مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي


لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟
بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
ماجستير في التاريخ الاسلامي
بسم الله الرحمن الرحیم
تمهيد
تتباين الدوافع نحو دراسة التاريخ الإسلامي عموماً، وتاريخ أهل البيت وسيرتهم بصورةٍ خاصة، فالبعض لا يدرس السيرة إلا لأجل المتعة في التنقل بين أحداثها و قصصها، والتي غالباً ما تكون حافلةً بالإثارة والتسلية والإعجاب، بينما يدرسها البعض كحقبةٍ زمنيةٍ مضت وتصرَّمت، ولم يَعُد لها تأثيرٌ على صياغة الحاضر، أو يكون لها دورٌ في بناء المستقبل، في حين أنَّ هناك صنفاً ثالثاً يدرسها بدافع المحبة والعشق في دراسة سير العظماء والأبطال، وبين هذه الاتجاهات الثلاثة فقدت السيرة روحها، وانفصلت عن عطائها، ولم يك هنالك ـ بناءً على هذه القراءات القاصرة ـ فرق بينها وبين الأساطير التي تُغلَّف بكلمات جميلة وصياغةٍ أنيقة، وهي لا تعدو أن تكون خيالاً ساحراً.
بيد أننا بحاجة إلى دراسة السيرة بدافع الطموح بغية الاستفادة من تعثُّر المسيرة الإسلامية بعد رحيل النبي الأكرم|، والتي أدَّت بالفرد المسلم أن يكون تابعاً بعد أن كان متبوعاً، وضعيفاً خانعاً بعد أن كان قوياً شامخاً؛ على مستوى الفكر والعقيدة والعطاء والانجازات.
من هنا نحن بحاجة إلى بعض الدوافع المثمرة والبنَّاءة لدراسة سيرة أهل البيت^، وما هذا المقال إلا خطوة قاصرة لبيان بعض الدوافع التي ينبغي أن تكون في سُلَّم أهداف المسلم عند دراسة سيرتهم^:
الدافع الأول: معرفة الممثل الحقيقي للدين
لقد مرَّ المسلمون بعد رحيل النبي الأكرم| بانتكاساتٍ عديدة، ألقتْ بظلالها على الأمة الإسلامية، ومُني المسلمون بزعاماتٍ لا تمتلك الأهلية لتمثيل الإسلام، فاختلفتْ الآراء، ونشأت الفرق، وتعددت الطوائف. كلٌّ يدَّعي الحقَّ ويرمي غيره بالزندقة والخروج عن الدين، وقد ألمح النبيُّ| إلى ذلك قبل رحيله، وحذَّر الأمة من عواقبه، فتارةً يقول ـ محذراً من الافتراق ـ: (ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، وإنَّ بني إسرائيل تفرَّقت على اثنين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّهم في النار إلا فرقة واحدة)().
وأخرى يحذّرهم من خطورة بعض الشخصيات الانتهازية، التي تريد العودة بالإسلام إلى الجاهلية الأولى، فيقول: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه).

من هنا أصبح الفردُ المسلمُ بأمسِّ الحاجة إلى معرفة الممثّل الحقيقي للدين، والذي يكون ملاذاً آمناً يدرأ عن الأمة أخطار الفتن والانحراف، وكهفاً حصيناً يقيها من أعاصير الكفر والزندقة. ولا شك في أنَّ الدراسة الواعية والمعمَّقة لسيرة أهل البيت^ تؤكّد أنَّهم الفُلْك الجارية في اللجج الغامرة، وأنَّهم مصابيح الدجى وأعلام الهدى، وقد أكَّد ذلك المنحرفون عنهم قبلَ أتباعِهِم وأنصارِهِم، ففي الحديث أنَّ الحسنَ بنَ الحسنِ البصري كتبَ إلى الإمامِ الحسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب‘: مِن الحسنِ البصري إلى الحسنِ بنِ رسول الله|: أمَّا بعدُ، فإنَّكم معاشر بني هاشم الفلكُ الجارية في اللُّجَجِ الغامرة، ومصابيحُ الدُّجى، وأعلامُ الهدى، والأئمةُ القادةُ، الذين من اتَّبَعَهُم نَجا، والسفينةُ التي يؤولُ إليها المؤمنون، وينجو فيها المتمسكونَ، قد كَثُرَ يا ابن رسولِ الله| عندنا الكلامُ في القدر، واختلافُنا في الاستطاعة، فتعلمنا ما نرى عليه رأيك ورأي آبائك، فإنَّكم ذريةٌ، بعضُها من بعض، مِن علمِ الله عُلّمتُم، وهو الشاهدُ عليكم، وأنتم شهداءٌ على الناس، والسلام)، فأجابه الحسنُ بنُ عليٍّ‘: مِن الحسنِ بنِ عليٍّ إلى الحسنِ البصري: أمَّا بَعد، فقد انتهى إليَّ كتابُك عند حَيرتِك وحَيرةِ مَنْ زَعمتَ من أمَّتنا، وكيفَ ترجعونَ إلينا، وأنتم بالقولِ دونَ العمل، واعلم أنَّه لولا ما تَناهى إليَّ مِن حَيرتِك وحيرةِ الأمة قَبلك، لأمسكتُ عن الجواب، ولكنّي النَّاصح ابن الناصح الأمين، والذي أنا عليه: انَّه مَنْ لم يؤمنْ بالقَدر خيره وشره فقد كفر، ومن حَملَ المعاصي على الله عزَّ وجلَّ فقد فَجَرَ، إنَّ الله تعالى لا يُطاع بإكراه، ولا يُعصى بِغَلَبَةٍ، ولم يهملْ العبادَ سُدى من المملكة، ولكنَّه عزَّ وجلَّ المالكُ لما ملَّكهم والقادر)(). 

فهم الممثلون للدين، الأمناء على الوحي، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي، (بأبي أنتم وأمي ونفسي، بِمُوالاتِكم علَّمنا اللهُ معالمَ ديننا، وأصلحَ ما كانَ فَسدَ من دُنيانا، وبِموالاتِكم تَمَّتْ الكلمةُ، وَعَظُمَتْ النّعمةُ، وائتلفتْ الفِرقةُ)(). 
ومما يناسب المقام ما روي من أنَّ المأمونُ كان يساير الإمامَ الرضا×، ذات يومٍ، فقال له: يا أبا الحسن، إنّي فكَّرتُ في شيءٍ فسنحَ لي الفكرُ الصوابَ فيه، فَكَّرتُ في أمرنا وأمركم ونسبنا ونسبِكم، فوجدتُ الفضيلةَ فيه واحدةُ، ورأيتُ اختلافَ شيعتِنا في ذلك محمولاً على الهَوى والعصبية، فقالَ له أبو الحسن الرضا×: إنَّ لهذا الكلامِ جواباً، إنْ شئتَ ذكرتُهُ لك، وإنْ شئتَ أمسكتُ، فقالَ له المأمونُ: لم أقله إلا لأعلم ما عندك فيه، فقال الرضا×: أنشدك اللهَ يا أميرَ المؤمنينَ، لو أنَّ اللهَ تعالى بَعَثَ نبيَّهُ محمداً|، فخرجَ علينا من وراءِ أكمة مِن هذه الآكام، فخطبَ إليكَ ابنَتَكَ لكنت مزوِّجُهُ إيَّاها؟ فقال: يا سبحان الله، وهل أحدٌ يرغبُ عن رسولِ الله|؟ فقال له الرضا×: أفَتَرَاهُ كان يحلُّ له أنْ يخطبَ ابنتي؟ فسكتَ المأمونُ هنيئةً، ثم قال: أنتم واللهِ أمسُّ برسول الله| رَحِمَاً(). فأهل البيت^ هم الوريث الحقيقي للنبي| وهم الممثل الحصري للدين الحنيف. شهد بذلك المخالفون قبل الموالفين، وهذا ما يمكن التوصُّل إليه عبر الدراسة الواعية لسيرتهم^.
الدافع الثاني: معرفة المكانة الحقيقية لأهل البيت^
إنَّ لسيرة أهل البيت^ بعدين: أحدهما تاريخيٌّ محضٌ وقد مضى عصرُهُ، وتصَرَّمتْ أيامُهُ، والآخر بُعدٌ دينيٌّ باقٍ أثرُهُ ببقاءِ الحاجةِ إلى الدين والشريعة، فبناءً على الأدلة القطعية على خلافتهم، وثبوت إمامتهم بالقطع واليقين، فيكون الأئمة^ بالإضافة إلى كونهم زعماء الأمة في تلك العصور، فهم المرجِع الذي يُلتجئ إليه في رفعِ المشاكل التي خلَّفها الفراغُ الناجمُ عن رحلة النبي|، فيجب على المسلم الدارس لسيرتهم، الرجوعُ إلى آرائهم فيما حدثَ في تلك الفترةِ من اختلافٍ في المناهجِ والرؤى، وفي تفسير القرآن وتبيينه، وفي مجال الموضوعات المستجدة، والتي لم يرد فيها نصُّ من الكتابِ والسنةِ. فليس دراسة سيرتهم محصورة في البعد التاريخي فحسب.
بالإضافة إلى ذلك فالمسلمون ـ بعد رحيل النبي| ـ مطالَبون بمعرفة المرجع العلمي للأمة، في مسائلها ومشاكلها الفقهية، والعقائدية، والاجتماعية والسياسية وغيرها، ليكون بمثابة الضمانة من الانزلاق والضلال، ولا شك في أنَّ النبي الأكرم| نصَّب من يقوم بهذه المهمة من بعده.
وأيضاً مما يُمكن استفادتُهُ من دراسة ما يتعلق بسيرتهم^، تأكيدُ النبي| على مرجعيتهم الدينية، وراء الزعامة السياسية المحددة بحديث الثقلين المتواتر عند الفريقين والمنقول عن نيف وعشرين صحابياً، والذي رواه أصحابُ الصحاح والمسانيد السنية عن النبي الأكرم| أنَّه قال: (يا أيُّها الناس، إنّي قد تركتُ فيكُمْ مَا إنْ أخذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعدِي، الثَّقَْلَين، أحدُهُما أكبرُ من الآخر، كتابَ اللهِ حبل ممدود من السَّماءِ إلى الأرضِ، وعترَتِي أهل بيتي، ألا وإنَّهما لن يَفْتَرِقَا حتَّى يَردا عَليَّ الحَوْض)().
والنتيجة إنَّ دراسةَ سيرتهم دراسةً حقيقيةً مُعَمَّقة، وما يتعلق بها من أحداث، توصلنا إلى معرفة المكانة الحقيقية لأهل البيت^، وأنَّهم المرجعُ الديني والعلمي للأمة بعد النبي|، بالإضافة إلى كونهم الضمانة الحقيقية من الانحراف والضلال. وهذا لا ينحصر بحقبةٍ زمنيةٍ معينةٍ، ولا يتأطَّر بإطارٍ زماني أو مكاني محدد، فلا مناص للإنسان عنه في كل أدوار حياته.

الدافع الثالث:الوقوف على معالم الدين:
كما أنَّ القرآنَ الكريمَ يمثلُ الجانبَ النظري للشريعةِ السماويةِ المقدسةِ فإنَّ سيرةَ أهلِ البيتِ^ تمثلُ الجانبَ التطبيقي لها والتجسيدَ العملي لمفاهيمها ومبادئها، وعليه فمن الممتنعِ جداً الوقوفُ على حقيقةِ الشريعةِ المقدسةِ ومعرفتها معرفةً حقيقيةً دونَ التَّمعُّن والتَّدبر في سيرةِ الممثّلينَ الحقيقيينَ لها، فهم العينُ الصافية التي من استقى منها رجع ريَّاً رويَّاً، والذي يؤيد ذلك ما رواه جماعة من العلماء: أنَّ الحجاجَ بنَ يوسفِ الثَّقَفي كتبَ إلى الحسنِ البصري وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصلِ بنِ عطاء وإلى عامرِ الشّعبي، أنْ يذكُروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاءِ والقدرِ، فكتب إليه الحسنُ البصري: إنَّ أحسنَ ما سمعتُ من أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالب× أنَّه قال: (يا بنَ آدم، أتظنَّ أنَّ الذي نهاكَ دهاك، وإنَّما دهاكَ أسفلُك وأعلاك، والله بريءٌ من ذلك). وكتب إليه عمرو بنُ عبيد: (أحسنُ ما سمعتُ في القضاءِ والقدرِ قولُ عليِّ بنِ أبي طالب×: (لو كانَ الوِزرُ في الأصلِ محتوماً كان الموزورُ في القِصاصِ مَظلوماً). وكتب إليه واصلُ بنُ عطاء: (أحسنُ ما سمعتُ في القضاءِ والقدرِ قولُ أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالب× أنَّه قال: (أيدلُّكَ على الطريقِ ويأخذُ عليك المضيق؟). وكتب إليه الشّعبي: (أحسنُ ما سمعتُ في القضاءِ والقدرِ قولُ أميرِ المؤمنينَ عليِّ بنِ أبي طالب× أنَّه قال: (كل ما استغفرتَ اللهَ تعالى منه فهو مِنك، وكل ما حمدتَ الله تعالى فهو منه)، فلمَّا وصلتْ كتُبُهم إلى الحجاجِ، ووقفَ عليها، قال: لقد أخذوها من عينٍ صافيةٍ(). 
وفي حكايةٍ أخرى أوردها المفسرون، عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: انَّ آيةً في كتابِ اللهِ قد أعيتني، فقلت: أيُّها الأمير، أيَّةُ آيةٍ هي؟ فقال: قوله (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)()، والله إنّي لآمرُ باليهودي والنصراني فيُضربْ عُنُقُهُ ثم أرمقه بعينيَّ فما أراهُ يُحرِّكُ شفتَيه حتى يَخمد، فقلت: أصلحَ اللهُ الأميرَ، ليس على ما تأوَّلتَ، قال: كيفَ هو؟ قلت: إنَّ عيسى ينزلُ قبلَ يومِ القيامةِ إلى الدُّنيا، فلا يبقى أهلُ ملةٍ ـ يهودي ولا نصراني ـ إلا آمنَ به قبلَ موتِهِ ويُصلّي خلفَ المهدي، قال: ويحَكَ أنَّى لك هذا، ومن أين جئت به؟! فقلتُ: حدَّثني به محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب^، فقال: جئتَ بها واللهِ من عينٍ صافيةٍ().
فالأحرى بكل مسلمٍ أن يستصبحَ من شُعلةِ مصباحِهِم الواضحةِ، ويغترفَ من عينِ علومِهِم الصافيةِ، ويركبَ سفينةَ ولائِهِم النَّاجيةِ، ويَرِدَ منهلَ مكارمِهِم العَذِبِ، وكلُّ ذلك موقوفٌ على المعرفة، فلا بد من دراسة سيرتهم لمعرفة حقائق الدين عنهم.
الدافع الرابع: الاقتداء والتأسي:
إنَّ من أهمِّ المناهج التربويةِ الأساسيةِ التي أكَّد عليها الإسلام هو منهج الاقتداء والتأسّي، (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)()، ومن الملاحَظ أنَّ الهدايةَ في ـ كثيرٍ من الأحيان ـ لا تتحققُ بمجردِ إعطاءِ المفاهيمِ والأفكارِ والنظرياتِ، وإنِّما تُشَكّلُ القدوةُ الحسنةُ عُنصراً أساسياً في عملية البناء الروحي والتكامل النفسي، على الصعيد الفردي والاجتماعي، فالله سبحانه عندما يريدُ تحديدَ معنى الصراطِ المستقيمِ الذي يضمنُ للبشريةِ الوصولَ إلى السعادةِ الأبديَّةِ والرَّاحةِ السَّرمديةِ، يقول: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ)()، فَيُحَدِّده من خِلالِ هؤلاء القدوةِ الذين أنعمَ اللهُ عليهم، والذي يشاهد الإنسان مصاديقهم في مختلف الأدوار.
إنَّ دور القدوة الحسنة يأتي مكملاً لدور المفاهيم والأفكار في عملية تربية الإنسان وتكامله، وعلى هذا الأساس نجد أنَّ أساليب الأئمة^ في تربية الناس لم تقتصر على طرح الآيات والمفاهيم والأفكار والمواعظ، بل بسلوكهم الذي كان تطبيقاً عملياً لتلك الأفكار، وتجسيداً واقعياً لتلك المفاهيم، ونظراً لدور القدوة المحوري في التربية اهتم النبي| بالأمر بالاقتداء بهم، والتدبُّر بمواقفهم، والتمُّعن في أساليب تعاملهم مع الناس، لاستخلاص الدروس، وتجسيد تلك المسيرة واستنساخها في الواقع العملي للإنسان المسلم، ذلك لأنَّ (القدوة الحسنة والمثال الفعلي ـ أي التأثير دون إقناع منطقي ـ تقوم بدورٍ كبيرٍ في تكوينِ الاتجاهات. فالأفعالُ أعلى صوتاً من الأقوالِ، وإيحاءُ السلوكِ أقوى من إيحاءِ الألفاظ)().
والذي مكَّن أهلَ البيت^ من اجتذابِ الناسِ، وامتلاك أزمَّةَ قلوبِهم، ومفاتيحَ عقولِهِم،كونهم المثال الأعلى للقدوةِ الحسنةِ والسلوكِ السوي، خصوصاً وأنَّ الناس ـ عادة ـ لا تتأثر بلسانِ المقالِ، بقدرِ ما تتأثر بلسان الحال والأفعال.
ونحن نذكر بعض النماذج ـ على سبيل المثال، ومن ميادين مختلفة ـ ترك أهل البيت^ بصماتهم فيها كقدوة حسنة، لنستكشف منها أهمية القدوة في حياة الإنسان، وأنَّها من أهمِّ الدوافع وراء دراسة السيرة:
في ميدان البر بالوالدين:
من أبرز الميادين التي تتجسد فيها سيرة أهل البيت^ كنموذجٍ مثالي يُقتدى به، هو طبيعة العلاقة مع الوالدين، إذ نرى أنَّ الإمام زين العابدين×، اشتهر عنه أنَّه كان يأبى أنْ يؤاكلَ أمَّهُ، فأثار هذا الموقف انتباه أصحابِ الإمام والمحيطين به، وسألوه باستغراب: إنَّك أبرّ الناس وأوصلهم للرَّحم، فكيف لا تُؤاكلُ أمَّك؟! فقال×: (إنّي أكره أنْ تَسبقَ يدي إلى ما سبقتْ إليه عينُها، فأكون قد عققتُها)(). فهذا الموقف الكبير بمغزاه، والذي يستحق الإعجاب والتقدير، يكشف عن العمق السلوكي لأهل البيت^، كما يُعطي درساً لا يُنسى في وجوبِ رعايةِ حقوقِ الوالدين، ولابدَّ لمن يطالع سيرتهم أو يدرسها أن يستوحي ـ عن بعد ـ ما يحمله هذا الفعل من معان جليلة، وأهداف سامية، ورسالة كبيرة في ميدان الخُلُق والأدب.
في ميدان صلة الأرحام:
وفي ميدانِ صلةِ الأرحامِ ضرب الأئمة^ المثلَ الأعلى في القدوة الحسنة، فعن سالمة مولاة أبي عبد الله× قالت: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد‘، حين حضرته الوفاةُ، وقد أغميَ عليه، فلمَّا أفاقَ، قال: (أُعطوا الحسنَ بنَ عليِّ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ ـ وهو الأفطسُ ـ سبعينَ ديناراً، وأعط فلاناً كذا، وفلاناً كذا، فقلتُ: أتُعطي رجلاً حملَ عليكَ بالشَّفرةِ، يُريدُ أنْ يقتلك؟ قال: تُريدينَ أنْ لا أكونَ من الذين قال الله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ)()، نعم يا سالمة، إنَّ اللهَ خلقَ الجنةَ فطيَّبها وطيَّبَ ريحَها، وإنَّ ريحَها ليوجد من مسيرةِ ألفي عام، ولا يجدُ ريحَها عاقٌّ ولا قاطعُ رَحم)().
وقد سبقه الإمام زين العابدين× إذ كان يطوفُ على بيوتِ ذوي الحاجةِ والمسكنةِ من أهلِ المدينةِ، فيجود عليهم من عطائه، ويسبغ عليهم من كرمه، وكان فيهم رجلٌ من ذوي رَحِمه، مُبغضاً له، فكلَّما ناوله شيئاً، يقول: لكن عليَ بنَ الحسين لا يواصلني، لا جزاه الله عنّي خيراًً، وهو لا يعرفه؛ لأنَّ الإمام كان متنكراً لئلا يراه أحدٌ فيعرفه، فلما استُشهدَ الإمام زينُ العابدين× انقطع عنه ذلك، فعلِمَ أنَّ الذي كان يأتيه برزقه هو الإمام زينُ العابدين×، فجاء إلى قبره وبكى عليه().
فهذه المواقف من سيرة أهل البيت^ ينبغي أنْ لا تُدرس من أجلِ تسليةِ الفكرِ والمتعةِ في التنقُّلِ بين أحداثِها أو قصصِها، ولا مِن أجلِ المعرفةِ التاريخيةِ لحقبةٍ زمنيةٍ من التاريخ مضت، ولا بدافع المحبة والعشق لدراسة سير العظماء فحسب، فإنَّ ذلك النوع من الدراسة السطحية وإن أصبح مقصداً لغير المسلم من دراسة السيرة، فعلى المسلم أن يجعل من السيرة نبراساً يضيء له طريق الخلق والأدب. وهذا من أهمِّ مقاصد دراسة السيرة العطرة لأهل البيت^.
في ميدان الكسب الحلال:
وفي ميدان العمل والكسب وذم الكسل والاتّكالية، كان الإمام الصادق× يخاطب شيعته خاصة والمسلمين عامة، فيقول: (لا تكسلوا في طلب معايشكم، فإنَّ آباءَنا قد كانوا يركضون فيها ويطلبونها)(). وقد ترجم× هذه الوصية الفاخرة والدرَّة الباهرة إلى سلوكٍ مثالي، فعن الفضل بن أبي قرة قال: دخلنا على أبي عبد الله× وهو يعملُ في حائطٍ له، فقلنا: جعلنا الله فداك، دعنا نعملُ لك، أو تعمله الغلمان، قال: (لا، دعوني فإنّّي أشتهي أنْ يراني اللهُ عزَّ وجلَّ أعمل بيدي وأطلبُ الحلالَ في أذى نفسي)(). وقد أراد الإمام× أن يجسِّدَ لنا بسلوكه المثالي مبدأ القدوة الحسنة، فحريٌّ بالمسلم عند قراءة هذه السيرة، ومطالعة هذا السلوك، أنْ يأخذَ منها أسلوبه في الحياة، فلا يكون اتّكالياً ولا كسولاً ولا خالداً للدعة والراحة.
في ميدان العلاقة مع العبيد:
من الأمور التي تثير الانتباه عند مطالعة سيرة أهل البيت^، حُسنُ معاشرتِهم مع العبيد، الأمر الذي ما كان يلاقي مزيداً من الترحيب في الأوساط العربية آنذاك، ولكن الشيء الذي يستدعي التأمل في حياة الأئمة^ أنَّهم لم يفرِّقوا بين الناس بحسب ألوانهم أو أوطانهم أو لغاتهم، فالناس عندهم سواسية كأسنان المشط ما اجتمعوا على الدين والتقى، فهذا عليٌّ× خرج مع خادمه قنبر ذات يوم إلى السوق، فاشتري ثوبين (أحدهما بثلاثة دراهم، والآخر بدرهمين، فقال: (يا قنبر، خذ الذي بثلاثة)، فقال: أنت أولى به، تصعدُ المنبرَ وتخطبُ الناسَ، فقال: (وأنتَ شابٌّ ولك شَرَهُ الشَّبابِ، وأنا استحي من ربِّي أنْ أتفضَّلَ عليك، سمعتُ رسولَ الله| يقول: ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون)().
وقد اتَّفقت سيرة أهل البيت^ على ذلك النهج، فعن عبد الله بن الصلت، عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا× في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدةٍ له فجمعَ عليها مواليه من السودان وغير هم، فقلت: جُعِلْتُ فداك، لو عزلتَ لهؤلاء مائدةً؟ فقال: (مه، إنَّ الربَّ تبارك وتعالى واحدٌ، والأمَّ واحدةٌ، والأب واحدٌ، والجزاءُ بالأعمالِ)()، فهذا درسٌ رائعٌ في الترغيب بحسن المعاشرة، ولو مع المماليك أو الضعفاءَ، فإنَّ مِن أفضل ما يتقرب به الإنسانُ إلى ربِّه حسن العشرة، والتحرُّر من قيود الكبر والخيلاء، والانتصار على غلواء النفس، والتحلّي بالتواضع فهو حليةُ المتقين وشعارُ الصالحين، وهذا ما يجب أن يُستَلْهَم من سيرةِ الأئمةِ^ عند مطالعتها ودراستها.
في ميدان حفظ الأمانة:
يطالعنا في حياة الإمام زين العابدين× ـ مثلاً ـ حديثٌ تقشعرُّ له الجلود، رواه أبو حمزة الثمالي، قال: سمعت سيّدَ العابدين عليَّ بنَ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب^ يقول لشيعته: (عليكم بأداءِ الأمانةِ، فو الذي بعث محمداً بالحقِّ نبيَّاً، لو أنَّ قاتلَ أبي الحسين بن علي‘ ائتمنني على السيفِ الذي قتله به لأدَّيته إليه)(). 
ولعمري لو أمعنَ الإنسانُ في مغزى هذا الكلامِ، وشرحه بأجملِ ما قيلَ في مدحِ الأنامِ، مَا أستطاعَ أنْ يعطي تفسيراً يفي بحق بالنفسية العبقرية التي جادت به، وما تختلج بين حناياها من كنوز العبقرية والعظمة، فإنَّ من أهمِّ مقاييس العظمة في الشخصية، ودلائل العبقرية فيها تتمثل بأداء الأمانة، وأيّ أمانة؟ لو أتمنه السيف الذي قتل به أباه. نعم، السيف الذي قتل به الحسين×. فلا بدَّ لمن يدرس سيرة أهل البيت^ أنْ يستجلي معنى هذا الكلام، وما فيه من مغزى.
في ميدان الزهد والإيثار
في ميدانٍ آخر نقرأ من سيرة أهل البيت^ أسطراً من نورٍ، رسموها بسيرتهم المعطاءة، فقد روي عن النبي| أنَّه (ما شبع ثلاثةَ أيامٍ متوالية حتى فارق الدنيا، ولو شاءَ لشبع، ولكنَّه كان يؤثر على نفسه)(). 
وقد ظهرت بصماتُ هذا السلوك النبوي واضحةً في سلوكِ الأئمة^، الذين ساروا على نهجه، وارتسموا خطاه، وترجموا أقواله إلى واقعٍ عملي ملموس، فعن (محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت عليَّ بنَ أبي طالب× يقول: (لقد رأيتني وإنّي لأربط الحجرَ على بطني من الجوع، وإنَّ صَدَقتي لتبلغ اليومَ أربعةَ آلافِ دينار)()، فما الذي كان يدفع أهلَ البيت^ لذلك؟ أليست هذه المواقف ونظائرها ـ وهي كثيرة في سيرة أهل البيت ـ مما تثير التساؤل؟ أليس في هذه المواقف الرائعة أقوى دليل على سموهم وتألُّقِهِم في دنيا الكمال حتى كانوا يقدِّمون مصلحةَ الغيرِ على مصلحتِهِم؛ لأنَّهم يعلمون علمَ اليقين بأنَّ القيمةَ الحقيقيةَ للإنسان ليست بمعدته وبطنه، بل بإنسانيته وعطائه، وهذا لعمري ما يُثيرُ العزائمَ ويُشحذُ الهِممَ نحو ذلك الفعل، وتلك السيرة، وهذا ما ينبغي أن يكون في سُلَّم الدوافع لدراسة السيرة وقراءتها.
آثار الاقتداء بأهل البيت^
إنَّ آثار الاقتداء بأهل البيت^، والتأسي بهم بحاجة إلى بحثٍ مستقل ورسالة مفردة، ولكننا سوف نسلّط الضوء على اثنين منها، رعاية للاختصار:
الوصول إلى مقام العبودية الحقَّة:
لا شك في أنَّ أهل البيت^ هم النموذج الأكمل والمصداق الأتم للإنسان العارف الكامل على وجه البسيطة، فلا مناصَ لمن أراد أنْ يرتقي سلَّمَ الفضلِ، ويمتطي مراقي الشرف، ويتسنَّم ذروةَ العلياء في المكارم والمناقب، من التمعُّن في سيرتهم، والتزوّد من نمير معينهم، ليضمن الوصول إلى غايته ومبتغاه، فليس طريق الفضائل معبَّداً، ولا نيل شرف العبودية سهلاً، ولا الوصول إلى مقام قرب الله هيّناً. فلا بدَّ من الجدِّ والاجتهادِ، والصبرِ والثباتِ، ولا يتمُّ ذلك كلُّهُ دون أن يكونَ للإنسان هادياً يهديه إلى الصراط المستقيم، ويرشده إلى الطريق القويم، وليس يصلح لذلك غيرُ أهل البيت^، فهم الهداة إلى طريق النجاة، والأدلاء على الله سبحانه، (مَنْ أَرَادَ اللهَ بَدَأ بِكُم)()، فلا يمكن معرفتُهُ تعالى، ولا عبادتُهُ، ولا الوصولُ إليه سبحانه بدونِ متابعةِ أهلِ بيتِ النبوةِ وموضعِ الرسالةِ، واقتفاءِ أثرِهِم والسيرِ على نَهجِهِم، فمَنْ بدأ بغيرهم ظلَّتْ به الطُّرق وتشتَّتْ به السُّبل، وظلَّت قافلتُهُ في مفازة التيه والضلال، ويؤيدُهُ ما وردَ في الزيارة: (مَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّه إليْكُم)().
تشييد دعائم البناء الروحي:
الإنسان العادي بطبعه يتملَّكه اليأسُ والقنوطُ عند المصائب والشدائد، كما أشار القرآن صراحة لذلك بقوله: (وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ)()، لكنَّه ما أن يفتح نافذةً على سيرةِ أهلِ البيتِ^ حتى يجدَ فيها بوادرَ الاطمئنان، وتهبّ على ربوعِ قلبِهِ نسائمُ السَّكينةِ، على الرَّغم من عواصف الأحداث التي يعيشها، والقلق والتوتر الذي يستولي على حياته، فإنَّ التَّدبرَ في سيرتهم من شأنه أنْ يخلقَ له أجواءً نفسيةً مفعمةً بالطمأنينةِ والأملِ.
ولذا كان الكثير من صحابة النبي| يشقُّ عليهم ما يقاسونه من ألم المقاطعة الاقتصادية، والعزلة الاجتماعية، والضغوط النفسية، بالإضافة إلى الفقر واجتماع الأحزاب على مقاتلتهم ومقاطعتهم، ولكنَّ البلسمَ الشافي لتلك المصائب، والدواء المعافي لتلك الآلام، أنَّ رسول الله| كان معهم وإلى جنبهم، يشاركهم الألم، ويتحمل معهم مرارة الظروف، فإذا نظروا إليه نسوا آلامهم، وإذا تمعَّنوا في مواقفه زالت أتعابهم، وإذا سمعوا حديثه اشتدت هممهم، وإذا رأوا صلابته قويت عزيمتهم، وهكذا الحال في أصحاب الأئمة من بعده.
ولم يفقد المسلمون ذلك بعد رحيلهم^، فسيرتهم وأقوالهم ومعارفهم تجعلهم يعيشون في كل زمان وفي كل مكان، ومن هنا فأقلُّ ما يمكن أن يُستفاد من دراسة سيرتهم، بثُّ الأمل وزرعُ الطمأنينة والسكينة، وكيفيةُ مواجهةِ محنِ الحياة ومصاعبِها.
وعليه فمن تزاحمت عليه العلل، واشتدَّت عليه النوائب، وأتته المصائب من كلّ ناحية، ورماه الزمان بكلّ سهمٍ غادرٍ، وابتلي بفراق الأحبة، والبعد عن الأوطان، وجور الزمان، فله في مأساة الإمام زين العابدين× أسوةٌ حَسَنَة، تهون عندها عظامُ المصائب، وتصغر عندها كبار الرزايا.
الدافع الخامس: استخلاص العبرة والعظة
تُعتبر العبرةُ والاعتبار في مقدِّمةِ مفرداتِ الوعي التاريخي، باعتبارِها ثمرة لإدراكِ الصلةِ والارتباطِ الوثيقِ بين الماضي والحاضر، وخلاصة للاستفادةِ من حوادثِ التاريخِ وتجارِبِهِ المتعددةِ، إذ العلاقةُ بين الماضي والحاضر، إنَّما تتوقفُ بالدرجة الأولى على إدراكِ إمكانِ الاستفادةِ من الماضي؛ لأنَّ تاريخَ كل أمّة أو كل حقبة إنَّما هو حصيلةُ تجاربها في حياتها، وليس التاريخ تراكماً عبثياً لأحداثٍ مضت وتصرَّمت، فالأجدر بنا أنَّ نعتبرها أحدَ مصادر الوعي والمعرفة والتجربة، استجابةً لدعوة القرآن الكريم الذي دعا في الكثير من آياته إلى ضرورة التدبر في أحداث التاريخ، والاستفادة منها في بناء المستقبل، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)()، وقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ)()، بل الأكثر من ذلك فقد وبَّخ الذين ينظرون إلى التاريخ كتراكمات للأحداث عديمة الأثر والمغزى، فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)()، وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)().
فيجب على المسلم الدارس للسيرة أنَّ يكون استخلاصُ الدروس وأخذُ العِبَر في مقدِّمة الدوافع التي تدفعه لذلك، والأهداف التي يتوخَّاها عند دراسة التاريخ عموماً وسيرة أهل البيت^ خصوصاً، باعتبار أنَّ حياتهم تمثل الجانب التطبيقي للشريعة الإسلامية المقدسة. وهو أمرٌ مفروغ عنه، فقد سُئلت عائشة عن خُلُق رسول الله|، فقالت: (أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قالت: كان خلقه القرآن)()، وفي رواية أخرى، قالت: (كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه)()، والأمر كذلك بالنسبة لأهل بيته^ ـ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرهم، حتى جعلهم| أحد الثقلين وعدلَ الكتاب، لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض يوم القيامة ـ فقد أخرج الحاكم النيسابوري، في مستدركه عن  أبي سعيد التيمي، عن أبي ثابت مولى أبي ذر، قال: كنت مع علي رضي الله عنه يومَ الجمل، فلمَّا رأيتُ عائشةَ واقفةً، دخلني بعضُ ما يدخلُ الناس، فكشفَ الله عنّي ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلتُ مع أميرِ المؤمنين، فلمَّا فرغ، ذهبتُ إلى المدينة، فأتيتُ أمَّ سلمة، فقلتُ: إنِّي والله ما جئت اسأل طعاماً ولا شراباً، ولكنّي مولى لأبي ذر، فقالت: مرحباً، فقصصتُ عليها قصَّتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها؟ قلت: إلى حيث كشف الله ذلك عنّي عند زوال الشمس، قالت: أحسنت، سمعت رسولَ الله| يقول: عليٌ مع القران، والقرآن مع علي، لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض)(). 
الدافع السادس: الوقوف على مظلوميتهم
اتَّفقت كلمةُ علماءِ الإسلامِ على وجوبِ محبَّةِ أهلِ البيتِ^ ومودتِهم، حتى صار ذلك من ضروريات الدين، كيف لا، وقد نصَّ القرآن على ذلك، وجعله أجر الرسالة المحمدية الخاتمة، قال تعالى: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)()، وقد أكَّد النبي| ذلك في عشرات المواقف والمواطن، وجعلهم حبَّ أهل بيته من أبرز علامات الإيمان كما أنَّ بغضهم ـ فضلاً عن قتلهم وقتالهم ـ أبرز علامات النفاق، فتارةً ينظر إليهم، فيقول: (أنا حربٌ لمَنْ حاربَكم وسلمٌ لمَنْ سالمَكم)(). وتارةً أخرى يجمعهم تحت كساءٍ خيبري واحدٍ ويقول: (أنا حربٌ لمَنْ حاربَكم وسلمٌ لمَنْ سالمَكم)(). 
وثالثة يؤكد ذلك أمام أصحابه وفي مرضه الذي توفي فيه، يقول زيد ابن أرقم: (حنا رسول الله| في مرضه الذي قبض فيه على علي رضي الله عنه، وفاطمة وحسن وحسين، رحمة الله عليهم فقال: (أنا حرب لمن حاربكم سلم لمن سالمكم)().
حتى أنَّه لمَّا دخل علي بفاطمة‘ كان يأتي| أربعين صباحاً إلى بابها يحفُّه أصحابه، ويقول: (السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)()، أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم)(). 
كلُّ ذلك لأنَّ النبي| كان يرى بوادر الانحراف عن أهل بيته^، الأمر الذي يُعَدُّ انحرافاً سافراً عن الشريعة المقدسة وعن قادة الأمة الحقيقيين، وقد ألمح إلى ذلك مراراً حتى قال|: (ما بال أقوام، إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم؟ والذي نفسي بيده، لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتي)(). 
وقال| ـ كما في الحديث الصحيح ـ: (والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد، إلا أدخله الله النار)(). 
من هنا فتُعتبر مظلومية أهل البيت^ أحد القضايا المحورية والأساسية، وأحد الموازين الدقيقة، التي تُمَيَّز على ضوئها استقامةُ المسيرة القيادية بعد رحيل النبي الأكرم|، وعليه فلابد من دراسة سيرة أهل البيت^ لمعرفة حقيقة الملابسات التي جرت بعد رحيل النبي الأكرم|، وما تضمنته من تعدّ سافرٍ على قدسية أهل البيت^، وتجاوزٍ على حقوقهم، الأمر الذي أدى إلى هتك حرمتهم وتشريدهم ثم قتلهم بطريقة وحشية يندى لها جبين الإنسانية عرقاً، وسبي نسائهم وذراريهم بما يضيق القلم عن وصفه، ويكلُّ لسان الخطيب عن بيانه، وتتقاصر الكلمات عن شرحه.
ثم ينظر الدارس لسيرتهم إلى ذلك نظر المتفحِّص الماهر، ويعرضه على ما قاله النبي| بحقِّهم، وأكَّده في عشرات بل مئات المواقف والمناسبات، ويحكم على ذلك كلّه، فإنَّ ذلك حريٌّ بأن يوصله إلى معرفة الحق، فلعله يوفَّق أن يكون من أهله، وعلى كل حال فإنَّ ذلك يجب أن يكون أحد الدوافع الحقيقية لدراسة سيرة أهل البيت^.

‹ واحة الـمـلـف العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي ›