ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤١/١/١٦ من نحن منشورات مقالات الصور صوتيات فيديو أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
تصنیف المقالات احدث المقالات المقالات العشوائية المقالات الاکثرُ مشاهدة
■ السید عادل العلوي (٤٨)
■ منير الخباز (١)
■ السید احمد البهشتي (٢)
■ حسن الخباز (١)
■ كلمتنا (٢٨)
■ الحاج حسين الشاكري (١١)
■ الاستاذ جعفر البياتي (٤)
■ صالح السلطاني (١)
■ الشيخ محمد رضا آل صادق (١)
■ لبيب بيضون (٧)
■ الدكتور الشيخ عبد الرسول غفّاري (١)
■ السيد حسين الحسني (١)
■ مكي البغدادي (٢)
■ الدكتور حميد النجدي (٣)
■ السيد رامي اليوزبكي (١)
■ سعيد إبراهيم النجفي (١)
■ الدکتور طارق الحسیني (٢)
■ السيّد جعفر الحلّي (١)
■ الاُستاذ ناصر الباقري (١)
■ السيّد محمّد علي الحلو (١)
■ السيّد شهاب الدين الحسيني (١)
■ شريف إبراهيم (١)
■ غدير الأسدي (١)
■ هادي نبوي (١)
■ لطفي عبد الصمد (١)
■ بنت الإمام كاشف الغطاء (١)
■ محمد محسن العید (٢)
■ عبدالله مصطفی دیم (١)
■ المرحوم السید عامر العلوي (٢)
■ میرنو بوبکر بارو (١)
■ الشیخ ریاض الاسدي (٢)
■ السید علي الهاشمي (١)
■ السيّد سمير المسكي (١)
■ الاُستاذ غازي نايف الأسعد (١)
■ السيّد فخر الدين الحيدري (١)
■ الشيخ عبد الله الأسعد (٢)
■ علي خزاعي (١)
■ محمّد مهدي الشامي (١)
■ محمّد محسن العيد (٢)
■ الشيخ خضر الأسدي (٢)
■ أبو فراس الحمداني (١)
■ فرزدق (١)
■ هيئة التحرير (٤٣)
■ دعبل الخزاعي (١)
■ الجواهري (٣)
■ الشيخ إبراهيم الكعبي (١)
■ حامدة جاودان (٣)
■ داخل خضر الرویمي (١)
■ الشيخ إبراهيم الباوي (١)
■ محمدکاظم الشیخ عبدالمحسن الشھابی (١)
■ میثم ھادی (١)
■ سید لیث الحیدري (١)
■ الشیخ حسن الخالدی (٢)
■ الشیخ وھاب الدراجي (١)
■ الحاج عباس الكعبي (٢)
■ ابراھیم جاسم الحسین (١)
■ علي محمد البحّار (١)
■ بلیغ عبدالله محمد البحراني (١)
■ الدكتورحسين علي محفوظ (١٠)
■ حافظ محمد سعيد - نيجيريا (١)
■ الأستاذ العلامة الشيخ علي الکوراني (٤)
■ عزالدین الکاشانی (١)
■ أبو زينب السلطاني - العراق (١)
■ فاطمة خوزي مبارک (١)
■ شیخ جواد آل راضي (١)
■ الشهید الشیخ مرتضی المطهري (١)
■ شيخ ماهر الحجاج - العراق (١)
■ آية الله المرحوم السيد علي بن الحسين العلوي (١٣)
■ رعد الساعدي (١)
■ الشیخ رضا المختاري (١)
■ الشیخ محمد رضا النائیني (٢)
■ الشيخ علي حسن الكعبي (٥)
■ العلامةالسيد محسن الأمين (١)
■ السید علي رضا الموسوي (٢)
■ رحیم أمید (٦)
■ غازي عبد الحسن إبراهيم (١)
■ عبد الرسول محي الدین (١)
■ الشیخ فیصل العلیاوي (١)
■ أبو حوراء الهنداوي (٢)
■ عبد الحمید (١)
■ السيدمصطفیٰ ماجدالحسیني (١)
■ السيد محمد الکاظمي (٣)
■ حسن عجة الکندي (٥)
■ أبو نعمت فخري الباکستاني (١)
■ ابن الوردي (١)
■ محمدبن سلیمان التنکابني (١)
■ عبد المجید (١)
■ الشيخ علي حسین جاسم البھادلي (١)
■ مائدۃ عبدالحمید (٧)
■ كریم بلال ـ الكاظمین (١)
■ عبد الرزاق عبدالواحد (١)
■ أبو بكر الرازي
■ الشيخ غالب الكعبي (٨)
■ ماھر الجراح (٤)
■ الدکتور محمد الجمعة (١)
■ الحاج کمال علوان (٣)
■ السید سعد الذبحاوي (١)
■ فارس علي العامر (٩)
■ رحيم اميد (١)
■ الشيخ محسن القرائتي (١)
■ الشيخ احمد الوائلي (١)
■ الشیخ علي حسن الکعبي (١)
■ عبد الهادي چیوان (٥)
■ الشیخ طالب الخزاعي (٥)
■ عباس توبج (١)
■ السید صباح البهبهاني (١)
■ شیخ محمد عیسی البحراني (١)
■ السید محمد رضا الجلالي (٦)
■ المرحوم سید علي العلوي (١)
■ یاسر الشجاعي (٤)
■ الشیخ علي الشجاعي (١)
■ میمون البراك (١)
■ مفید حمیدیان (٢)
■ مفید حمیدیان
■ السید محمد لاجوردي (١)
■ السید محمد حسن الموسوي (٣)
■ محمد محسن العمید (١)
■ علي یحیی تیمسوقي (١)
■ الدکتور طه السلامي (٣)
■ السید أحمد المددي (٦)
■ رقیة الکعبي (١)
■ عبدالله الشبراوي (١)
■ السید عبد الصاحب الهاشمي (٣)
■ السید فخر الدین الحیدري (١)
■ عبد الاله النعماني (٥)
■ بنت العلي الحیدري (١)
■ السید حمزة ابونمي (١)
■ الشیخ محمد جواد البستاني (٢)
■ نبیهة علي مدن (٢)
■ جبرئیل سیسي (٣)
■ السید محمد علي العلوي (٣)
■ علي الأعظمي البغدادي (١)
■ السید علي الخامنئي (١)
■ حسن بن فرحان المالکي (١)
■ ملا عزیز ابومنتظر (١)
■ السید ب.ج (٢)
■ الشیخ محمد السند
■ الشیخ محمد السند (١)
■ الشیخ حبیب الکاظمي (١)
■ الشیخ حسین عبید القرشي (١)
■ محمد حسین حکمت (١)
■ المأمون العباسي (١)
■ احمد السعیدي (١)
■ سعد هادي السلامي (١)
■ عبد الرحمن صالح العشماوي (١)
■ حسن الشافعي (١)
■ فالح عبد الرضا الموسوي (١)
■ عبد الجلیل المکراني (١)
■ الشريف المرتضی علم الهدی (١)
■ السيد أحمد الحسيني الإشكوري (١)
■ سید حسین الشاهرودي (١)
■ السيد حسن نصر الله (١)
■ ميثم الديري (١)
■ الدكتور علي رمضان الأوسي (٢)
■ حسين عبيد القريشي (١)
■ حسين شرعيات (١)
■ فاضل الفراتي (١)
■ السيد مهدي الغريفي (١)

احدث المقالات

المقالات العشوائية

المقالات الاکثرُ مشاهدة

شرح حدیث عنوان البصري 4 - مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م

الفصل السابع
في حقيقة العبوديةوبيان المحاور الثلاثة
قال عنوان البصري: قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبوديّة؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خولّه الله ملكاً، لأن العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله، يضعونه حيث أمرهم الله به.
أقول: لقد أشار الإمام× في بيان حقيقة العبودية إلى محاور ثلاثة ترجع إلى رؤية العبد نفسه.
الأول: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكاً بل الملك لله الواحد القهار، وأن العبد وما عنده فإنه ملك مولاه، فلا يملك شيئاً حقيقة، وما ملكه إلّا مجازاً وبإذن الله سبحانه.
الثاني: أن يرى ما بيده من المال مال الله، قد جعله الله أمانة بيده، ولابد أن يردّ الأمانات إلى أهلها.
الثالث: إنما يضع المال ويصرفه ويتصرّف فيه حيث أمره الله سبحانه به، فلابد أن يكون تصرفاته المالية على طبق الشريعة الإلهّية، ووفق الضوابط الشرعيّة.
والكلام يقع إجمالاً في هذه المحاور الثلاثة:
لاشك أنّ الإنسان عبد ومملوك لرّبه، فإنه لا يملك لنفسه شيئاً، بل لا يملك نفسه فضلاً عن أمواله وعلاقته الخارجيّة.
وقد ثبت بالدليل والبرهان القاطع عقلاً ونقلاً فقر الإنسان واحتياجه، فإنه ممكن في ذاته، وآية الإمكان الذاتي في وجوده وعدمه هو الاحتياج إلى علّته حدوثاً وبقاءاً، فإنه في وجوده وخروجه من حيّز الإمكان وتساوي طرفي الوجود والعدم فيه يحتاج إلى علة وجودية حدوثاً وبقاءاً، فيفتقر غلى واجب الوجود لذاته وهو الله سبحانه علة العلل ونور الأنوار، وحينئذٍ لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا حياةً ولا نشوراً، ومن كان كذلك فإنه بطريق أولى لا يملك حقيقة الأموال والأراضي والعقارات وما شابه ذلك من حطام الدنيا وزخارفها وزبارجها.
والدليل على أن الإنسان في الواقع ونفس الأمر لا يملك لنفسه شيئاً، أنّه لم يدخل في حيز الوجود بعد خروجه من كتم العدم بميله وإختياره، كما لم يخرج من الدنيا كذلك باختياره، بل هو مجبور على ولادته وموته، وكان مقهوراً بمشية الله وإرادته وحوله وقوّته، فإنه وإن كان في حياته الطبيعية وفي دنياه مختاراً في الجملة إلّا أنه بين الجبرين في ولادته ووفاته، وكان في الدنيا كما قال الإمام الصادق×: (جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين) وهذا ما يدلّ على إختياره الإجمالي وعلى تفعيل إرادة الإنسان واختياره في طول إرادة الله وحوله وقوّته، إلّا أنّه لا يملك لنفسه الصَحة والمرض، ولا الفقر والغنى، ولا نموّه ورشده، بل يشب من يوم ولادته إلى أيام شبابه رويداً رويداً من دون أن يكون له اختيار في ذلك، ثم يبتلى بالرخوة والعجز والضعف في أيام كهولته، كما قال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ (الروم: 53) فبتلى الإنسان بالإنتكاسات الصحية في جميع أعضاءه وقواه ولا سيما في أواخر عمره وحياته ﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ﴾ (يس: 68).
فهذا العبد العاجز الضعيف الذي لا يقدر أن يمنع الذبابة عن نفسه، وأن يسلبه الذباب منه شيئاً لا يمكنه أن يستنقذه منه، وإذا اشتد الحرّ أو البرد وسلب منه راحته حتى آل أمره إلى الهلاك، وإذا جاء أجله فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، ولا ينفع العلاج في الخلاص منه ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(آل عمران: 168).
فإذا كان هذا حال العبد في أصل وجوده حدوثاً وبقاءاً فكيف يحقّ له ويصّح منه أن يدعي مالكيته المطلقة لأمتعته وأثاثه وأمواله وأبنيته وعقاراته وغير ذلك، فكلّ هذا خارجة عن حيطة وجوده، بل هي بعيدة عن اطاعته وأقرب إلى النفاد والتضيع، وأسرع إلى الفناء والهلاك من أعضاء جسده، فعدم مالكيته لها بطريق أولى وأوضح ويكفيك شاهداً على عدم تملك الإنسان حقيقة أنّه لو سرق اللص ماله ونقوده، فأين ماليكته الحقيقية؟ فإن الملك الحقيقي لا ينفك عن مالكه، فما كان بأيدينا إنّما هي أمانات وودائع فانية، وقابلة للنقل والإنتقال بالارث وبالبيع والشراء وما شابه ذلك، وربّ غني بات مالكاً للملايين من النقود ويصبح فقيراً تلاحقه الشرطة والدولة، وربما يحترق معمله أو تغرق سفينته أو تهبط قيمة أسهمه في البنك وما شابه فيكون مطلوباً بعد أن كان طالباً، ويصير فقيراً بعد أن كان غنياً، ويسحبونه إلى المحاكم ويطالبونه بالديون...
فلو كان مالكاً حقيقياً كيف لا يدفع عن ممتلكاته ولم يمنع من حدوث تلك الآفات والبليات؟!
وهذا يدل بالوجدان والبرهان والقرآن أنه ليس هو المالك لها، بل المالك الأول حقيقة هو الله سبحانه، والحَلق عياله كما أن الأغنياء وطلائه ولابد للوكيل أن يكون أميناً ويرد الأمانات إلى أهلها، ولا يتصرف فيها بما شاء وكيفما يشاء، بل جاز له التصرف بالمقدار المأذون فيه، وبما أُذن له في الوكالة، فلا يتصرف في مال اله سبحانه إلّا بمقدار ما أذن له شرعاً، بلا إسراف ولا تبذير، ولا الحرام ولا الشبهات، وإلّا كان مختلساً خائناً سارقاً.
وهذا من جوهر العبودية وحقيقتها أن لا يرى العبد بيقين انه مالكاً لمال أو غيره، وإنما يملك بالعرض وتبعاً لما أذن له شرعاً وقانوناً.
ومضة عرفانية ذوقّية:
ثم العبودية مشتقة من (عَبَدَ) وهي بمعنى غاية التذلل والخضوع والطاعة المطلقة لمن يستحق ذلك، فالعبودية تعني الطاعة المطلقة والتعظيم الكامل لله سبحانه وتعالى.
ومن جميل ما يقال في لفظ (عبد)  انه متكوّن من ثلاث حروف، وكل حرف منه يرمز إلى معنى من معاني العبودية، فالعين إشارة إلى علم العبد بأن يعلم بقين انه ليس له مولى وسيد إلّا الله سبحانه، والباء: إشارة إلى بينونيّته في كل شيء مع ربّه، ومات وانقطع عن كل ما سوى الله سبحانه، والدال: إشارة إلى دنّوه وقربه من ربّه، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فتفنى إرادته في إرادة الله سبحانه، ويبقى به بقاء المصول بعلّته.
فروج العبودية التسليم المحض والطاعة الخالصة والمطلقة لله سبحانه، وما طاعة النبي الأعظم محمد‘ وطاعة ولي الأمر من بعده الأئمة المعصومين^ إلّا من طاعة الله سبحانه للأمر بها كما هو واضح.
وهذا التّوجه منشأه الفطرة الموحدة والإنسانية ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما هو ثابت في محلّه.
فالعبادة لله سبحانه تعني حياة القلوب واليقظة من سُبات الغفلات والسهو، ومن الغرق في الماديات والملّذات وحرية العبد من طاعة غير الله عز وجل، فلا يكون عبداً لبطنه وفرجه، ولا لديناره ودرهمه، ولا لنفسه وهواه، ولا لغير الله من الأصنام والكواكب وغيرها ممّا أمر الله سبحانه أن يكفر بها.
فالعبادة لله سبحانه تبتني على ركنين أساسيين: الأول التذلل والإنقياد المطلق لله عزّ وجل، والثاني: الحرية المطلقة من الدنيا وحطامها وما يدور في فلكها.
وقد فسّر الإمام الصادق العبودية لله بقوله×: (إن العبودية مرتبة من جميع مراتب القرب والتواضع حتى النبوة والرسالة، وذلك أن الرسالة نسبة ورابطة بين الله سبحانه وبين رسوله بالنسبة إلى المرسل إليهم، فالخلق لهم حظّ في هذا الإسم، وكذلك النبوة، وساير صفاته وأسمائه، وأما العبودية فهي حالة ورابطة بينه وبين مولاه ليس للخلق حظ فيها، إنه سبحان الذي أسرى بعبده(1).
ومن حقيقة العبودية أن يرى العبد نفسه غير مالك حقيقة، وأنه فقير في ذاته حدوثاً وبقاءً.
نعم كل إنسان بالنسبة إلى متعلقاته الخارجية له نوع من الإرتباط الإعتباري والظاهري، وبهذا يملك في الظاهر، وبإذن الشارع أو العرف من أدنى الأشياء كحبة حنطة إلى أكبرها كالمزارع والأموال والثروة الطائلة، وهذا من المالكيّة الشخصيّة والفردية التي أقرّها الإسلام واحترمها.
ولكن المهم في الأمر أن الذي يميز الشرك عن التوحيد هو أن الإنسان لابدّ أن يعلم بيقين إنّ هذه الأنواع من العلائق والملكيّة الفردية والظاهرية إنما أصلها وأساسها ومشروعيتها من الله عز وجل، فهو في الواقع لا يملك لنفسه بالأصالة والاستقلال، وإنّما كان ذلك بالتّبع وبإذن الله جلّ جلاله، فما المال بيده إلّا أمانة إلهية يحاسب عليها في كسبها وصرفها، فمن أين وفي أين وإلى أين؟ فإن المال مال الله فإنه لابدّ من ردّها إلى أهلها، وقفوهم انهم مسؤولون، بلا خيانة ولا تقصير، تصرف في مصارفها الشرعية والقانونية وفي مواردها التي أمره الله بها.
فالعبد الخالص من يرى أولاً: أنه لا يملك شيئاً حقيقة، وثانياً أنّ هذه الأموال بيده إنما هي أمانات من الله ورسوله فالمال مال الله، وثالثاً: لابد من أن يرجعها بما هو الأفضل والأحسن غلى أهلها فيضعها حيث أمره الله به، فإنه فيها حق للسائل والمحروم، كما فيها الحقوق الشرعية الواجبة والمندوبة كالزكاة والخمس والصدقات وصلة الأرحام وبرّ الوالدين وخدمة الجيران والأقرباء والأصدقاء والفقراء والمساكين، وبمثل هذه التصرفات الشرعية يرضى المالك الحقيقي وهو الله سبحانه، وهذا كلّه من التوحيد الأفعالي، فلا يرى في الديّر ديّاراً ألا هو جلّ جلاله، فإنه مالك المُلك، بيده كل شيء، فمنه وإليه، فيبذل ما في وسعه بجود وسخاء وكرم، ويشكر الله أن أختاره ليكون موضع رحمته ووكالته وليحمل أماناته إلى أهلها، ويكون وكيلاً عنه سبحانه وتعالى.
في رحاب عبادة الله سبحانه:
إعلم أنّ المفروض والمطلوب من كل واحد منّا أن يفكّر ويعمل على ضوء ذُلّ عبدويته لله سبحانه ولابدّ من إستكماله وبلوغ كمالاته، وإستحكام العلاقة والرابطة بينه وبين خالقه وصانعه وربّه رب العالمين جلّ جلاله، يذكره قلباً وقالباً روحاً وجسداً، وعلى الدوام ومن دون فتور في عباداته وطاعته في الليل والنهار (وإجعل لساني بذكرك لهجاً، وقلبي بحبّك متيّماً).
ونكون من عباد الله الذين هم بالبدار إليه يسارعون، وبابه على الدوّام يطرقون، وإياه في الليل والنّهار يعبدون، فيتمتّعون بلذيذ العبادة والمناجاة، ويردون حياض حبّ الله سبحانه، ويذوقون حلاوة ودّه وقُربه، ويكون همتهم في طاعته، وغاية جهدهم في محبّته ورضاه، فيخلصون النوايا في معاملتهم مع ربّهم، فهم منه وإليه (إنا لله وإنا إليه راجعون) وبه وله، ولا وسيلة لهم إليه إلّا هو جلّ جلاله، فيستشفعون به إليه، ويستجيرون منه به، ويطمعون في إحسانه وجوده، ويرغبون في نعماءه وآلاءه، ويستسقون وابل طوله، ويستمطرون غمام فضله، ويطلبون مرضاته، ويقصدون لقاءه، ويردون شريعة رفده، ويلتمسون سنيّ الخيرات من عنده، ويفدون إلى حضرة جماله، وسامة قدسه، ومقام جلاله، يريدون وجهه الكريم، ويطرقون بابه العظيم، ويرغبون ثوابه الجسيم، ولقاءه الحليم، في جنّة أسماءه الحسنى وصفاته الفُضلى، ويدخلون مع عباده المطرحين وملائكته المقربين، في ظل عرشه الأعظم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ويكشف عن قلوبهم وبصائرهم أغشية المرية والحجاب، ويزهق الباطل عن ضمائرهم، ويثبت الحق في سرائرهم، فيصفي لهم المشارب، وينير لهم المسار والسُّبل، ويهديهم الصراط المستقيم، ويبلّغوهم الرغائب، وينجح لهم المطالب، ويقضي لهم من فضله وجوده المآرب، ويملأ ضمائرهم من حُبّه، ويتروّون من صافي شربه، ويُسقيهم ربهم شراباً طهوراً، ويصلون به إلى لذيذ مناجاته، ويناجيهم في سرّهم ويكلّمهم في ذات عقولهم، ويبلغون أقصى مقاصدهم بذلّ عبوديتهم إلى لقاء ربّهم بقلب سليم ونفسٍ مطمئنة وصدر متشرح بالإسلام.
ولاشك أن الله سبحانه لم يخلق الخلق عبثاً ولا كان لاعباً، كما لم يخلق ذلك لمقصد شخصي، فان العليم القادر، والغني الصمد، بحكم غناه الذاتي، وعدم إحتياجه المطلق، لا يمكن أن يتصور وجود هدف في خلق ما سواه من الكائنات والمصنوعات ترجع فائدته إليه، أو يعود نفعه عليه، ولكن مع ذلك لا يمكن أن يقال ان العالم خلق من دون هدف قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان: 38 و39).
وأيّاً كان الهدف المقدس في فيوضاته الربانيّة، فإن الإنسان من بين هذا الخلق العظيم قد خُلق لهدف أسمي ومقام أعلى، فإذا سخر الله له ما في السموات والأرض وخلق الأشياء من أجله، فإنه خلق الإنسان من أجل ربّه ليستحلفه في أخلاقه واسماءه وصفاته، وهذا مقام لا يمكن لغير الإنسان أن يتحملّه، لا الأرض بجبالها الشاني، ولا السماء بمجّراتها ومنظوماتها وكواكبها ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72) فحملها الإنسان الظلوم الجهول الخذول والعجول، وفي قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ (طه: 41) يتضمن سراً من هذا الهدف الأسمى الذي يوجب لاصحاب القلوب الحبّية أن تحترق من لهيبه احتراق الفراش بشعله الشمع، وتسليمه روحه) (2).
وقد أودع الله في فطرة الإنسان الموحدة حبّ الكمال المطلق والوصول إلى عزَّة الربوبية والفناء في إرادته والبقاء به، وجعل الطريق إلى ذلك القيام بذلّ العبودية، فكان طريق التكامل كما في مدرسة الأنبياء والسفراء الإلهيين هي العبودية لله سبحانه وتعالى ولا غير، حتى ورد عن الإمام الصادق×: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية) (3).
كما ورد في الحديث المعتبر المشهور عند الفريقين ـ السنة والشيعة ـ عن رسول الله‘: (ما تقرَب إليّ عبد بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضت عليه، وإنه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتى أحبّه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها) (4).
وهذا من قرب النوافل، ناهيك ما في قرب الفرائض، فنتيجة شدّة تقرّب العبد إلى الله بالعبادات والطاعات هي أن يصل إلى حدّ ومقام يكون الحق جلّ جلاله سمعه وبصره ولسانه، كما في قرب الفرائض يكون العبد عين الله وسمعه ولسانه.
وقد عيّن الله سبحانه بمقتضى تجليّة في خلقه بإسم الربوبية، فإنه ربّ العالمين، سلسلة من العبادات الجسميّة والماليّة وقلبيّة وعقليّة، وواجبات وفرائض أخلاقية وروحيّة تهدف جميعاً إلى صنع الإنسان وتربيته تربية إلهيّة وملكوتية تتناسب مع روحه التي كانت في الملأ الأعلى ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ والوصول به إلى كماله اللائق به في قوسه الصعودي.
فالإنسان المؤمن العابد في ظلّ القيام بهذه العبادات وتطبيق هذه الواجبات الأخلاقية والعرفانية، يستطيع الوصول إلى الكمال المنشود والمودع في جبلته والذي خُلق من أجله، وبذلك ينال نصيبه الأوفى من اللذائذ المعنوية والروحية في الدنيا والآخرة.
وما دام الإنسان الظلوم الجهول أسيراً لمذام الأفعال ورذائل الأخلاق، والممارسات القبيحة والسيئة، فإنه سيظل يهوى إلى أسفل السافلين، ولا يرقى إلى أعلى العليّين، وستظل قواه الروحية والمعنوية محبوسة في سجن الاستعداد ولا تتحرّر إلى عالم الفعلية، فلا تخرج من القوة إلى الفعل، وما لم تدخل قواه هذا العالم الأكبر، ولم تتفجر قابلياته واستعداداته المكنونة في وجوده، فإنه سيظل عاجزاً عن إدراك اللذائذ المعنوية ولم يذق لذة المناجاة مع ربّه، ولا لذة العبادات، لأنه لا يمتلك الشبّه والسنخيّة والتماثل مع عالم المعنى والتجرّد، ويكون مثله مثل الرّجل الأميّ الجاهل الذي يُحبس في مكتبة ضخمة تحتوي نفائس المخطوطات وأمهات الكتب في مختلف العلوم والفنون والمعارف، فهل ينتفع هذا الأمي من هذه النفائس والكتب؟!
لماذا نعبد الله تعالى؟
وهنا كثيراً ما يسأل الناس ولا سيما الشباب منهم لماذا العبادة؟ ولماذا نعبد الله سبحانه، ولأي سبب وجهة شرعّت؟ ولماذا أرسل الله المرسلين وبعث النبيين بتكاليف شرعية ووظائف دينية، تجمعها عنوان العبادة لله سبحانه والقرب منه؟
فهل الله سبحانه بحاجة إلى عبادتنا لكي نعبده في الليل والنهار؟
فيتصور السائل أن لله سبحانه في تكاليفنا العبادة أهداف شخصيّة، وإنما نعبد لتأمين ذلك الهدف الشخصي، وهذا من الخطأ الفادح العظيم، فإن العبادة ليست من أجل رفع الحاجة عن الله سبحانه، وان طاعتنا لا تنفع حضرته القدسيّة، كما أن عصياننا لا يضرّها، كما  أشار إلى ذلك مولانا أمير المؤمنين علي× في مقدمة خطبة همام: (ان الله تعالى خلق الخلق عين خلقهم غنيّاً عن طاعتهم، آمناً من معصيتهم، لانَه لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضرّه معصية من عصاه) (5). 
بل الهدف المقدس في خلق الإنسان تكامله وبلوغه مقام الفناء والبقاء، كما أن الهدف من العبادات التمهيد وتعبيد الطريق للوصول إلى الله سبحانه ولقاءه، والتربية والتزكية للروح الإنسانية المتجليّة فيها أسماء الله الحسنى وصفاته العُليا والمقصود من العبادة إبراز القدرات والاستعدادات الكامنة في الرّوح التي تنشأ وتنمو وتتكامل وتبلغ المقصود من العبودية وذلّها في نفس الإنسان، والغرض من العبادة حينئذ رفع الظلمات والجهالات الداخليّة والخارجية من صفحة القلوب، وإنارتها بالأنوار الملكوتيّة، وتهيئة الرّوح المتعالية والمتساميّة لقبول التجليات الإلهية وإشراق أنوار الحبّ والفسق والإنقطاع الكامل لله سبحانه وتعالى.
(إلهي مهبّ لي كمال الإنقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النّور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك) (6).
وبالعبودية وذُلها وخضوعها وخشوعها يتخلّص الإنسان من الحجب الظلمانية من أنانيته وحبّه الذات ومن النّفس الأمارة بالسوء ومن وساوس الشياطين من الجن والإنس، فإنه كلّما نظر العبد غلى انيته وانانيته ورؤية نفسه وحبّها كان بعيداً عن كمال إنسانيته، ومجهوراً في مقام القرب الربوبي، فإن حجاب رؤية النفس وحبّ الدنيا وعبادة أصنافها لأضخم الحجب وأظلمها، وخرق هذا الحجاب أصعب من خرق جميع الحجب، ألا أنه لابد من خرقه فإنه المقدمة والمفتاح بخرق كل الحجب الظلمانية والنوريّة، وهو مفتاح مفاتيح الغيب والشهادة، وباب أبواب العروج إلى الكمالات الروحانية والنوريّة وإلى عزة الربوبيّة.
في مصباح الشريعة: قال الإمام الصادق×: (العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي من الربوبيّة أصيب في العبودية).
فمن سعى سعيه بخطوات العبودية لله سبحانه ووسم جبهته بالسجود وبسمة ذلة العبودية، فإنه يصل إلى عزّ الربوبيّة، وهذا يتّم بالعبادة لله سبحانه.
قال الإمام الخميني+ في الآداب المعنوية للصلاة: (وليعلم أن العبودية المطلقة من أعلى مراتب الكمال، وأرفع مقامات الإنسانية، وليس لأحد فيها نصيب سوى الأكل من خلق الله محمد‘ وأولياء الله الكُمّل، فله‘ هذا المقام بالأصالة، وللأولياء الكمّل بالتبعيّة، وأمّا بقية العباد فهم من طريق العبادة عُرج وعبادتهم وعبوديتهم معلّلة، ولا ينال المعراج الحقيقي المطلق إلا بقدم العبودية، ولهذا قال الله سبحانه:﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ (الإسراء: 1) فقد أسرى الله سبحانه بتلك الذات المقدسة إلى معراج القرب والوصول بقدم العبودية والجذبة الرّبوبيّة) (7). 
ثم اعلم ان سرّ الخليقة وفلسفة الحياة هي عبادة الله سبحانه كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).
فسعادة الإنسان تكمن في عبادته، وإن الله هو الغني الحميد.
ما هي (واقع العبادة؟
ثم العلل والدواعي ودوافع العبادة لله جلّ جلاله تتبلور في الأُمور والوجوه التالية:
أوّلاً: عظمة الله وجلالة شأنه وكبرياءه وعملّوه، فالكون كلّه بالقياس إلى عظمته ووجوده الواجب سبحانه يعدّ لا شيء، بل الكون كلّه من تجليات عظمته وكبرياءه.
ثانياً: الإحساس البشري والإنساني بضرورة الإرتباط والعلاقة مع المطلق في ذاته وصفاته وافعاله، والعبادة حبل الوصال والارتباط بين الغنى بالذات والفقير بالذات.
ثالثاً: شكر النعمة بشكر المنعم ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ  الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾(قريش: 3و4و5).
ورابعاً: الفطرة الإنسانية، فإن العبادة مكنونة في طبع الإنسان وفطرته، وانه مغفور ومجبول على العبادة، فهي من الأمر الفطري، فإن فطرة الإنسان تتحور في جذور ثلاثة تتصل بالكمال المطلق في بحثها ومعرفتها وهي حبّ الخير وحبّ الجمال وحبَ الكمال، والعبادة إنما تعبّد الطريق للوصول إلى الكمال المطلق وهو الله سبحانه وتعالى، وغيرها من الوجوه، فإنه لو رجعنا إلى فطرتنا مع ملامتها لرأينا ما يحملنا على عبادة الله وجوه عديدة كرؤية نِعَم الله والآءه فإنه خالقنا ورازقنا ومربيّنا برحمته ولطفه.
كما يرى الإنسان فقره الذاتي واحتياجه في وجوده حدوثاً وبقاءاً إلى قلة العلل، فكان وجدنا بأمره وخلقه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله في حدوثنا وإنا إليه راجعون في بقاءنا، فإنه يستحق العبادة.
كما إنّا نرى آثار وثمرات وبركات العبادة لله سبحانه في الدنيا والآخرة، من نِعَمه التي لا تعد ولا تحصى من ثوابه الجزيل وأجره العظيم، مما يدفعنا إلى العبادة.
كما نرى ما يترتب من الآثار السلبية والسيئة من العذاب والنّار والحياة الصعبة والضنكة لمن ترك عبادة ربّه كما ان الرؤية الكونية لمن كان مؤمن بالله سبحانه يرى ان الخلق كله في عبادة الله، فما من شيء إلّا ويسبح بحمده وجماله، وكلّ يعلم صلاته وتسبيحه، فلماذا الإنسان يعاكس هذا المسير الكوني  وهذا السّبح والتسبيح التكاملي، فإنه كما في وجوده التكويني يسبّح لله كذلك في وجوده التشريعي يسبح لله ويعبده حق عبادته.
ثم الهدف من العبادة تكامل الإنسان في نفسه، فكانت العبادة من فلسفة خلقته من أجل تكامله، وكماله باستحلاف ربه في أسماءه وصفاته، وإلّا فمن يكفر بالله لا يصّر الله شيئاً ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (إبراهيم: 8) فمثله مثل الشمس فإن من ذاتياتها  وكمالها الإضاءة والحرارة، وإن الإنسان لو استقبلها، انتفع من نورها ودفئها وبركاتها، ولو أدبر عنها، فإنه هو الذي يتضّرر، ولا يضر أوباره الشمس.
فالعبادة نهاية خلقة الإنسان وكماله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
كما أنه (لا إله إلّا الله) فإنه لا معبود يستحق العبادة ولا محبوب يستحق الوله والحبّ إلا الله سبحانه ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾ (طه: 14).
أضف إلى كلّ هذه الوجوه وغيرها: ان العبادة وإن كانت واجبة علينا تكويناً وتشريعاً، فإنه رازقنا وخالقنا وربّنا وسيدنا ومولانا، إلّأ أنه مع ذلك فإنه في مقام أداء الوظائف الدينية والتكاليف الشرعية من أوامره ونواهيه يثبنا ويؤجرنا على ذلك، وهذا من كمال ربوبيته ولطفه وإحسانه، فتدبّروا يا أولي الأبصار ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾(محمد: 24).
كيف نعبد الله سبحانه؟
إن العبادة تعني حضور المخلوق أمام خالقه والإنقطاع إليه، كالعبد في حضور سيده وإطاعته وإمتثال أوامره ونواهيه فلا تؤخذ العبادة إلّا منه، ومن زاد أو نقص فإنه من البدعة والضلال، ومن عبادة النّفس والشيطان.
ما هي أفضل العبادة المطلوبة والصحيحة:
إن أفضل العبادة ما تتوفّر فيها المواصفات التالية:
أولاً: أن تكون عبادة عن وعي وفهم وفقه، فإنه ركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل (حتى تعلموا ما تقولون) وأن (المتعبّد على فيرتقه  كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح) (من صلى ركعتين يعلم ما يقول فيها انصرف وليس بينه وبين الله ذنب).
وثانياً: أن تكون العبادة عن حبّ وعشق وحماس في داخل الإنسان، فيصد الله بنشاط وحيويّة من دون كسل وتضجّر (واجعل نشاطي في عبادتك) فالمحبّ حينئذٍ يتذوّق العبادة ويستلذ منها، ولا يكون كالمريض الذي لا يتذوق الحلاوة، وهذه عبادة الأحرار والشاكرين (أفضل الناس من عشق العبادة) ومن الناس من يعبد خوفاً ومنهم من يعبد طمعاً.
وثالثاً: أن تكون عبادة خالصة لله سبحانه ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾(البينة: 4) ﴿ وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾.
ورابعاً: أن تكون خاشعة خاضعة، والخشوع في القلب والخضوع في الجوارح، فإن ثمرة التوبّة والمعرفة الكاملة في العبادة بمعرفة المعبود والعابد والعبادة هو الخشوع والخضوع ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 2) ( فصلّها لوقتها صلاة مودّع).
وخامساً: العبادة في الخفاء والسّر، فإنه أفضل من العلن والجهر (أعظم العبادة أجراً أخفاها) وإنما تُصان من الرياء وحبّ الإطراء والسمعة، وسرقة الشيطان عدّونا اللدود الأوّل.
ما هي شروط العبادة؟
لقد ذكر علمائنا الأعلام للعبادة المقبولة بصورة عامة ثلاث شروط:
الأول: شرط الصحة: أي ما يكون العبادة به صحيحاً، ويوجب سقوط التكليف فلا إيماء ولا قضاء، كالطهارة واستقبال القبلة في الصلاة، والشرط هو قيد للماهية خارج عنها، والجزء ما كان قيداً داخلاً في تحقق الماهية كالركوع والسجود في الصلاة.
الثاني: شرط القبول: كالتقوى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ وكإطاعة الوالدين وبرّهما، وإطاعة الزوجة لزوجها وغير ذلك.
الثالث: شرط الكمال: كما أشرنا إليه في كيفية العبادة المقبولة والكاملة كالعلم واليقين والخضوع والخشوع وحبّ العبادة وغير ذلك.
ومن الأول في الصلاة: (لا صلاة إلّا بطهور) ومن الثاني (لا صلاة لعاق الوالدين) ومن الثالث (لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد) فمن ترك الطهارة بطلت صلاته، ومن كان عاقاً لم تقبل صلاته بقبول حسن وإن كان موجباً لسقوط التكليف، ومن لم يصل في المسجد وهو جاره لم تكن صلاته كاملة ومتصفة بالكمال.
ثم لا يخفى أن شروط القبول تارة في البُعد العقائدي كالإيمان ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97) ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: 5).
وأُخرى: في البعد السياسي كالولاية والإمامة، قال الإمام الباقر×: (من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول) (من لم يتولّانا لم يرفع الله له عملاً).
وأُخرى: في البعد الأخلاقي كالتقوى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: 27).
وأُخرى: في البعد الاقتصادي: (من صلى ولم يزكّ لم تقبل صلاته).
وأُ×رى: في البُعد الإجتماعي كالسلوك الحسن في المعاشرة، عن رسول الله‘: (يا أبا ذر إياك وهجران أخيك، فإنّ العمل لا يتقبل مع الهجران) عن الإمام الصادق×: (إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل).
وأُخرى: في البعد العائلي كرعاية الحقوق في الأسرة، فمن نظر إلى والديه بحدّة البّصر والنظر ماقت لهما وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة، وكأذية الزوجين أحدهما للآخر، فإنه يوجب عدم قبول العبادة كالصلاة.
ثم شروط كمال العبادة كثيرة، منها: تحمّل المصاعب والمشاقات في التكاليف الشرعيّة، فإن أفضل الأعمال أحمزها، والنظم في الأمور، ومراعاة الأهم والمهم في مقام التزاحم، فلا قربة بالنوافل إذا أضّرت بالفرائض، والمسابقة في الخيرات، والدوام والنشاط في العبادات، والبصيرة ونفوذها واليقين بمراتبه، وأن العمل الدائم القليل من يقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين.
سؤال وجواب:
سؤال: لقد جاء في القرآن الكريم ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99) فهل هذا يعني أنّه إذا حصل الإنسان على اليقين تسقط العبادة عنه؟!
الجواب: أولاً: المراد من اليقين كما في التفاسير في خصوص هذه الآية الشريفة هو الموت، وإنما عبّر عنه باليقين لأنه أكثر الأشياء يقيناً هو الموت، فإنه يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، وإنك ميت وانهم ميتون، كلّ ابن انثى وان طالت سلامته يوماً على آلة الحدباء محمول، فلا يمكن الفرار من الموت فاعبد ربك إلى آخر لحظة من حياتك الطبيعية وحتى الموت والرحلة والنقلة من هذه الدنيا إلى الآخرة، فإن اليوم يوم عمل ويوم العبادة، وغداً يوم الحساب والجزاء من الثواب والعقاب.
وثانياً: إن اليقين يعني علم العلم، والعلم يقابله الجهل والجهل ذو مراتب فأدّله الوهم ثم الشك ثم الظن إلا أن الظن منه ما هو معتبر كالظنون الخاصة ومنه ما هو غير معتبر كالظن المطلق فإنه لا يغني عن الحق شيئاً، فمن كان عالماً ربما لشبهة أو شك وترديد ينقلب علمه إلى الظن وظنه إلى الشك وشكه إلى الوهم، ولكن اليقين هو العلم بعلمه فهو من العلم المركب من علمين: العلم بالشيء والعلم بالعلم، ويقابله الجهل المركب، وهو الجهل البسيط وجهله بجهله، فاليقين هو العلم المركب الذي لا يزول بالشبهات والشكوك فهو كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف، واليقين أنفس شيء وأفضل نعمة يعطيها الله لخاصة عباده فاعبد ربك حتى تصل إلى مثل هذا اليقين النّفيس ومن أنفس النّفائس وله مراتب ثلاث: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فاعبد ربك حتى تصل إلى هذه المراحل من اليقين، الذي لا ريب ولا شبهة فيه، وهذا اليقين من ثمرات العبادة وهذا لا يعني انه من وصل إليه فإنه يترك عباداته كصلاته وصيامه وحجه وزكاته وخمسه وجهاده.. بل الأمر كمن يتسلّق السّلم ويصعده ليقطف الثمرة العالية من الشجرة، فإذا وصل إليها وقطفها، فلهذا لا يعني أن يسقط الدرج ويستغني عن السُّلم، قائلاً ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ فانتهى دور العبادة التي كانت بمنزلة السّلم للوصول إلى الله سبحانه، فهذا أمر مرفوض وغير معقول، ولا يرضى به العقل والشرع المقدس، فإنه لو استغنى عن السّلم وأسقطه عن حيّز الإنتفاع، فإنه يوجب سقوطه، وحينئذ أضاع الثمرة المقطوفة أيضاً، فمن يترك العبادة كان كمن يخّر من السّماء ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ﴾.
وثالثاً: إن سادة المتقين والأئمة المعصومين هم القمة في الكمال واليقين وقال أمير المؤمنين علي× (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً، ومع ذلك لم يتركوا العبادة، بل كانوا أشدّ الناس عبادة وزهداً في الدنيا، فكان أمير المؤمنين يصلّي في الليل ألف ركعة، وكانت فاطمة الزهراء’ تصلي حتى يتورم قدماها، وهكذا سائر الأئمة الأطهار^ فلم يتركوا العبادات بل زادهم اليقين خوفاً وعبادة ﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾فإنه لكثرة عبادة النبي‘ كانت تتوّرم قدماه الشريفة.
فالمقصود من الآية الكريمة﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ في تفسيرها الصحيح هو بيان آثار وثمرات العبادة، وليس بيان وتعيين حدودها وبدايتها ونهايتها، فتدبّر.
العبادة في رحاب الثقلين: (القرآن الكريم والعترة الطاهرة)
هذه مجموعة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عن رسول الله محمد‘ وعن أهل بيته المعصومين^ في حقيقة العبادة وفضلها ووجوبها وضرورتها، ويمكن للقارئ الكريم بمطالعته الدقيقة وتمعنّه في الآيات والأحاديث، ولا سيما لمن كان له خلفيّة ثقافية وعلّمية في هذا الوادي الكريم.
أن يستخرج منها كنوز من العلوم والمعارف ومن الدراسات والبحوث حول العبادة ومقصودي من عجالتي ورسالتي هذه هي الإلمامة والإطلالة على جملة نماذج من الىيات والروايات في هذا المقام، عسى أن يكون من الخطوة الأولى لمسيرة ألف ميل في هذا المسلك الطويل والمشوار الجليل، وربما كانت مادة أوّليّة لمحاضرات إسلامية لأصحاب المنابر من العلماء والخطباء المحاضرين الإسلاميين زاد الله في توفيقاتهم لخدمة الدين والمذهب والقرآن والعترة الطاهرة^.
أما الآيات الكريمة فمنها:
1 ـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الحمد: 5).
2 ـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة: 12).
3ـ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ...﴾ (البقرة: 83).
4 ـ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ...﴾(آل عمران: 64).
5 ـ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران: 51) وبهذا المعنى في الأنعام: 102 ومريم: 36 ويونس:3 والزخرف: 64.
6 ـ ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (المائدة: 76) ونظيرها في يونس: 18 ومريم: 42 والزمر: 66 والأنبياء: 66.
7 ـ ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ (الأنعام: 66).
8 ـ ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).
9 ـ ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ (الأعراف: 59) والمؤمنون: 23 وبهذا المعنى في الاعراف:66 و73 و85 وهود: 50و 61و 84 والرّعد: 26 والنمل: 36 والمؤمنون: 32 والنمل: 45 والعنكبوت: 16 و36 ونوح: 3.
10ـ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99).
11ـ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ (الإسراء: 23).
12ـ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: 110).
13ـ ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾ (مريم: 65).
14ـ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14).
15ـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: 77).
16ـ ﴿إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ﴾ (فصلت: 14). وبهذا المعنى في الأنبياء: 25 والأحقاف: 21.
17ـ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56).
18ـ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ (البينة: 5) نظيره في الزمر: 2 و11 و14.
19ـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ  لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: 1 و2).
وأما الأخبار والروايات:
1 ـ عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله× قال: في التوراة مكتوب: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك غنىً، ولا أكللك إلى طلبك، وعليّ أن أنسدّ فاقتك، وأملأ قلبك خوفاً مني وإن لا تفرّغ لعبادتي أملأ قلبك شغلاً بالدنيا، ثم لا أسدّ فاقتك، وأكلك إلى طلبك(8).
في بيان الخبر: قوله (تفرّغ) اي تخلى من الشغل، لا بمعنى إنك لا تعمل ولا تشتغل لإمرار معاشك ومعاش أُسرتك، بل بمعنى اجعل نفسك وقلبك فارغاً عن أشغال الدنيا وشهواتها وعلائقها وحطامها الفانية بل اجعل قلبك مشغولاً بعبادة الله، فما تأتى من عمل واجب أو مستحب ديني أو دنيوي فردي أو اجتماعي إلا ونويت بذلك قربة الله تعالى، ويكون شغلك في صلاة وجميع حركاتك وسكناتك عباديّة، عليها طابع إلهي وصبغة إلهيّة، فإذا كان قلبك مشغولاً بذكر الله وعبادته ملأه الله غنى باسماءه وصفاته فلا تفتقر إلى الناس بل يسدّ الثّلمات والشروخ التي تنتابك بين حين وحين في حياتك الفردية والإجتماعية فيسد الفاقات ويروحها ويصلحها وان لم تفعل ذلك فينعكس الأمر معك فيملأ قلبك الشغل بالدنيا وهمومها وأحزانها، ويبقى دائماً يعيش الفاقة والإضطراب والقلق.
ثم العبودية بمعنى إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها لأنّها تعني غاية الخضوع والخشوع والتذلل، ولا يستحقها إلّا من له غاية الإنعام والإقصال وهو الله جلّ جلاله، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فتكون العبادة لله خالصاً دون غيره، والعبادة بحسب المصطلح المتشرعي: تعني المواظبة على الفعل المأمور به، واسم الفاعل منه (عابد) واسم المفعول (معبود) والعبادة من المعاني الإضافية رابطة بين العابد والمعبود.
ثم قسّم الحكماء عبادة الله على ثلاثة أنواع:
الأول: ما يجب على الأبدان كالصلاة والصيام والسعي في المواقف الشريفة لمناجاته جلّ جلاله.
الثاني: ما يجب على النفوس والأرواح والعقول والقلوب كالاعتقادات الصحيحة من العلم والمعرفة بتوحيد الله وعدله وما يستحقه من الثناء والتمجيد، والفكر فيما أفاضه الله سبحانه على العالم من وجوده وحكمته، ثم بتوحيد الله وعدله وما يستحقه من الثناء والتمجيد، والفكر فيما أفاضه الله سبحانه على العالم من وجوده وحكمته، ثم بتوحيد الله وعدله وما يستحقه من الثناء والتمجيد، والفكر فيما أفاضه الله سبحانه على العالم من وجوده وحكمته، ثمّ الإتساع في هذه المعارف وفي اصول الدين من معرفة النبوة والإمامة والمعاد.
الثالث: ما يجب عند مشاركات الناس في حياتهم المدنية وفي المعاشرات وهي في المعاملات والمزارعات والمناكح، وتأدية الأمانات، ونصح البعض للبعض بضروب المعاونات وجهاد الأعداء والذَب عن الحريم وحماية الحوزة (9).
2 ـ قال الإمام الصادق×: قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي الصديقين، تنعّموا بعبادتي في الدنيا فإنكم تتنعّمون بها في الآخرة.
بيان: من كثر صدقه في القول والعمل كان صديّقاً، ومثل هذا يتلذذ بعبادة ربّه ويتقوى بها، وهي عنده من أعظم اللذات الروحانية والقلبية فينعّم بها في دنياه كما يتنعّم بها في آخرته.
3 ـ عن أبي عبد الله الصادق× قال: قال رسول الله‘: أفضل الناس من عشق العبادة، فعانقها وأحبّها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر(10).
بيان: العشق زيادة الحبّ، والحب هو الميل القلبي نحو المحبوب، والناس يتفاوتون في الفضل والفضيلة فأفضلهم من عشق العبادة وأحبّها من كلّ وجوده وعشقها كعشق المجنون لليلى، فيعانق العبادة بشوق ووله ويحبّها بقلبه حبّاً جماً، ويباشرها بجسده في الليل والنهار ويتفرّغ لها، أي لا يمارس إلّا العبادات، وحينئذ مثل هذا يزهد في دنياه ولا يبالي على ماذا يصبح على عسر أم يُسر.
4 ـ قال عيسى بن عبد الله لأبي عبد الله الصادق×: جعلت فداك، ما العبادة؟ قال×: حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع منها(11).
بيان: يسأل عيسى إمام زمانه عن العبادة الصحيحة والمقبولة، فأشار الإمام× إلى انها إنما تصح وتقبل شرائط ثلاثة: الأول: أن تكون مع النية الحسنة أي الخالصة من شوائب الرياء والسمعة وحبّ الاطراء وغير ذلك من آفات الغيبة والعمل والثاني: ان تكون مع طاعة أئمة الحق ^ وقبول ولايتهم، والثالث: أن تكون العبادة مأخوذة من الوجوه التي يطاع الله منها، أي لا تكون مبتدعة وإدخال ما ليس من الدين في الدين، بل تكون مأخوذة من القرآن الكريم والسنة الصادقة ومن الدلائل الحقّة والآثار الصحيحة.
5 ـ قال أبو عبد الله الصادق×: إنّ العبّاد ثلاثة: قوم عبدوا الله عز وجل خوفاً ـ من عذابه وناره ـ فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى  طلب الثواب ـ وطمعاً بالجنة ـ فتلك عبادة الأجُراء ـ التجار ـ وقوم عبدو الله عز وجل حبّاً له، فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة(12).
وبهذا المعنى روايات أخرى:
6 ـ عنه× قال: إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحُرصاء، وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النّار، فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له عز وجل فتلك عبادة الكرام، وهو الأمن لقوله عز وجل: ﴿ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ﴾ (النمل: 89) ولقوله عز وجل: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ (آل عمران: 31) فمن أحبّ الله عز وجل أحبّه الله، ومن أحبّه الله تعالى كان من الآمنين(13).
بيان: يحمل الإنسان في داخله قوتي الغضب والشهوة، والأولى بمنزلة الدافعة والثانية بمنزلة الجاذبة، وتنعكس هذه الحالتان على جميع تصرفاته، وكأنما يجري ذلك حتى في عباداته، فصنف من الناس يعبد الله طمعاً وحرصاً بالجنة وهذه من القوة الجاذبة، وهي عبادة التّجار ومن يريد الأجر على عمله، وصنف منهم من يعبد الله خوفاً ورهبة من غضبه وناره وسخطه وهذا من القوة الدافعة وهي عبادة العبيد، فان العبد يطيع مولاه خوفاً من عقوبته وسوطه وطرده، وقليل من عباد الله من يعبد الله شكراً لنعمه وحبّاً له، وانه وجده أهلاً للعبادة، فتلك عبادة الأحرار الأبرار المقربين المكرمين، ولا ينالها إلّا ذو حظ عظيم، من أتعب نفسه في مجاهدتها بالجهاد الأكبر، وبلغ العلى في تهذيب نفسه وتربية روحه وصيقلة قلبه بالتخلية و الجلال التحلية والجمال والتَّجلية والكمال، ومثل هذا يبدء أولاً بالفرائض والواجبات.
6 ـ عن أبي حمزة عن علي بن الحسن÷ قال: من عمل بما افترض الله عليه فهو من أعبد النّاس (14).
ولا يخفى ان الحد الوسط هو الفضيلة ودونها من طرفيها فهو الافراط والتفريط وهما من الجهل المذموم والقبيح عقلاً وشرعاً.
والأمة الإسلامية كانت خير الأمم لكون دينها دين الوسطيّة من دون إفراط وتفريط في كل شيء حتى في العبادات، فإنه يقول بالاقتصاد وهون القصد ويعني الحدّ الوسط والعدالة الفردية والإجتماعية.
7 ـ عن أبي جعفر الباقر× قال: قال رسول الله ‘: ألا إنّ لكل عبادة شِرّةً، ثم تصير إلى فترة، فمن صارت شرّة عبادته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن خالف سنتي فقد ضلّ وكان عمله في تباب، أما إني أُصلّي وأصوم وأفطر وأضحك وأبكي، فمن رغب عن منهاجي وسنتي فليس منّي.
وقال: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنياً، وكفى بالعبادة شغلاً(15).
بيان: قوله ‘ (شرة) بمعنى النشاط والرغبة والفترة والفتور عن العمل بمعنى انكسار الحدّة واللّين بعد الشدّة، وقولهم (أصابني على حال فترة..) أي في حال سكون وتقليل من العبادات والمجاهدات.
فإذا صار المرء نشيطاً في العبادة فلابد أن يكون نشاطه على ضوء سنة رسول الله فيكون معها أو ينتهي إليها، فلا تدعوه كثرة النشاط والرغبة في العبادة إلى إرتكاب البدع، بل يعمل بما ورد في سنة رسول الله وأهل بيته^ ومن فعل ذلك فقد اهتدى وعرف الصواب ومن خالف فقد ضل وكان عمله كالهباء المنثور في تباب وخسران وهلاك، وربما يكون المعنى أن يترك الشرة بالاقتصاد والاكتفاء بالسنن النبوية والولوية وترك بعض التطوعات ولا سيما المخترعات وغذا كانت من البدع فإنه يحرم ذلك، وإنما يأتي بالمستحبات والعبادات إذا أقبل القلب، فان للقلب أدبار وإقبال، فإذا أدبر فيكتفي بالفرائض والواجبات، وإذا أقبل فإنه يأتي بالمندوبات والمستحبات، ولا يكره نفسه على العبادة، بل يأتي بها بكل شوق ولذّة.
8 ـ عن الإمام الصادق أبي عبد الله× قال: لا تكرّهوا إلى أنفسكم العبادة (16)، وهذا من النهي عن الإفراط في التطوعات بحيث يكرهها النفس، ومن الطبيعي أن الله خلق الناس من تفاوت وأطواراً فإنهم يختلفون بحسب الحالات والطاقات والاستعدادات، فينبغي للإنسان المؤمن أن يكلف نفسه على العبادات بقدر وسعه وطاقته البشرية من دون إفراط وتفريط، وغلو وتقصير.
9 ـ عن أبي بصير عن أبي عبد الله× قال: مرّ بي أبي وأنا بالطواف، وأنا حدث ـ أي شاب ـ وقد اجتهدت في العبادة، فرآني وأنا أتصابّ عرقاً، أي يقطر مني العرق، فقال لي: يا جعف يا بنيّ، إنّ الله إذا أحبّ عبداً أدخله الجنّة، ورضي عنه باليسير(17).
ولا يخفى انه قد ورد بهذا المعنى أحاديث أُ×رى، وقد صدرت في حقّ الكمَلين والأوحديين من العباد الذين أحبّهم الله وأحبّوه، فيبالغون في عبادته رحباً وعشقاً ويشقّون على أنفسهم فرحاً وشوقاً إلى لقاء حبيبهم، وأما بالنسبة إلى عامة الناس ومن كان مثلنا من المقصرين في التكاليف والوظائف الدينية وفي العبادات، المحرومين عن حبّه وعشقه، فلا ينطبق مثل هذه الأخبار.
10 ـ عن الإمام الصادق اي عبد الله× قال: قال رسول الله‘: يا علي، إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المُنْبَتّ ـ يعني المفرط ـ لاظهراً ابقى ولا أرضاً قطع، فأعمل عمل من يرجو أن يموت هَرِماً، وأحذر حذر من يتخوف أن يموت غداً(18).
بيان: ورد مثل هذا الخبر النبوي الشريف أيضاً قوله×: إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً) وقد فسّر الحديث الشريف بتفسرين:
الأول: إنه في القضايا التي تتعلق بالدنيا وعمارتها فإعمل فيها كأنّك باق إلى الأبد، فعليك بالاحكام والدراسة الموضوعية والميدانية في كل أمر والتخطيط والتنفيذ الكامل، وإزرع لتأكل، وإن لم تأكل، فقد زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلوا، وهذه سنة الله في الحياة، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً، وأما الأمور التي تتعلق بآخرتك فبادر إليها سريعاً وقل ربما غداً أكون في عداد الأموات وفي خبر كان ولا أُتسعد بهذا العمل الاخروي.
والثاني: أنه في الأمور الدنيوية لا تعجل وقل لنفسك أن لم أتوفق اليوم فغداً، فإني سأعيش إلى الأبد، فلماذا العجلة والاستعجال، ومن ثم تزهد في الدنيا، وأما الأعمال التي تتعلق بآخرتك كالأمور الدينية فعجّل في إثباتها وقل عسى أن أموت غداً، وهذا يدل على تقديم الآخرة على الدنيا، لا سيما في مقام التعارض والتزاحم، إلا أن تكون دنياك آخرتك، أي تأخذ الدنيا مزرعة آخرتك ومتجر تجارتك ومسجد عبادتك، فهذا هو الفوز الأكبر والسعادة العظمى في الدنيا والآخرة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾.
فالرسول الأعظم يخاطب وليّ الله الأكرم أمير المؤمنين ليصل الخطاب النبوي الشريف إلينا ومن خلال يعسوب الدين وسيد الموحدين وإمام المتقين أسد الله وأسد رسوله أمير المؤمنين علي×، قائلاً: يا علي إن هذا الدين متين فإنه آخر الأديان السماوية وخاتمة الشرائع فهو متين في أحكامه وقوانينه وتطبيقه وكامل في رسالته ودعوته، فأوغل فيه برفق، (الايفال) بمعنى السير الشديد، والوغول بمعنى الدخول في الشيء، ومقصود النبي المصطفى‘ أنه سر في هذا الدين برفق ويسر، فإن الدين سهلة سمحة، فأبلغ الغاية القصوى منه إلّا أنه بالرفق والوطية من دون إفراط وتفريط، ولا على سبيل التهافت والخُرق، والتهور والجبن، بل بالشجاعة والفضيلة، ولا تحمل على نفسك وتكلّفها ما لا تطيق، فتعجز وتترك الدين والعمل، وهذا ما نشاهده من بعض الشباب ولا سيما من الطّلبة في العلوم الدينية في بداية مسيرتهم الحوزويّة، فمن آثر التّطرف في العبادات والمستحبات وإتعاب النّفس وإجهادها وتحميلها أكثر من طاقتها، يترك الدين والعمل والحوزة، وهذا نتيجة الإفراط، فإن المنبت، أي المفرّط قد بقي في مسيره وطريقه عاجزاً عن مقصده ولم يقَض وطره، وقد أعطب ظهره، فلا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، بل كان كحمار الطاحونة يدور حول نفسه من الصباح إلى المساء والمفروض أن يعمل عملاً وهو راح ويرجو أن يموت هرماً وفي أيام شيخوخته، كما أنه يحذر حذراً ويتخوف من أن يموت غداً فيعمل في أعمال آخرته، والمؤمن بين نورين نور الرجاء ونور الخوف، ولو وزن هذا علىهذا لم يزد وهذا عن هذا.
فلابد من الجمع بين الجدّ في العبادة وعدم الإفراط فيها.
11ـ قال أبو الحسن الإمام موسى بن جعفر× لبعض ولده: يا بنيّ عليك بالجدّ، لا تخرجنّ نفسك من حدّ التقصير في عبادة الله عز وجل وطاعته، فإن الله لا يُعبد حقّ عبادته ً(19). 
فالمفروض أن يجدّ في العبادات إلّا أنه دائماً يرى نفسه مقصراً فيها، فيعدّ نفسه مقصراً في طاعة الله وان بذل ما بذل من الجهد فيها، فإن الله سبحانه لا يمكن أيعبد حق عبادته، كما قال سيد الأولين والآخرين الرسول الأعظم محمد‘ (ما عبدناك حق عبادتك) والمفروض أن نحسن الظن بالله سبحانه، فإنه كما قال عز وجل: (أنا عند ظنّ عبدي فإن أحسن أحسنت إليه، ولابدّ من الفهم والفقاهة في عبادة الله، ولا تكون كما قال أمير المؤمنين علي×:
12 ـ قال×: المتعبّد على غير فقهٍ ـ أي فهم ـ كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح ـ أي يدور حول نفسه من الصباح إلى الليل ولم يبرح عن مكانه ولا يزال هو في نفس المكان ثم قال×: وركعتان من عالم خير من سبعين ركعة من جاهل، لأن العالم تأتيه الفتنة ـ كالشبهات والشكوك ـ فيخرج منها بعلمه، وتأتي الجاهل فينسفه نسفاً، وقليل العمل مع كثير العلم خير من كثير العمل مع قليل العلم والشك والشبهة ً(20).
هذا وكان الكلام في حديث الإمام الصادق عليه مع عنوان البصري حول حقيقة العبودية وتعريفها وبيان حدودها، وقد أشار× إلى ثلاث محاور وهي في الواقع من التعريف باللازم، أولاً: بأن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله وفوض إليه وأذن له ملكاً، بل الملك حقيقة لله سبحانه ﴿ِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾(غافر: 16).
وثانياً: يرى المال مال الله، وإنما هو مأذون من تعلم في التصرف فيه.
وثالثاً: يضعه حيث أمر الله به، ولا يحقّ له أن يتصرف فيه بما تهواه نفسه، وكيف ما يشاء من دون حساب وكتاب ولا يخفى أن هناك تعاريف أخرى للعبودية كما ورد في جملة من الروايات، وهو أيضاً أما من باب التعريف باللازم أو التعريف بالمثال أو التعريف بالمصاديق الدالة على المفهوم الكلّي.
ومن تلك الأحاديث الشريفة ما قاله أمير المؤمنين علي×.
13ـ قال×: العبودية خمسة أشياء: خلاء البطن، وقراءة القرآن، وقيام الليل، والتّضرع عند الصبح، والبكاء من خشية الله(21).
14ـ وقال الإمام الصادق×: العبودية جوهرة كنهها الربوبيّة، فما فقد من العبودية وُجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبيّة أصيب في العبودية...
وتفسير العبودية بذلّ الكلّ، وسبب ذلك منع النَّفس عما تهوي، وحملها على ما تكره، ومفتاح ذلك ترك الراحة وحبّ العزلة، وطريقة الافتقار إلى الله تعالى.
قال النبي‘: اعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وحروف العبد ثلاثة: فالعين علمه بالله، والباء بونه عمّا سواه، والدّال دنّوه من الله تعالى بلا كيف ولا حجاب.
وأصول المعاملات تقع على أربعة أوجه: معاملة الله تعالى، ومعاملة النّفس، ومعاملة الخلق، ومعاملة الدنيا، وكلّ وجه منها منقسم على سبعة أركان:
أمّا أصول معاملة الله تعالى فسبعة أشياء: أداء حقّه، وحفظ حدّه، وشكر عطائه، والرّضا بقضائه والصبر على بلائه، وتعظيم حرمته، والشوق إليه.
وأصول معاملة النّفس سبعة الجُهد، والخوف، وحمل الأذى، والرياضة، وطلب الصدق والإخلاص، وإخراجها من محبوبها، وربطها في الفقر.
وأصول معاملة الخلق سبعة: الحلم، والعفو، والتواضع، والسّخاء، والشفقة، والنّصح، والعدل، والإنصاف.
وأصول معاملة الدنيا سبعة: الرّضا بالدون، والإيثار بالموجود، وترك طلب المفقود، وبغض الكثرة، واختيار الزّهد، ومعرفة آفاتها، ورفض شهواتها مع فض الرياسة، فإذا حصلت هذه الخصال في نفس واحدة، فهو من خاصة الله وعباده المقربين وأوليائه حقاً(22).
أقول: لاشك لو أراد العلماء الأعلام شرح وبيان هذا الحديث الشريف في مفرداته ومعانيه لصار ذلك كتاباً قطوراً وسِفراً كبيراً، لما فيه من الكنوز والمعارف، إلّا أنّ المقصود الإشارة والإجمال ومن الله التوفيق والتسديد. ثم في العبادة والعبودية بعض الملاحظات كما ورد في الروايات لا بأس بالإشارة أيضاً إليها. منها ما يتعلق بأفضلية عبادة السّر على العلن.
15ـ عن عمّار الساباطي قال: قال لي أبو عبد الله×: يا عمّار، الصدفة والله في السّر أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك والله العبادة في السّر أفضل منها في العلانية(23). قال رسول الله‘: (أعظم العباد أجراً أخفاها) (24).
ومنها ما يتعلق بدوام العبادة.
16 ـ عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله× قال: كان علي بن الحسين×: يقول: إني لأحبّ أن أدوم على العمل وإن قلّ(25).
وقال أمير المؤمنين علي×: (قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه) (26).
وبهذا المعنى روايات أُخر، في بعضها فليدم عليه سنة، وذلك أنّ ليلة القدر يكون فيها(27)، فالله يرفق بعبده ومنها ما يتعلق بالعجب في العبادة، فإنه يوجب فساد العمل كما يوجب الخلّ فساد العسل ليخلّصه من العجب.
17ـ عن أبي جعفر الإمام الباقر× قال: قال رسول الله‘ قال الله تعالى: إنّ من عبادي لمَن يجتهد في عبادتي، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده، فيجتهد (فيتهجد) لي الليالي، فيتعب (فتتعب) نفسه في عبادتي، فأُضربه بالنّعاس الليلة والليلتين نظراً منّي له، وإبقاءً عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم وهو ماقت لنفسه، زارئ عليها ـ أي يعاقبها ويعيبها ـ ولو أُخلّي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله، ورضاه عن نفسه، حتى يظنَ أنه قد فاق العابدين، وحاز في عبادته حدّ التّقصير، فيتباعد مني عند ذلك، وهو يظن أنّه يتقرّب إليّ (28).
ومنها ما يتعلق شروط العبادة وصحّتها وقبولها كالإيمان بالإمامة والولاية التي أوجبها الله على عباده.
18ـ عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر× يقول: كلّ من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانئ لأعماله... وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق ـ كما ورد مثل هذا المعنى لمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية ميتة كفر ونفاق وضلال.
واعلم يا محمد، أنّ أئمة الجور وأتباعهم لمعزلون عن دين الله ـ بل دينهم من دين الشيطان والدين بمعنى الطريقة ـ قد ضلوا وأضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد.
وبهذا المضمون أخبار كثيرة في باب الولاية والإمامة كما هو مذكور في محلّه.
ومنها ما يتعلق بكمال الانقطاع على الله سبحانه في كمال العبودية والعبادة.
19ـ قال الإمام الباقر×: لا يكون العبد عابداً لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كلّهم إليه، فحينئذٍ يقول هذا خالص لي فيقبله بكرمه(29).
ومنها ما يتعلق بحسب الطاقة والاقتصاد في العبادة.
20ـ في وصية أمير المؤمنين علي× عند وفاته: واقتصد يا بنيّ في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالأمر الدائم الذي تطيقه.
ومنها ما يتعلق باليقين وهو من العلم بالعلم ولا يلقاه إلّا ذو حظ عظيم.
21ـ عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله× قال: العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين(30)، وفي هذا المعنى أخبار كثيرة في بعضها: (لا عبادة إلّا بيقين).
ومنها ما يتعلق بفهم العبادة والتفقه والمعرفة فيها:
22ـ في مواعظ الإمام السجاد×: (... ولا عمل إلّا بنيّة، ولا عبادة إلّا بتفقه...) (31)، وقال أمير المؤمنين×: (ولا خير في عبادة ليس فيها تفّقه) وقال×: (سكنّوا في أنفسكم معرفة ما تعبدون حتى ينفعكم ما تحرّكون من الجوارح بعبادة من تعرفون) (32).
ومنها ما يتعلق بالعلم والتواضع:
23ـ عن الإمام الصادق× قال: أفضل العبادة العلم بالله والتواضع له (33).
24ـ وقال الإمام الرضا×: أوّل عبادة الله تعالى معرفته، وأصل معرفة الله توحيده.
25 ـ وقال أمير المؤمنين علي×: السعادة التّامّة بالعلم، والسعادة الناقصة بالزهد، 
لعبادة من غير علم ولا زهادة تعب الجسد(34).
أخيراً وليس بآخر لا بأس ان أذكر جملة من غرر حكيم أمير المؤمنين علي× في العبادة بصورة عامة.
24ـ قال × في غرر حِكَمه: (أوّل العبادة انتظار الفرج بالصبر) (العبادة فوز) (التفكر في ملكوت السموات والأرض عبادة المخلصين) (العبادة الخالصة أن لا يرجو الرجل إلا ربّه، ولا يخاف إلا ذنبه) (أفضل العبادة الزهادة) (أفضل العبادة غلبة العادة) (أفضل العبادة الفكر) (أفضل العبادة عفة البطن والفرج) (أعلى العبادة إخلاص العمل) (إذا أحبّ الله عبداً ألهمه حُسن العبادة) (ثمرة العلم العبادة) (فأدع نفسك في العبادة، وارفق بها وخذ عفوها ونشاطها إلّا ما كان مكتوباً من الفريضة، فإنه لابدّ من أدائها) (ربّ متنسك لا دين له) (زين العبادة الخشوع) (غض الطرف عن محارم الله أفضل العبادة) (في الإنفراد لعبادة الله كنوز الأرياح) (كيف يجد لذّة العبادة من لا يصوم عن الهدى) (ما تقرب متقّرب بمثل عبادة الله) (لا عبادة كالتفكّر) (لا عبادة كالصمت).
هذا غيض من فيض في حقيقة العبودية والعبادة، والبحث والدراسات المتنوّعة، ومن جهات مختلفة في هذا الباب كثيرة جداً، لم نتعرض لها طلباً للإختصار، والمقصود بيان إشراقات من العلم القلبي على ضوء شرح حديث عنوان البصري والله المستعان والحمد لله رب العالمين.
الفصل الثامن
أُطلب في نفسك أولاً...
قال×: (فإن أردت العلم فأطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم بإستعماله، ثم إستفهم إليه يفهمك).
أقول: في هذه العبارة الصادقیة، إشارة إلى مراتب طلب العلم القلبي النافع في الدين والدنيا والآخرة، والذي يصون العلم العقلي من آثاره السلبيّة والنارية الحارقة والهالكة، كالكبر والتّكبر والغرور والعجب، وتدمير الإعمار وتخريب البلاد، وقتل الأبرياء والإجحاف في الحقوق،  والظلم والتّعدي وتحطيم الحرية الإنسانية، وتحكيم الحرية الحيوانية والسبعيّة، والضلال والكفر والشرك والنّفاق،  كما فيها إشارة إلى أن المفروض من طالب الحقيقة أن يبدء بنفسه أوّلاً، ويطلب العلم من داخله الذي جعل الله سبحانه العلم الحقيقي وديعة في فطرته الموحدة وعقله السليم.
وهنا سؤال مهم جدّاً:
فمن أين نبدء بطلب العلم النوري الإلهي؟ فإن العلم الظاهري المتعلّق بالعقل، والذي سميناه بالعلم العقلي، بمعناه العام الذي يقابل العلم القلبي، إنما يتكوّن بدايته بالتّعليم والقراءة والكتابة والدّراسة، وهي متوقفة على تعلم الحروف والكلمات والقراءة والكتابة، فلابدّ أولاً من محو الأميّة، ثم التدرّج في الدّرس، من الصفوف الأولى كما في المدارس الأكاديمية من المرحلة الإبتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية ثم الكلية والجامعات في عصرنا الحاضر، وكذلك في العلوم الحوزوية من دراسة الكتب الدرسية واحدة تلو الأخرى، من المقدمات والسطوح ودروس الخارج في الفقه والأصول، فلابدّ من حضور الدرس والتعلّم من الأستاذ والمعلّم، فإن هذا العلم، إنّما يكون بالكسب والجُهد بما في الخارج، وإن كان قواعده وأساسه في داخل النفس، كما عند أفلاطون من القول بالمثُل ووجود اُصول العلوم في نفس الإنسان، إلّا أن إثارتها وإستخراج دفائنها، إنّما يكون بعوامل من الخارج.
وأمّا العلم القلبي، فإنه يطلب من داخل الإنسان، ومن وعاء القلب بإلهام من الله فيه، فإنه نور يُقذف، ويجعل في القلب الطاهر والخالص من الريب والشّك والشّرك والنّفاق والرّذائل الأخلاقية والصّفات المذمومة.
فالإمام الصادق× يذكر لتحصيل العلم القلبي والتحلّي به شروطاً ثلاثة، بمنزلة محاور ثلاثة، لبيان وبسط الموضوع.
الأول: حقيقة العبودية.
الثاني: طلب العلم بإستعماله، أي مقارنة العلم مع العمل.
الثالث: الاستفهام ـ أي طلب الفهم ـ والفهم هو ما وراء العلم، كبواطن الظواهر، وأسرار الممكنات، ومعرفة حقائق الأشياء، ورؤيتها بالبصيرة والرؤية القلبيّة الشهودیّة، فالفهم من الحكمة، والحكمة من الخير الكثير،  وهو ما وراء العلم من معرفة الحقائق وكشف الأسرار، فيستفهم الله في علمه الحقيقي القلبي الذي يبتني على حقيقة العبودية، وذلك بعد علمه العقلي الكسبي الذي يحصل عليه بالتعلّم من الخارج، فإنه بحكم المقدمة التحصيلية لذي المقدمة، فلابدّ من بذل الجهد والنفيس في طلب العلم القلبي كذلك.
فمن يستفهم الله يفهمه ويزيده حكمةً﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ فيكشف من معلوماته المخزونة المجهولات، ويقرء المستقبل المجهول بما عنده من العلم القلبي الحضوري النوري الشهودي والكشفي، ويأتي بشيء جديد ومبدع، ويتولّد العلم عنده، بما يفاض عليه من الفيّاض المطلق جلّ جلاله. ومن غیب الغیب أشار إلیه بـ(هو) ولا یعلم ما هو إلا هو جل جلاله وإن (هو) من منطقة الإسم الأعظم کما هو معلوم عند أهله.
إنّ تسلسل الموضوع وإن كان يقتضي البحث أولاً عن حقيقة العبودية، إلّا أنه نقدم المحور الثاني لاختصاره، ومن الله التوفيق والتسديد:
مقارنة العلم مع العمل: 
لاشك إنّ العلم النافع الحسن ما كان مقروناً بالعمل، فإنّ العلم بلا عمل كليلة بلا قمر، يوجب السير في الظلمات، وكشجرة بلا ثمر عاقبتها الحطب للنّار، فإستعمال العلم يؤثر في تثبيته وزيادته ونموه ورشده، كما يجري هذا الأمر في جميع القوى الباطنة والظاهرة، فإن الحواس الخمس الباطنية كالحس المشترك والحافظة والذاكرة والمتصرفة والعقلية،  تصير رخوة وضعيفة، إذا تركت وحالها، ولم تستعمل ولم تشحذ على الدوام، فإنها تكون كالسكينة فلو لم يشخدها لأصابها الرّين والزنجار، فلا تقطع جيداً، فلابدّ من الشّحذ وتقوية ذلك بالاستعمال وعلم الرياضيات،  كالعضلات في جسم الإنسان، ومن ثم الإصرار على التمارين الرياضية في سلامة الجسم وصحته وقوّته وإبراز عضلاته، وكذلك الأمر في قوتي الشهوة والغضب، ومن هذا المنطلق تتوقّف الرياضيات البدنيّة والروحية والشرعية على التدّاوم والتكرار وكثرة الاستعمال، والإدامة في الشيء يورث العادة مطلقاً سواء أكان في الشّر كشرب الدخان (السيكار) أو الخير، فان الخير عادة والشّر عادة، فيقوی ويثبت الشيء بتكرار إستعماله، ويصعب حينئذ تركه، سواء في الطاعات أو المعاصي، ويصل الأمر فيها إلى مرحلة يقال عنها (العادات طبائع ثانوية) و(ترك العادة يوجب المرض) فيصعب الاحترار عنها أو تركها، سواء في القضايا الإيجابية أو السلبية.
ومن الإيجابيات ما ورد بلغة شديدة اللّهجة لمن لم يتعلّم، وكذلك من تعلّم ولم يستعمل علمه، فقد ورد في النصوص الدينية ذمّ علماء السّوء وتقبيحهم، وأعدّ الله لهم العذاب والنّار.
1 ـ في البحار: جاء رجل إلى الإمام علي بن الحسين× فسأله عن مسائل، ثم عاد ليسئل عن مثلها، فقال×:
مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعملون، ولمّا عملتم بما علمتم، فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد من الله إلّا بُعداً) (35).
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2 و3).
2 ـ الكافي بسنده عن سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين× يقول: قال النبي‘: العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النّار ليتأذَون من ريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النّار ندامة وحسرةً رجل دعا عبداً إلى الله فإستجاب له،  وقبل منه،  فأطاع الله فأدخله الله الجنّة، وأدخل الداعي النّار بتركه علمه، وأتّباعه الهوى وطول الأمل، أمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وطول الأمل يُنسي الآخرة(36).
3ـ قال أبو عبد الله الصادق×: العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه، وإلّا ارتحل عنه (37).
4ـ وقال×: إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلّت موعظته عن القلوب كما يّزلّ المطر عن الصفا. (الصخرة) (38).
5 ـ قال أمير المؤمنين× في خطبة له: أيّها الناس، إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون، إنّ العالم العامل بغيره ـ بغير علمه ـ كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رايت أنّ الحجة عليهم أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه منها علی هذا الجاهل المتحيّر في جهله، وكلاهما حائر بائر ـ هالك ـ لا ترتابوا فتشكوّا، ولا تشكو فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحقّ فتخسروا، وإنّ من الحقّ أن تفقّهوا، ومن الفقه أن لا تغتّروا، وإنّ أنصحكم لنفسه أطوعكم لربّه، وأغشكم لنفسه أعصاكم لربّه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يحبْ ويَنَدم(39).
في مرآة العقول (1:145) في بيان (لا ترخّصوا لأنفسكم) أمر الإطاعة والعصيان، ولا تخفّفوا عليها من الحقوق، فتقعوا في المداهنة في أمر الدين، والمساهلة في باب الحق واليقين، فتكونوا من الخاسرين، أو لا ترخّصوا لأنفسكم في إرتكاب المكروهات وترك المسنونات، والتوسّع في المباحات، فإنه طرق إلى المحرمات، ويؤيده بعض الروايات(40).
6 ـ عن أمير المؤمنين× والإمام الصادق×: قطع ظهري (قصم ظهري) إثنان: عالم متهتك، وجاهل متنسّك، هذا يصدّ الناس عن علمه بتهتّكه، وهذا يصدّ الناس عن نسكه بجهله(41).
7ـ قال النبي الأعظم‘: أوحى الله إلى بعض أنبياءه: قل للذين يتفقّهون لغير الدين، ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا لغير الآخرة، يلبسون للناس مُسُوك الكبائش ـ مسوك جمع المسك وهي الجلد ـ وقلوبهم كقلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم أمرّ من الصبر: إيّاي يخادعون؟ وبي يستهزؤون؟ لأتيحنّ لهم فتنة تذر الحكيم حيراناً (42).
8ـ عن أبي الحسن الرضا عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين ^ أنّه قال: الدنيا كلّها جهل إلّا مواضع العلم، والعلم كلّه حُجّة إلّا ما عمل به، والعمل كلّه رياء،  إلّا ما كان مخلصاً، والإخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له(43).
9 ـ عن إبن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد÷ وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾؟ فقال: إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدي أكنت عالماً؟ فإن قال: نعم قال له: أفلا عملت بما علمت؟
وإن قال: كنت جاهلاً، قال له: أفلا تعلّمت حتى تعمل؟ فيخُصم فتلك الحجّة البالغة(44).
10ـ قال الصادق×: من عمل بما علم كفي ما لم يعلم(45).
11ـ قال النبي الأكرم‘: نعوذ بالله من علم لا ينفع، وهو العلم الذي يضادّ العمل بالإخلاص، واعلم أنّ قليل العمل يحتاج إلى كثير العمل، لأن علم ساعة يلزم صاحبه استعماله طول عمره (46).
12ـ قال رسول الله‘: كلّ علم وبال على صاحبه إلّا من عمل به(47).
13ـ وقال‘: أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه.
14ـ في وصايا الإمام الباقر×: من عمل بما يعلم، علّمه الله ما لم يعلم.
15ـ قال أمير المؤمنين في غرر حِكَمَه: (العلم بالعمل) (العلم رشد لِمَن عَمل به) (العلم كلّه حجّة إلّا ما عُمل به) (العلم بغير عمَل وبال والعمل بغير علم ضلال) (العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل) (أنفع العلم ما عمل به) (غاية العلم حسن العمل).
16- عن حفص بن غیاث قال: قال لي أبوعبدالله× من تعلّم العلم وعمل به و علّم لله دعي في ملکوت السماوات عظیماً فقیل تعلّم لله و عمل لله و علّم لله. 
هذا غيض من فيض في مقارنة العلم بالعمل.
(الهوامش)
1. زهر الربيع: 211.
2. الأداب المعنوية للصلاة: 10.
3. مصباح الشريعة:.
4. الكافي: 1: 352.
5. نهج البلاغة: خطبة المتقين.
6. مفاتيح الجنان: أعمال شعبان ـ المناجاة الشعبانية.
7. الآداب المعنوية للصلاة: 33.
8. الكافي: 2: 67 باب العبادة ح1.
9. ينابيع الحكمة: 4: 78 عن المحقق الطوسي في الأخلاق الناصرية.
10. الكافي: 2: 68 ح2.
11. الكافي: 2: 68 ح4. 
12. الكافي: 2:68 ح5.
13. الوسائل: 1: 62.
14. الكافي: 2: 68 ح7.
15. الكافي: 2: 69.
16. الكافي: 2: 70 باب الاقتصاد في العبادة ح2.
17. الكافي: 2: 70 ح4.
18. الكافي: 2: 71 ح6.
19. الكافي: 2:  59 باب الاعتراف بالتقصير ح1.
20. الكافي: 1: 208 باب العمل بغير علم ح10.
21. جامع الاخبار: 198.
22. مصباح الشريعة: 66 ب100.
23. الوسائل: 1: 77.
24. ينابيع الحكمة: 4: 83.
25. الوسائل: 1: 94.
26. نهج البلاغة: ح436.
27. البحار: 70: 251 باب العبادة والاختفاء فيها ح1.
28. الوسائل: 1: 98 ـ الكافي: 2: باب الرضا بالقضاء ح4.
29. البحار: 70: 111 باب العُزلة ح14.
30. البحار: 71: 214 ح10.
31. البحار: 78 ص148 و138.
32. البحار: 78: 63.
33. البحار: 78: 247.
34. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 20: 307.
35. الكافي: 1: 35 ح4.
36. الكافي: 1: 35 ح1.
37. الكافي: 1: 35 ح2).
38. الكافي: 1: 35).
39. الكافي: 1: 36).
40. ينابيع الحكمة: 4: 215.
41. البحار: 10: 208 ب من العلم ح8).
42. البحار: 1: 224.
43. البحار: 2: 29.
44. البحار: 2: 29.
45. البحار: 2: 30.
46. البحار: 2: 32.
47. البحار: 2: 38.

ارسال الأسئلة