مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني


بسم الله الرحمن الرحیم
أهل البیت علیهم السلام هم عِدل القرآن والثقل الثاني في هذه الأمّة ومقتضی المعادلة التي ثبتها رسول الله| في حدیث الثقلین أنّ أهل البیت هم تراجمة القرآن وسمتودع أسراره وعلومه، وهذه المعادلة تثبت أن أهل البیت علیهم السلام هم المتخصصون في تفسیره وتأویله وبیان مرامیه.
الإمام الکاظم ودوره العلمي والمعرفي
قام بأعباء الإمامة والهدایة الکبری بعد أبیه الإمام الصادق× من خلال حفظ علوم الشریعة وتربیة الجماعة المؤمنة وتغذیبها بالقرآن الکریم وفقها وتفسیره وبتعالیم السنة النبویة الشریفة التي رواها هو وآباؤه الطاهرون عن جدهم رسول الله صلی الله علیه وآله، وبارک الله تعالی بتلک الجهود الحثیثة والمتواصلة من أجل حفظ دینه فأنتجت مدرسة الإمام الکاظم مجمعة من العلماء والفقهاء والمحدثین الکبار الذین قاموا بأعباء الترویج والنشر لعلوم مدرسة أهل البیت علیهم السلام.
ولقد کان عصر الإمام× زاخراً بالتیّارات والمدارس الفکریة والعقدیة المختلفة، کما نمت في تلک الفترة المدارس الفقهیة والاجتهادیة المعاصرة لحرکة الإمام الصادق× وإنشاء الصرح الکبیر لعلوم أهل البیت×.
وفي تلک الحقبة تسرب الإلحاد والزندقة ونشأت مدارس التحریف والتضلیل والتصوف، کما دخلت علوم جدیة علی عملیة استنباط الأحکام الشریعة، مشفوعة بکم هائل من الأحادیث المزورة والمنحولة علی السنة النبویة الشریفة.
ولا شک أن کل هذه المدارس والاتجاهات الفکریة والمنحرفة تشبب في وهن الفکر الإسلامي وتشکل خطراً علی الإسلام في الواقع التشریعي والعقائدي.
ففي هذه المرحلة تبرز الحاجة الملحة إلی ترسیخ ثقافة القرآن الصحیة ونشر الوعي الإسلامي وتبیان الصحیح من أحادیث السنة وکشف المزیف والباطل ولا أحد أجدر من الإمام الکاظم× أن یقوم بهذا الدور ویمارس مسؤولیته الفکریة ووالتثقیفیة لتحصین الجور الإسلامي العام من الانزلاق وراء الشبهات والانحرافات العقائدیة.
ورغم حراجة المواقف السیاسیة وسیاسة الإرهاب والقتل والسجن التي مارستها السلطة العباسیة ضد أبناء الخط العلوي وبالخصوص ضد الإمام الکاظم مرکز الثقل الأکبر في الأمة الإسلامیة إلا أن هذا لم یمنع الإمام من ممارسة الدور المکلفة به بوصفه إمام الأمة وحصنها الفکري والأخلاقي والإنساني.
وفي خضم هذا الصرعات الفکریة والعلمیة لا بد من الرجوع إلی المصدر الأول في التشریع الإسلامي واستنطاقه في کل ما یحتاجه المسلم في غذائه الروحي والفکري الاجتماعي، فالقرآن مصدر الفکر ومصدر العلم ومصدر التشریع في الإسلام.
ومتی ما أبعد القرآن فقد دخلت الظنون والجتهادات والآراء الشخصیة في الدین، وصار التشریع في دائرة المصالح والأهواء والإنحرافات اللامحدودة.
إن مدرسة أهل البیت علیهم السلام حرصت علی توعیة المسلمین بضرورة التمسک بمرجعیة القرآن المطلقة في کل ما یخص شؤون حیاتهم في دینهم ودیناهم وإلی جانب ذلک التمسک بالسنة النبویة الشریفة المبینة والشارحة للنصوص القرآنیة المقدسة.
علاقة المسلم بالقرآن الکریم
الاهتمام بالقرآن الکریم وإبراز قداسته ومحوریته في حیاة الإنسان المسلم من أهم الأهداف الإسلامیة في صیاغة الفرد والمجتمع، فالقرآن الکریم والسنة النبویة الشریفة أکدت علی ضرورة إتباع القرآن والعمل بالتعالیم والسنن الإلهیة التي جاءت فیه، ولا یتحقق ذلک إلا مع القراءة المتأنیة وهي قراءة التدبر کما یصفها القرآن الکریم.
ولقد کان× من أحسن الناس تلاوة للقرآن وأجودهم في الصوت فکان لیله تلاوة وقراءة في آیات الله، وکیف لا یکون کذلک وقد أذن الله أن یکون ذلک البیت محلاً لذکره وتلاوة آیاته (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ )  
فقد روي عنه× أنه روی عن آبائه علیهم السلام قال: (سُئل رسول الله – صلی الله علیه وآله – عن قوله تعالی: (وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً )   قال: بیّنه تبیاناً، ولا تنثره نثر الرمل، ولا تهذّه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحرّکوا به القلوب، ولا یکون همّ أحدکم آخر السورة) 
فقراءة القرآن الکریم لیست ممارسة هوایة القراءة لأي کتاب آخر، بل إنها عملیة مرکبة من مزیج من التفاعلات النفسیة والمعنویة والفکریة لتکون مدخلا للفهم والتعلم والاعتبار بما یملیه القرآن الکریم من الحکمة والمواعظ والتعالیم المؤسسة لسعادة الإنسان ورقیه الحضاري والإنساني.
وبهذه القراءة الواعیة تتحقق أهم وأعظم الفوائد المعنویة والروحیة من خلال تلاوة کتاب الله والنظر فیه.
ومشکلتنا في هذا العصر أن قراءتنا للقرآن أصبحت مثل قراءة الجریدة أو إسقاط الواجب کما یعبر الفقهاء.
ومن خلال هذا الحدیث المبارک الذي یرویه لنا الإمام الکاظم عن جده رسول الله صلی الله علیه وآله وسلم یمکن لنا أن نحدد ملامح العلاقة المثالیة بین کتاب الله والفرد المسلم.
المعیار في تلاوة القرآن
والتلاوة هي الخطوة الأولی في انفتاح المسلم والمؤمن علی کتاب الهدایة وآفاق النور الإلهي العظیم، ولا ینبغي للمسلم أن یترک تلاوة القرآن والتزود من أنواره وبرکاته، ولیکن من الواضح أن اشتداد الأزمات والمشاکل والآلام التي یمر بها الإنسان علی الصعید الروحي والنفسي والاجتماعي لهي من أهم الدواعي والأسباب للرجوع إلی کلام الله واستنطاقه والاستشفاء به، ولا یبغي أن تکون تلک القراءة والتلاوة إلا بحسب ما وصفها رسول صلی الله علیه وآله.
(بیّنه تبیانا، ولا تنثره نثر الرمل، ولا تهذّه هذّ الشعر) فالقراءة المفیدة والنتجة هي ما کانت بحجم القرآن وبالهالة المقدسة التي تحیط بهذا الکتاب العظیم، فقاریء، ولا یتلوه کما یتلو الشعر والقصیدة فان عظمة القرآن تأبی أن یقرأ بتلک الطریقة.
المعیار في الاستفادة من القرآن
إذا کان للسان والتلفظ دور في القراءة الموضوعیة والملائمة مع القراءة الکریمة کمقدمة للاستفادة من القرآن والاتعاظ به، فان فهم المعنی واقتناصه علی مستوی التأثر الروحي والتفاعل الوجداني والفکري مع القرآن له شروطه وقوانینه، فقد تجد تالیاً للقرآن متقناً لأحکام التلاوة فنّانا في الأصوات والنغمات مجیداً في التردید والترجیع لکنه في ضحالة من التفکیر والوعي لمعاني القرآن ودلائله وبیناته، ولکي لا نحرم من فقاهة الفهم ولذة الاتعاظ والاستفادة فان الحدیث الشریف ینبه إلی قانون القراءة الفکریة والمعنویة بعد أن أوضح قانون القراءة اللفظیة والصوتیة.
والمنهج الذي رسمه لنا النبي الأکرم| في قراءة القرآن والتدبر في آیاته یتمثل في خطوتین أساسیتین:
الخطوة الأولی: الوقوف عند عجائبه  
ولا شک عزیز القاری أن النبي الأکرم| لا یعني العجائب والغرائب حسب منطق الأساطیر والأفکار الخرافیة حسب المعنی الحرفي للکلمة في أکثر استعمالاتها. کما أن النص النبي الشریف لیس بصدد بیان الإعجاز اللفظي والبلاغي کما قد یتوهم البعض حیث قصروا مسالة الإعجاز القرآنیة في دائرة الألفاظ وسحرها اللفظي والبلاغي کما هو دارج في لسان العرب؟
إذن ما هو المقصود في الوقوف عند عجائب القرآن؟
والجواب: إن عجائب القرآن هي کل آیاته وتعالیمه والقیم التي تحدث عنها في حیاة الإنسان بأکملها، فمنها الجانب الاجتماعي وما سنه التشریع الإلهي من الأحکام للعلاقات الاجتماعیة، ومنها الجانب الاقتصادي وما شرعه الله في حفظ المال وتوزیعه وعملیه کسبه ومناشیء الحصول علیه.
ثم إن من عجائب القرآن الکریم هو بناء المنظومة العقائدیة والدینیة للإنسان وفق البیان العلمي والبرهاني العظیم ابتداءً بأصغر وأبسط الأدلة علی وجود الخالق وانتهاءً بأهم البراهین والأدلة الجلیّة علی نظم الکون واتساق حرکته ومسیره الوجودي.
ومن هذا عزیزي القراء فإن معنی الوقوف عند عجائب القرآن هو وقوف العقل والفکر والنظر والوقوف علی الشيء یعني الإشراف علیه والإطلاع علی ما فیه، والنبي الأکرم یدعونا للعلم والمعرفة والتزود الفکري من الکتاب العظیم وهذا الوقوف هو حرکة العقل واللب.

الخطوة الثانیة: تحریک القلوب بالقرآن
وإذا کان تحریک العقل هو البدایة الموضوعیة والصحیحة للمعرفة والعلم، فإن حرکة القلب تمثل النتیجة والفائدة العملیة من حرکة العقل، فلا یکتفي العاقل في تحریک عقله وجولان فکره ما لم یتکون إلی جانب هذا الفکر حس ووجدان وعاطفة، لأن العقل لا یصنع من الإنسان مؤمناً لوحده إذا جرد عن حرکة الروح والقلب، فالعقل قد یتحرک وقد یتمادی في الحرکة لکنها تکون حرکة سلبیة أو حرکة میکانیکیة، فالعقل العلمي التکنولوجي الحدیث تحرک في میادین کثیرة واکتشف المجاهیل التي عجز عن الوصول إلیها الإنسان علی حقب متمادیة من تاریخه، لکن هذا العقل لوحده قاد الإنسان لصناعة أکبر التعاسات والمأساویک في تاریخ الإنسانیة عندما استعمله في صناعة الموت والدمار.
من هنا فان القرآن الکریم – عند تلاوته بهذه الأوصاف – یدعونا إلی سماع صوت القلب وتحریک ما جمد من العواطف والرأفة والرحمة في قلوبنا وأحاسیسنا، ولا دلیل أوضح لهذا المعنی من اشتراط القرآن علی الابتداء بذکر لفظ الجلالة الشریف واقترانه بصفتي الرحمن والرحیم، لتکون الرحمة والشفقة والعطف عنوان حرکة المسلم ومنهج حیاته.
القرآن مصدر إسقاط الشرعیة عن السلطة السیاسیة
في أکثر من موقف للإمام× مع الخلیفة العباسي یحاول الإمام إبراز التشکیک والتساؤل حول شرعیة السلطة العباسیة وقیمتها من خلال القرآن الکریم، خصوصاً أن هذه السلطة بنت أمجادها علی مفهوم ورائة النبي الأکرم وأن أصحاب السلطة هم أهل بیته والأقربون من الناحیة النسبیة والعرقیة ورتبوا علی ذلک الحق المطلق لهم في قیادة الأمة وتقلد منصب خلافة النبي الأکرم وترکیع الأمة والهیمنة علی ثرواتها ومقدراتها باسم الإسلام، ولهذا السبب فإن الإمام× أراد أن یفضح زیف هذه السلطة ودجل أصحابها عند استذکاره المتکرر للقرآن الکریم والآیات الإلهیة الشریفة في حوراته ولقاءاته من هارون الرشید. وهذا مقطع من حوار الإمام مع الطاغیة هارون الرشید یرویه الإمام موسی الکاظم×. (قال...- هارون الرشید-: کیف قلتم أنّا ذریة النبي والنبي لم یعقب، وإنما العقب الذکر لا الأنثی، وأنتم ولد الابنة ولا یکون ولدها عقبا له. فقلت: (أسألک بحق القرابة والقبر ومن فیه، إلا أعفیتني عن هذه المسألة).
فقال: لا أو تخبرني بحجتکم فیه یا ولد علي! وأنت یا موسی یعسوبهم، وإمام زمانهم، کذا أنهي إلي، ولست أعفیک في کل ما أسألک عنه، حتی تأتیني فیه بحجة من کتاب الله، وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا یسقط عنکم منه شيء ألف ولا واو إلا تأویله عندکم، واحتججتم بقوله عز وجل: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)  واستغنیتم عن رأي العلماء وقیاسهم.
فقلت: (تأذن لي في الجواب؟)
قال: هات.
فقلت: (أعوذ بالله من الشیطان الرجیم بسم الله الرحمن الرحیم: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ) من أبو عیسی یا أمیر المؤمنین؟
فقال: لیس لعیسی أب. فقلت: إنّما ألحقناه بذراري الأنبیاء علیهم السلام من طریق مریم علیها السلام وکذلک ألحقنا بذراري النبی| من قبل أمنا فاطمة، أزیدک یا أمیر المؤمنین؟ قال: هات.
قلت: قول الله عز وجل: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)  ولم یدع أحد أنه أدخله النبي| تحت الکساء عند مباهلة النصاری إلا علي بن أبي طالب× وفاطمة، والحسن والحسین أبناءنا الحسن والحسین ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب× علی أن العلماء قد أجمعوا علی أن جبرئیل قال یوم أحد: (یا محمد إن هذه لهي المواساة من علي) قال: (لأنه مني وأنه منه).
فقال جبرئیل: (وأنا منکما یا رسول الله) ثم قال: لا سیف إلا ذو الفقار ولا فتی إلا علي، فکان کما مدح الله عز وجل به خلیله× إذ یقول:
(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)  إنا نفتخر بقول جبرئیل أنه منا فقال: (أحسنت یا موسی ارفع إلینا حوائجک)
القرآن والقراءة الحرفیة
مني الإسلام بتیارات ومذاهب منحرفة ومضللة سببت الکثیر من الهنات للأمة الإسلامیة کما أنها مارست الإرهاب الفکري والعقائدي ضد الأمة بأسرها.
وجاء أهل هذا الفکر بمفتریات وأکاذیب وأشانیع نسبوها للدین والإسلام فأثبتوا لله عیناً ویداً ورجلاً سبحانه وتعالی عما یقولون علواً کبیراً.
کما أنهم لم یتورعوا في نسبة الظلم والإکراه والإجبار علی المعاصي من الله لعباده ثم معاقبتهم یوم القیامة، ونری هذا التیار المتطرف والقراءة غیر النزیهة والموضوعیة الآیات القرآن الکریم شاعت في زمان الإمام الکاظم× وکثرت الشبهات والأضالیل.
شبهة الاستواء علی العرش
لیس لهؤلاء المتطرفین والجهلاء عمل ولا مسؤولیة إلا في البحث عن مکان تواجده وجلوس وکرسیه تعالی وتنزه عن ذلک، فقد فرغوا من کل المسؤولیات الشرعیة والدینیة ولم یبق إلا البحث عن الصفات والأعضاء الجسمانیة للباري تعالی، مع أن أصحاب هذا الإتجاه نأوا بعقولهم وأنفسهم أن یبحثوا عن صفات الحاکم وشرعیة سلطته وخلافته وتحکمه علی رقاب المسلمین.
أفهل کان ذلک من شرع القرآن ومن کلام الله؟
وهل أتاح القرآن ممارسة الظلم والقتل أم لا؟
والجواب أن أتباع هذه القراءات المتورة والمشوهة هم أعوان الظلمة ومؤسسي ثقافة الطاعة العمیاء والإخلاص المطلق في تنفیذ إرادة الحاکم ولیس إرادة رب العالمین.
ولقد کان هذا الاتجاه الفکري في تفسیر القرآن من أخطر التوجهات عداءً لمنهج أهل البیت وأئمة الحق، ولکن هذا لعداءً لم یمنع الأئمة علیهم السلام من ممارسة دورهم التثقیفي والفکري في تحصین الأمة من هذه الشبهات والمفتریات العقائدیة، ولذا نجد أن الإمام الکاظم× من خلال تفسیره لم کبیر من آیات الکتاب العظیم نقلها ودونها الرواة والمحدثون یتناول الآیة التي تمسک بها أصحاب الظاهر ومنهج الجمود علی اللفظ في تبني نظریة الاستواء المادي والمکاني وهي قوله تعالی: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) .
عن القاسم بن یحیی، عن جده السحن بن راشد، عن أبي الحسن موسی× وسئل عن معنی قوله الله "     " فقال: استولی علی ما دق وجل) .
مرجعیة القرآن في بناء العقیدة
ولم یکتف الإمام× بتفسیر آیة أو الإجابة علی سؤال في تثبیت الرؤیة المعرفیة الصحیحة في بناء العقیدة الإسلامیة، بل أسس لذلک قاعدة وبناءً تحتانیاً في هرم العقیدة والإیمان الدیني.
فقد روی صاحب المحاسن عن الفضل بن یحیی قال: سأل أبي أبا الحسن موسی بن جعفر× عن شيء من الصفة فقال: (لا تجاوز عما في القرآن) 
قیمة العقل والمعرفة من خلال القرآن
العقل في المنظور الإسلامي حجر الزاویة للمعرفة الإنسانیة ویمثل الموهبة الإلهیة العظمی للإنسان، لأنه أداة الخیر والشر، کما أنه طریق الوصول للسعادة، وفي الخطاب القرآني والنبوي نجد التأکید المتتابع علی أکرام العقل والفهم والفکر ومن یتحلی من الناس بهذه الأوصاف العظیمة، فذکر الذین یعقلون والذین یتدبرون والذین یتفکرون، والمقصود من هذه التأکید بصیغ المضارعة ما هو إلا إشارة إلی أن عظمة العقل وقیمة العاقل لا تکون إلا من خلال حرکة العقل في واقعه وحیاته ولا یکون ذلک إلا من خلال تحریر العقل وتثویره.
ونجد في وصیة الإمام الکاظم× لهشام بن الحکم یوضح بعض وظائف العقل وقسمته وأهمیته من خلال الکریم والآیات الکریم التي أنارت الفکر ونورت البصیرة بکشفها عن قدرات العقل وطاقاته الخلافة.
القرآن بشر أهل العقول
(یا هشام إن الله تبارک وتعالی بشر أهل العقل والفهم في کتابه فقال: (فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) .
إکمال الحجة بالعقل
یا هشام إن الله تبارک وتعالی أکمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبیین بالبیان، ودلهم علی ربوبیته بالأدلة، فقال: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) 
العقل دلیل علی الله
یا هشام قد جعل الله ذلک دلیلا علی معرفته بأن لهم مدبراً، فقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)  وقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) 
موعظة الله لأهل العقل في القرآن
... یا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) .
یا هشام ثم خوف الذین لا یعقلون عقابه فقال تعالی: (ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) 
وقال: (إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) ،
النظرة المستقبلیة من خلال القرآن
القرآن یدعونا لممارسة التغییر والإصلاح علی مستوی الذات والآخر، والتغییر الذي یدعونا إلیه القرآن الکریم لابد أن یکون ضمن نظام وتخطیط وعملیة مبرمجة، وهذا ما یکون من خلال العمل والإنتاج الذي نقوم به (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)  وان إغفال المستقبل في کل عمل هو نوع من التخلف والخسران لمشروع الإنسان، ومن هنا أدعو الإخوة الأعزاء القائمین علی هذا المشروع المبارک التفکیر بجدیة وداریة بالمستقبل الولید الجدید ورعایته والسهر علی إنجاحه وتطویره.
وفي هذا الوقت بالذات الذي یسعی فیه أعداء الأمة الإسلامیة لتفتیتها وتمزیقها وتشویه هویتها الثقافیة والدینیة فإن واجب الأمة بعمومها وواجب العلماء والفضلاء والمثففین وخصوصاً المهتمین بالشأن القرآني وأصحاب المسؤولیة بذل الجهود والوسع واستفراغ کل الطاقات من أجل ترسیخ مبادیء الهویة الدینیة والثقافیة للأمة الإسلامیة، والدفاع من أجل بناء الذیت والمجتمع علی أساس ثقافة الوحي والنبوة.
ولا یکون ذلک إلا بعد الشعور بالمسؤولیة الکبیرة أمام کتاب الله والتضحیة والهِمة العالیة، وفوق کل ذلک التوکل علی الله وحده فهو مصدر القوة والکمال والتوفیق والنجاح للإنسان، وقد وعد الله تعالی المؤمنین والمضحین وأصحاب البذل والعطاء بمبارکة أعمالهم وإنمائها (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) 
ولاشک عندنا أن التمسک والحفاظ علی الهویة الإسلامیة الأصیلة لا یکون إلا من خلال التمسک بکتاب الله والاستضاءة بنوره والسیر علی هدیه الرباني المعصوم من الضلال والإنحراف.
وما أدرانا فلعل النبي الأکرم صلی الله علیه وآله قد حذرنا نحن أبناء هذا الزمن بالخصوص من أمواج الفتن الفکریة والأخلاقیة والمجتمعیة التي تهدد إیمان الإنسان والتزامه بدینه وقیمه فقد نقل عنه صلی الله علیه وآله أنه قال: (لا خیر في العیش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق. أیها النسا، إنکم في زمان هدنة، وإن السیر بکم سریع، وقد رأیتم اللیل والنهار یبلیان کل جدید، ویقربان کل بعید، ویأتیان بکل موعود، فأعدوا الجهاد لبعد المضمار.)
فقال المقداد: یا نبي الله ما الهدنة؟
قال: (بلاء وانقطاع، فإذا التبست الأمور علیکم کقطع اللیل المظلم فعلیکم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وما حل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلی الجنة، ومن جعله خلفه قاده إلی النار، وهو الدلیل إلی خیر سبیل، وهو الفصل لیس بالهزل، له ظهر وبطن، فظاهره حکم، وباطنه علم عمیق، بحره لا تحصی عجائبه، ولا یشبع منه علماؤه، وهو حبل الله المتین، وهو الصراط المستقیم... فیه مصابیح الهدی، ومنار الحکمة، ودال علی الحجة) 

‹ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز واحة الـحوار ›