مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر
السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر - السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز


بسم الله الرحمن الرحيم
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا.آمنا بالله صدق الله العلي العظيم.
اهتم القرآن الكريم بتزكية النفس وتربيتها، تزكية النفس أم الفضائل والقيم، تزكية النفس هي المنطلق لصلاح الفرد المجتمع، لذلك القرآن الكريم اهتم بهذا المبدأ ألا وهو مبدأ تزكية النفس، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) القرآن الكريم يقول: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) على الإنسان أن ينشغل بتزكية نفسه وتهذيبها وإصلاحها، كثير منّا قد ينشغل بعيوب الآخرين وأخطائهم من دون أن يركّز على أخطاء نفسه وعيوبها، ومن دون أن يحاول تغيير نفسه، الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه يقول: (رحم الله من شغله عيبه عن عيوب الناس)، يقول الشاعر:
لسانك لا تذكر به عورة امرأ 
فـكـلـك عـورات وللـنــاس ألسن
وعينك إن أبدت لـك مـسـاوئا 
فصنها وقل يا عين للناس أعين
القرآن الكريم يركّز على تزكية النفس في عدة آيات منه، لكن حديثنا هو كيف تتم تزكية النفس؟
العنصر الأساسي في تزكية النفس هو قوة الإرادة، الذي يملك إرادة قوية فهو قادر على تزكية نفسه، الذي لا يملك إرادة قوية فهو غير قادر على تزكية نفسه والعنصر الأساسي في تزكية النفس وإصلاح أخطئها وتغييرها من الوضع السيء إلى الوضع الأحسن هو الإرادة، إذا كنت أملك إرادة فأنا قادر على صقل نفسي وتهذيبها، وإذا كنت إنسانًا ضعيفًا فإن وضعي لن يتغير، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إذًا لابدّ أن نركّز على الإرادة، هذا العنصر الأساسي في تزكية النفس وتربيتها.
كيف نربي الإرادة؟ كيف نوجد في داخلنا إرادة حازمة صامدة تساعدنا على إصلاح النفس وتربيتها؟
هذا السؤال لابدّ من الإجابة عليه، هنا نظريتان: 
1/ النظرية الغربية. 
2/ النظرية الإسلامية.

1/ النظرية الغربية: التي يتبنّاها روسو وكانت (فيلسوفان معروفان) يقولان إذا أردت أن تملك إرادة قوية فعليك ألا تتعوّد على شيء، تعوّد على ألا تتعوّد، كيف يعني؟ الاعتياد علی الشيء هو الذي يقهر إرادتك، لا يمكن للإنسان أن يمتلك إرادة حتى يترك الاعتياد، مثلاً: افترض أنا إنسان أدرس مادة الرياضيات، إذا أنا طول السنة أمشي على منهج معين، منهج دراسي مقرر أنا طول السنة لا أخرج عنه، طبعًا سأعتاد على هذا المقرر الذي أوضحه للتلاميذ كل سنة، هذه العادة تقتل عندي روح الحرية، تقتل عندي روح الإبداع، تقتل عندي روح الابتكار، أنا عندما أسير على مقرر ومنهج معين فسوف لن أكون إنسانًا مبتكرًا، سوف لن أمتلك الحرية في التطوير والتغيير والإبداع والابتكار لأنني قيدت نفسي بمنهج معين، العادة تقتل الإرادة، النظرية الغربية تقول: العادة تقهر الإرادة، إذا أردت أن تكون ذا إرادة فأقتل العادة.
مثال آخر: افترض أنا طول السنة أحضر هذا المأتم المعين، وأستمع إلى هذا المأتم المعين، وأستفيد من هذا المأتم المعين، هذا اعتياد يقتل إرادتي، أنا إذا أردت أن أكون ذا إرادة عليّ أن أغير، عليّ ألا أعتاد على عادة معينة، عليّ أن أنوع المآتم التي أحضرها، أنوع الخطباء الذين أستمع إليهم، إذا خرجت عن العادة ملكت الإرادة، إذًا النظرية الغربية تقول: اخرج عن العادة تملك الإرادة.
 نحن لا نوافق هذه نظرية كمسلمين ونقول هذه نظرية غير متكاملة، لماذا؟ 
العادة على قسمين:
1/عادة انفعالية. 
2/عادة فعـلـيـة. 
العادة الانفعالية غير حسنة، والعادة الفعلية أمر حسن، ما الفرق بينهما؟ 
1/العادة الانفعالية: هي الأمر الذي يعتاد عليه الإنسان بروح الانسياق وروح الانقياد من دون تأمل وتدبير.
مثلا: أنا كيف أصبح مدخنًا؟ أجالس المدخنين، إذا جالست المدخنين شيئًا فشيء (يوم سيجارة، يوم سيجارتين، وهكذا) إلى أن أصبح مدخنًا، أنا عندما أصبح مدخنًا عادة التدخين تسمى عادة انفعالية، يعني أنا بروح الانسياق مع المدخنين وبروح الاسترسال مع المدخنين تعودت على عادة التدخين فقهرتني هذه العادة، فلا أستطيع ترك التدخين، مهما حاولت ترك هذه العادة لا أستطيع، لماذا؟ هنا العادة تقتل الإرادة، هنا العادة غير حسنة، لأني لا أستطيع التحرر منها.
مثال آخر: الموسيقى كثير من الناس يتهاونون فيها، الموسيقى شيء ينفذ إلى النفس بكل سرعة، لأنه شيء تلتذّ به النفس، کما قیل:(من لم یحرّکه الربیع وأزهاره والعود واوتاره،فهو فاسد المزاج،لیس له علاج) الذي يقول: أنا لا ألتذ بالموسيقى إما مريض أو كذّاب، الموسيقى لذّتها تنفذ إلى النفس بكل سرعة، وبالتالي يتعود الإنسان على الموسيقى بسرعة، الإنسان إذا تهاون وقال: اليوم دقيقة واحدة فقط، ثم اليوم التالي خمس دقائق فقط، وهكذا إلى أن يعتاد عليها فلا يستطيع التخلص منها، هذه عادة انفعالية تقهر العادة.
من هذا المنطلق أئمة أهل البيت سلام الله عليهم يركّزون على قضية الكذب، الكذب إذا اعتاد عليه لا يمكن صلاحه، ورد عن الإمام زين العابدين سلام الله عليه: « من استحلى رضاع الكذب عسُر فطامه « إذا صار الكذب عنده ملكة لا يمكنه التخلص منه، لذا ورد عن الإمام زين العابدين سلام الله عليه: « اتقوا الكذب الصغير والكبير في كل جد وهزل فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير» حتى في المزاح لا تكذب، لأنك إذا كذبت في المزاح تعودت على الكذب وإذا تعودت عسر عليك الخلاص، يقول الشاعر: 
لي حيلة فيمن ينم وليس لي في الكذاب حيلة
مـن كـان يـخـلـق مـا يـقول فحيلتي فيه قليلة
هذه نُسميها عادة انفعالية، العادات الانفعالية كما تقول النظرية الغربية العادة الانفعالية تقهر الإرادة، إذا أردت أن تكون ذا إرادة تحرّر من العادات الانفعالية، عادة التدخين، عادة الموسيقى، عادة الكذب، وما أشبه ذلك من العادات الانفعالية.
2/العادة الفعلية: هي العادة التي أنا أصنعها، أصنعها بقرار مني وباختيار مني بعد التفكّر والروية.
مثلا: إنسان جبان، كيف يصبح شجاعًا؟ الحديث الوارد عن علي× يقول: « إذا خفت من شيء فقع فيه « عود نفسك على الاقتحام، إذا عودت نفسك على الاقتحام ملكت الجرأة والشجاعة، هذه يسموها عادة فعلية، يعني صنعها الإنسان بقراره بعد التفكير والروية، هذه عادة حسنة بلا إشكال، وإلا إذا نقول هذه العادة ليست حسنة تصبح جميع الملكات والفنون عديمة القيمة.

مثلا: كيف يصبح الإنسان رسامًا؟ يتعود على الرسم فيصبح رسامًا، كيف يصبح خطيبًا؟ يتعود على الخطابة فيصبح خطيبًا، كيف يصبح شاعرًا؟ يتعود على الشعر فيصبح شاعرًا، سائر الملكات عادات فعلية يصنعها الإنسان بفكر واختيار وبقرار وروية، فهذه العادات الفعلية ليست قاهرة للإرادة، بل بالعكس الإرادة الفعلية مظهر للإرادة، الإرادة الفعلية تنسجم مع الإرادة ومع قوة الإرادة.
مثال آخر: الاستيقاظ لصلاة الفجر، أسهل ما على الإنسان أن يعتاد على ترك صلاة الفجر، بمجرد أن ينام يوم يومين عن الصلاة يعتاد على تركها، العادة على ترك صلاة الفجر أمر سهل لأنه منسجم مع الراحة وحب النوم، لكن الاعتياد على الاستيقاظ لصلاة الفجر هي العادة التي تحتاج إلى إرادة وتحتاج إلى حزم، الاعتياد على ترك الصلاة عادة انفعالية تنسجم مع الراحة وحب النوم، لكن الاعتياد على الاستيقاظ عادة فعلية تحتاج على إرادة وحزم، وبالتالي أنت لست معذورًا في ترك الصلاة، كثير من الناس يقول لك: ماذا أفعل أنا نائم! كل يوم نائم عن الصلاة، لكن لا ينام عن العمل، يخرج للعمل الساعة السابعة مثلا، وهو قبل الساعة السابعة نشيط ومستعد فلماذا لا يهتم بصلاته كما يهتم بعمله؟! إذا كان يعلم أنه لن يستيقظ لصلاة الفجر فليجهّز المنبّهات وإلا سيكون داخلاً تحت عنوان الاستخفاف، الإمام الصادق سلام الله عليه يقول: « لا ينال شفاعتنا مستخف بصلاته «.
إذًا العادة لا تقهر الإرادة دائمًا، العادة التي تقهر الإرادة هي العادة الانفعالية، وأما العادة الفعلية-يعني العادة التي يصنعها الإنسان باختياره-بالعكس تقوي الإرادة وتربيها، لذا هذه النظرية غير متكاملة.
2/ النظرية الإسلامية: كيف يصبح إنسانًا ذا إرادة؟ هنا ثلاث ركائز نذكرها لتربية الإرادة:
1- مداراة النفس في العبادة: أنت تسمع الأحاديث الشريفة تقول: « للقلوب إقبال وإدبار الإنسان أحياناً نفسه منشرحة، يحب أن يصلي، يحب أن يقرأ القرآن والدعاء، يحب أن يبكي ويناجمعي ربه، أحيانًا الإنسان يرى نفسه منشرحة للعبادة، وأحيانًا يراها منقبضة كارهة لكل شيء، فقط يريد أن يصلي الصلاة الواجبة ويفتك، هنا علماء العرفان ينصحون بأن الإنسان يوازن مع نفسه إتباعًا للحديث الشريف: « للقلوب إقبال وإدبار فإذا أقبلت فاحملوها على الفرائض والنوافل وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض « لا تضغط على نفسك لأنك إذا ضغطت على نفسك ربما ضغطك يسبب لك نفورًا كليًا من العبادة، ربما يسبب إعراض مستمر عن العبادة وهجران مستمر للعبادة، العبادة مستحبة في كل وقت وفي كل حين، لكن إذا شَخَصَ الإنسان أن قهر النفس على العبادة في هذا الوقت سوف يسبب له إعراض مستقبلي عن العبادة فإن الأفضل أن يداري النفس ويجاريها، لذلك ورد عن بعض الأولياء أنه كان إذا اغتم ترك النافلة حفاظًا على علاقة النفس مع العبادة، حتى تبقى علاقة النفس مع العبادة مستمرة.
2- الأعراف والتقاليد: الأعراف والتقاليد المسماة في علم النفس وعلم الاجتماع بنظرية تأثير العقل الجمعي ويذكروا مثالاً: أنه مجموعة من التلاميذ أرادوا ألا يدرسوا يومًا من الأيام، فاتّفقوا على أن يدخلوا بعد دخول المدرّس، اتّفقوا على أن يقولوا كلمة واحدة للمدرّس، دخل المدرّس إلى الصف وانتظر الطلاب، دخل الأول سلّم عليه وقال: ما بك يا أستاذ؟ جسمك نحيف ومصفر، خير إن شاء الله، يبدو عليك التعب والإرهاق، قال: لا، بسيطة ليس بيّ شيء، دخل الثاني وكرّر ما قاله الأول وهكذا الثالث والرابع.. إلخ عشرين شخص دخلوا الصف وكرّروا نفس الكلام، ما بك؟ يبدو عليك الإرهاق، نحن شفقة عليك لا نريد أن ندرس اليوم... فمرض المدرّس مرضًا حقيقيًا، لأنه لا يتقبّل أن جميع هؤلاء كاذبين.
هذا هو تأثير العقل الجمعي، يعني الأجواء العامة تؤثر على عقل الإنسان ومشاعره، لاحظ مهنة نشر الشائعات في العالم، نشر الشائعات أصبح فنًا، إذا أراد الإنسان أن ينشر أن لعاب البقرة دواء للصلع مثلا، تبدأ الإشاعة منه وتتناقلها الألسن، وتنتشر الشائعة في الجريدة والمجلة والصيدلة والتلفزيون، فيصدّق الناس هذه الإشاعة لأنهم لا يحتملون أن جميع وسائل الإعلام كاذبة، وهكذا يؤثر العقل الجمعي على الإنسان فيصدّق ما سمعه.
لذا حارب الإسلام فن الشائعات بالفحشاء، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مثلاً شخص أحقد عليه شخصياً وأريد أن أسقطه من عين المجتمع، ماذا أفعل؟ أبدأها بإشاعة واحدة وستکبر بمرور الزمن كمًا وكيفيًا (أي مع بعض الإضافات) فتصبح الحبة قبة، وكأنها حقيقة واقعية مع أن أساسها كذبة، ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: « من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط في عيون الناس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ثم لا يقبله الشيطان « وفي رواية أخرى: « من بهت مؤمنًا أو مؤمنة أقامه الله يوم القيامة على تل من النار حتى يخرج مما قاله فيه « إذا إصدار الشائعات والأكاذيب على المؤمنين فن يحاربه الإسلام.
نظرية تأثير العقل الجمعي هي التي تؤثر على الإرادة، كيف؟ الأعراف على قسمين:
1/ أعراف وتقاليد حسنة. 
2/ أعراف وتقاليد سيئة.
أضرب لك أمثلة من واقع مجتمعنا:
مثال التقاليد السيئة: الحجاب المزين عادة متفشية في المجتمع، كل فتاة تقول: بنت خالتي وبنت عمي لبست كذا أنا أيضًا لازم ألبس مثلها! وهكذا، هذه الأعراف تقهر الإرادة، إذا أردت أن تصبح ذا إرادة، إذا أرادت الفتاة أن تصبح ذات إرادة قوية فعليها أن تتحرر من هذه الأعراف التافهة، ومن هذه الأعراف البالية ومن هذه الأعراف الفاسدة، تتحداها وتقف بكل صمود أمامها.
أو مثلا عيد الميلاد، يضعون موسيقى هادئة ويجلبون الهدايا ويشعلون الشموع، من أين أتت هذه العادة؟ لماذا نحن ضعفاء إلى هذه درجة؟ نتقبل أي عادة مستوردة وأي عرف مستورد وكأن مجتمعنا لا يملك أصالة ولا يملك جذور إسلامية ولا يملك جذور مذهبية، كأن مجتمعنا خال خاوي يستقبل أي شيء مستورد من الغرب؟ لماذا؟ لماذا هذا الشعور بالنقص؟ كلما رأينا عادة عند غيرنا مارسها الآخرون مارسناها، لماذا؟ نحن عندنا عقول، عندنا دين، عندنا قوانين تميز بين الأعراف الحسنة والسيئة، تُميز بين ما لَه سلبيات وما ليس لَه سلبيات.
مثال التقاليد الحسنة: في مقابل هذه العادة أذكر لك عادة حسنة رأيتها في بعض المجتمعات الإسلامية وهي الاحتفال بسن التكليف، البنت إذا أكملت تسع سنوات تصبح امرأة مكلفة تجب عليها الصلاة والصيام والحجاب والخمس وسائر الواجبات واجبة عليها بإجماع المسلمين، لا تقول: إنها صغيرة، الإسلام يقول هكذا، لكن كثير من الآباء يتهاونون في ذلك، لا يمنعوها من الاختلاط بالرجال ولا يأمروها بلبس الحجاب، إذا أكملت تسع سنوات توجد عادة في بعض المجتمعات الشيعية تحسس البنت بأنها أصبحت امرأة وتشجعها على الالتزام، يقيمون لها احتفالاً بأن تجلس مُحجّبة وتزورها صديقاتها والنساء، يقرؤون لها فضائل أهل البيت، يتحدثون لها عن زينب، يتحدثون لها عن فاطمة الزهراء، يتحدثون لها عن سكينة ورقية، كل امرأة تأتي تهديها هدية مناسبة، قرآن أو حجاب وهكذا، يجلس الأبوان يشجعانها على امتثال التكاليف ويعلمونها أنها امرأة تستطيع تأدية التكاليف كأي امرأة أخرى، هذه عادة حسنة، « من سَنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة «.
من العادات الحسنة التي أخبرني بها احد الأخوة الكويتيين مأتم الأطفال، مأتم خاص بالأطفال والخطيب فيه طفل أيضًا، عادة جدًا حسنة، أولا تزرع الثقة في نفوس الأطفال، ثانيًا تربطهم بشعائر أهل البيت منذ الصغر، تساعد في تخريج الخطباء وتعويدهم على الخطابة منذ الصغر.
إذًا الإنسان لابدّ أن يفكّر في العادات الأعراف، ويفرز العادات الحسنة عن غيرها، ويفرز الأعراف الحسنة عن غيرها، ويتبع ما هو الحسن، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ).
3- محاسبة النفس: هذه هي أهم الركائز، كيف يعني محاسبة النفس؟ ما معنى محاسبة النفس؟ نحن نعيش في غفلة، نحن مندرجون تحت قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) أنا أطلع من الصبح إلى العمل، أرجع تعبان، أتغذى وأنام، ثم أخرج إلى الديوانية في الليل، وهكذا تمر الأيام وأنا ناس لنفس،غافل عنها، الغفلة عن النفس ونسيان النفس مرض منتشر عندنا حتى في المتدينين، أين هي محاسبة النفس؟ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله يقول: « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا « لماذا لا أعد لمستقبلي؟ لماذا لا أعد لتلك الدار التي تنتظرني؟ لماذا لا أهيئ نفسي لذلك المكان الذي ينتظرني؟ هذا الممر الذي أمشي عليه في الدنيا ممر خطير، الدار الأساسية والمكان الأساسي هو ذلك الخط الطويل الذي ينتظرني، لماذا لا أعد ولماذا لا أتهيأ؟ التهيؤ لتلك الدار ولذلك المكان يكون بمحاسبة النفس، « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا «.
كيف أحاسب نفسي؟
 المحاسبة تكون بطريقين:
الطريق الأول أن أضع جدول، الساعة كذا أذهب إلى العمل، الساعة كذا أرجع من العمل، الساعة كذا أذهب إلى الجمعية، الساعة كذا أذهب إلى الديوانية، لماذا لدي جدول عمل في الأمور الحياتية فقط ؟ لماذا لا يكون عندي جدول عمل لعلاقتي مع الله؟ أضع جدول: الساعة الفلانية أقرأ خمسين آية من القرآن، الساعة الفلانية أقرأ دعاء الأحد، دعاء السبت، الساعة الفلانية أزور خالتي صلة للرحم، أزور عمتي صلة للرحم، وهكذا أضع جدول أعمال للطاعات والقربات، وهكذا يمكنني التخلص من مرض الغفلة. 
الطريق الثاني – وهو المهم – تأنيب النفس، إذا أذنبت يجب أؤنب نفسي وأوبخها، فهذا ضروري للتغيير، كثير من الناس إذا أذنب يقول لك: أنا أذنبت، والآن أنا نادم، لكني لماذا أعكر مزاجي، أنا لست أول واحد يذنب! كأن شيء لم يكن، لا، في الذنوب يجب أن توبخ نفسك وتكثر التأنيب والتوبيخ، أما سمعت الحديث: « المؤمن إذا أذنب كان ذنبه عنده كضخرة ثقيلة على صدره، والمنافق إذا أذنب كان ذنبه عنده كذبابة مرت على أنفه فأبعدها بيده « هذا شأن المنافق، الذي يستهين بالذنوب، ويستحقر الذنوب، يقول لك: ماذا أفعل؟ أذنبت يعني أذنبت لم أعكر مزاجي؟! لا يا أخي، إذا كانت هذه النفسية عندك سوف تعود للذنب مرة أخرى وثالثة ورابعة وعاشرة.
عليك أن توبخ نفسك وتكثر من التوبيخ في الخلوات، أنا أخلو خمس دقائق في اليوم أؤنب نفسي وأوبخها، وأتذكر ذنوبي واحدة واحدة، هذه العملية هي بداية التغيير، هذه بداية التطوير، هي بداية تكوين الإرادة، إذا خصصت خمس دقائق يوميًا لتأنيب نفسي وتوبيخها فسوف أتغير، وسوف أملك إرادة حديدية في مواجهة الشهوات والغرائز، أما إذا استرسلت مع العمل والنوم والأكل والراحة والديوانية وتناسيت الذنوب فسوف ترجع إلى الذنب مرة ومرات.
القرآن الكريم يقول: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) عندك ضمير، النفس اللوامة هي الضمير، حاول أن تستفيد منه، حاول أن توخم نفسك وتؤنبها، كما ورد عن أمير المؤمنين سلام الله عليه: « وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى « وورد الإمام الكاظم سلام الله عليه: « ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم « ليس فقط إذا سمعت الخطيب يحثك على المحاسبة تحاسب، لا، كل يوم، « ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم، فإن عمل حسنة استزاد منها وإن عمل سيئة استغفر الله وتاب إليه «.
فإذًا أكثر من التأنيب والتقريع والتوبيخ حتى تردع النفس وتبتعد عن المعصية والرذيلة، وهذه هي البطولة، النفس تشتهي أن تسمع الأغنية، فهل عندي إرادة أن أمنعها؟ النفس تشتهي أن تكذب، فهل عندي إرادة أن أمنعها؟ النفس تشتهي أن تنظر إلى المرأة الأجنبية الجميلة، فهل عندي إرادة أن أمنعها؟ النفس تشتهي أن تشاهد الفيلم الخليع، فهل عندي إرادة أن أمنعها؟ هنا البطولة، البطولة إذا كنت قادرًا على منع النفس، هذه هي البطولة الحقيقية.
ليـس من يقطع طريقًا بطلا
 إنــمـا مــن يــتــقـى الله الـبطـل
فــاتــقــي الله فــتــقـوى الله 
ما جاورت قلب امرئ إلا وصل
البطولة ليست البطولة في الرياضة وقوة العضلات وحمل الأثقال، وليست البطولة أن أكون طبيبًا معروفًا أو خطيبًا مشهورًا أو عالمًا كبيرًا أو إنسانًا مبرزًا، البطولة أن أقف مع النفس الأمارة بالسوء، (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) جاءت سرية إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تقول: يا رسول الله فرغنا من الجهاد، قال: «انتهيتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر، أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه».
الإنسان يقوي الإرادة بالتأنيب والتوبيخ ونسأل الله حسن العاقبة، الإنسان عليه أن يجاهد والله يهديه إلى حسن العاقبة، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك.
وهكذا إذا رجعت إلى التاريخ وجدت كثيرًا من الناس تغيرت أوضاعهم بضعف الإرادة أو بقوة الإرادة، لاحظ كمثال حي عمر بن سعد والحر بن يزيد الرياحي....
وصلى اله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

‹ واحة المحاضرات المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري ›