن أن المتساءل قد يكون مستنكراً لحمل كهذا، أو أنّه فزِعٌ من أداء هكذا مهمة أو أن في السؤال إلحاح على إستيضاح أمور وأشياء ليس من اللائق السؤال عنها (خصوصاً مع إختيار الفرض الثاني) ولكن هذه الشبهات لاتقوم على أي أساس خصوصاً إذا نظرنا إليها من زاوية ماذكرناه سابقاً عند حديثنا عن الإنتخاب الإلهي، فمريم الصدّيقة المهذبة لايمكن لها أن تستنكر أمراً إلهياً ثبت لها أنّه صادر من قبل الحق جل وعلا ولايمكن لها على هذا الأساس أن تجادل وتماطل، بل ليس لها إلاّالتسليم والإنقياد وهذا ما يدل عليه سلوكها وكلامها وهذا ماورثته أيضاً عن أمهاـ وقد قدمنا الكلام في ذلك ثمّ أنّ الله عزّوجلّ العليم بخفايا نفوس عباده لايمكن له أن يختار إلاّ اللائق والمؤهل لمهمة كهذه بل إن اختياره سبحانه لعبده هو لوحده كاشف عن لياقته وأهليتهـ وهذا ما أشرنا إليه سابقاًـ فكيف يمكن تفسير سؤالها’؟ـ قد يظهر للمتأمل أن سؤالها’ كان سؤال تلميذ من مربيه عندما يوجهه لأداء مهمة أو عندما يوكله لتحمل مسؤولية، فالتلميذ الّذي يسعى لكسب رضا مؤدبه يسأل حتّى يؤدي المهمة على أحسن وجه وهو يريد أن يعرف من خفايا المهمة مايطمئن قلبه ويشد أزره كي يكون إجتهاده في طريق تحقق الغاية المرجوة من مهمته هذه، كل هذا في المهمات الّتي تكون عادية في وجه من الوجوه فكيف بهذه المهمة الخطيرة وغير الطبيعية والّتي لم تحدث من قبل ولن تتكرر وهذا مانجده بوضوح من طريقة الإجابة حيث أنّه سبحانه لمّا يجيب زكرياـ وقد كان في هبة اللهسبحانه له بالولد في سنه هذه وحالة زوجته فيه، مع الغرابة الشيء الكثيرـ يقول له (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) فهناك تشابه بين خلقة زكريا وخلقة يحيى÷ كما هو الحال في خلقه جميع أولاد آدم ماعدا عيسى× لهذا فإن الإجابة على تساءل مريم’ كان متفاوتاً فلذا نجده سبحانه يجيب مريم’ ويلطف في الإجابةـ فإن كان سؤالها فيه من الاُمور الّتي خفتها لكان على الأقل وبخّها ولكن لم يفعلـ ويبين أنّ خلقته لعیسی× هو من نوع (كون فيكون) وأنّه آية من آياته سبحانه وأنّه رحمة منه تعالى وهو غلام زكي فهو ليس من طريق لايرضاه سبحانه. 

هل تعني مريم الموت؟
من الشبهات الّتي قد تطرأ على ذهن القاريء للآيات الّتي تتحدث عن قرب وضع مريم للمسيح÷، كلامها’ وتمنیها الموت وأن تكون نسياً منسياً، ونحن نعلم أنّ المؤمن لايتمنى الموت فلماذا تتمناه مريم؟ قد يجاب هنا بأن هذا الكلام يوضح حالة الكرب الّتي كانت تعيشها وهي وحيدة تعاني آلام المخاض وتشعر بالقلق من نتيجة حملها. ولكن هل هذا كافٍ لتوجيه هكذا كلام يصدر من هذه المرأة اللائقة والمؤهلة لهذه المهمة الصعبة والشاقة، وهل يليق بإمراة مثلها وصلت إلى هذا المقام الشامخ من العبودية والإنقطاع أن تتمنى الموت ولكأنّها تعترض على مهمتها ثمّ أنّها لاتثق بنصرالله لها وإذا سلّمنا أنّه كان من ألم المخاض وهو ماتتحمله عادة النساء حتّى غير المؤمنات أو غير المسددات من قبله سبحانه فمن المسلّم أنّه سبحانه لن يتركها وحيدة تعاني آلام المخاض، ولكن الآيات الّتي بعدها ترفع كل هذه الإشكالات وهذا الغموض الظاهري. فكلام عيسى× لأمه فيه كلام عن الحزن ومن ثمّ البشرى بقرة العين وليس فيه أدنى كلام عن الألم والوحدة والوحشة فكأنّها’ عند ما بدأ مخاضها معلناً قرب ولادتها وبداية الإمتحان الإلهي لقومها ألَّم بها الحزن ممّا قد يحدث من تكذيب قومها وعدم إيمانهم وهو حزن عانى منه الأنبياء والصالحين ويعانون حيث أنّهم ومظهر تجلي رحمته سبحانه وتعالى وهم يريدون للجميع الوصول إلى ماوصلوا هم إليه من كمال ورقي درجات الإيمان وهي كانت تدرك أن هذا الإمتحان إمتحان صعب قد یفشل فيه كثيرون فجاء كلام وليدها ليبث فيها الطمأنينة والأهل ويحضّها على مواصلة هذا الطريق الشاق الّذي وضعت أقدامها الأولى فيه إلى آخره رغم كل شيء وهكذا كان. 
مجيء مريم بعيسى إلى قومها 
لعلّ أصعب مراحل هذه الرحلة الشاقة هي هذا المرحلة الّتي جاءت فيها مريم العذراء بإبنها تحمله إلى قومها فإنّه موقف صعب تشاقل فيه الخطوات وتصبح الأرجل فيه كالجبال من خطورته ولكنّها’ جاءت به بثبات وعزم ويقين بتحقّق وعدالله لها بالنصرة وظهور الأمر فلانجد في الآيات الّتي تصف هذا الموقف أي ترديد وأي تزعزع بل أنّها’ وبحق ضربت مثلاً في الثقة بالوعد الإلهي والتصديق بكلامه بجميع جوارحها فهي آلة بيد المولى يوجهها حيث شاء، مطيعة لأوامره منفذّة لمشيئته. 
ومن واجب كل مؤمن أن يحافظ على سمعته وأن يفعل مايبقى سيرته ناصعة بيضاء وأن يبعد كل شبهة يمكن أن تُقال عنه بكل ماأوتي من قوة بيان ولكن عندما يأتي الأمر الإلهي بالسكوت فمريم’ تذعن ولاتبت ببنت شفّة وعندما يكون تكليفها أن تصومـ ولكأنّها كانت سنّة للشكرـ فإنّها تصوم هذا اليوم بالذاتـ يوم مجيئها بعيسى إلى قومهاـ كما أُمرت. 
ردة فعل قومها
للوهلة الاُولى قد يكون تصرفهم طبيعياً وقد يوحي بأنّه غيّره وحميّة على الدين والشرف فليس أحد له إمتياز أمام القانون الإلهي حتّى مريم فهيـ والعياذ بالله وحاشا لهاـ إن كانت جاءت بما لاينبغي لمثلها أو حتّى لغيرها فعله فإنّها ستجازی كأي إمرأة عادية بل وأكثر. ولكن لماذا كل هذا التسرع؟ أليس التريث في إصدار هكذا أحكام هو الأليق بمن يدعی أنّه شعب الله المختار وبأنّهم هم المدرّسون والحافظون للأحكام الإلهية؟ وهل أن مجرد حمل إمرأة لرضيع يعني إرتكابها للمحرّم وفعلها للرذيلة؟ هذه أوّل زلة قدم صدرت من هؤلاء القوم ثمّ تحقّقت المعجزة الباهرة وتكلّم الصبي في المهد، فماذا كانت ردة فعلهم؟ ألم يكن من الحري بهم أن يعوّا ويرجعوا؟ رجع منهم من كان طاهر القلب ولم يكن أعمى البصيرة فإستطاع أن يبصر الحق فإتبعه، أمّا الباقون أما القاسية قلوبهم أمّا من طبع كفره على قلبه فكلا وألف كلا «أفأنت تسمع الموتى». 
قول اليهود على مريم البهتان العظيم 
إنّ المعاجز والآيات الالهية إذا جاءت جاءت محكمة باهرة واضحة لهذا هي رحمة منه جل وعلا إلى خلقه ليهديهم إلی الصراط المستقیم أما من لايسمع ولايعقل فلاتنفعه الآيات الباهرات والعلامات الواضحات ولانزيده إلاّ خسراناً مبيناً  (َقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ). (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً).
وهنا كانت معجزة ولادة عيسى× من غير أبٍ واضحة دالة على الحق فعلى الأقل لايولد من البغاء من يكون طاهراً فيتكلم في المهد ويتشهد بالشهادة الحق ثمّ تجري على يده المعاجز، ولذا نجده سبحانه يوبّخ اليهود القائلين على مريم. بهتاناً عظيماً ويضع قولهم هذا (في مصاف) مع أقوالهم وأفعالهم القظيعة الأُخرى من نقضهم الميثاق وكفرهم وقولهم أنّهم قتلوا المسيح× مع إعترافهم بأنّه رسول الله. 
أوصاف مريم’ في القرآن 
جاء ذكر مريم’ في القرآن الكريم 34 مرة، 10 مرّات منها منفصلة عن ذكر المسيح× ومرة واحدة بعنوان (مريم بنت عمران)ـ وذكر المسيح× 34 مرة، 10 منها منفصل عن ذكر أمه’ وجاء وصفها بأنّها صديقة وبأنّها صدّقت بكلمات ربّها وكتبه وبأنّها أحصنت فرجها وذكرت مرّة بالكتابة بأنّها الّتي أحصنت فرجها فكأنّ الحصانة المريمیة كانت حصانة خاصة والله العالم، وقد جاء البحث هنا بما يؤكد هذه الصفات بصورة جلية واضحة منها صفة الصدّيقة فقد كانت’ صادقة مبالغة في الصدق فصدقها مع تفسها ومع خالقها ومع قومها واضح جلي في الآيات القرآنية وكذلك تصديقها بكلمات ربّها وتنفيذها بالحرف الواحد فكانت’ بهذه الصفات وأخرى لانعلمها الله يعلمها تستحق أن تنال وبكل افتخار أسمى آيات المدح والتفضيل الإلهي فكانت وأمها آیتان ـ كما ذكر هذا المعنى في أكثر من موضع في القرآن الكريمـ وكانت شاكرة لأنعمه فأستحقت أن تذكر بتقدير قل نظيره في آيات قرآنية عديدة وفي مصاف شخصيات عظيمة مباركة فسلام الله تعالى عليها وجعلناالله من السائرين على خطاها على صراط العبودية ومن المقتدين بهداها والمستيزين بالحق الّذي آمنت به واتبعته. 
والحمدللّه‏ ربّ العالمين 

ارسال الأسئلة