مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي


بسم الله الرحمن الرحیم
مُقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. (1)
 مُعْجِزةُ الإسراءِ والمعراجِ ثابتةٌ بنص القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وإن كان العقل الآدمي لا يستطيع أن يستوعبها، ولكنّها حدثت بالفعل للحبيب المصطفى|حيثُ جرى استقبالٌ عظيمٌ ومهيبٌ، لذلك القادم الذي شرَّفَ ذلك العالم بحضوره وصلّى بملائكة السماء، وصلى َّخلفه الأنبياء^.
يقول الإمام الباقر×:لمَّا عُرِجَ برسول الله|إلى السماء فبلغ البيت المعمور وحضرت الصلاة فأذَّن جبرئيل×وأقام فتقدَّم رسول الله|وصفَّ الملائكة والنبيّون خلفه وصلّى بهم). (2)
وعن الإمام الرضا×:من لم يُؤمن بالمعراج فقد كذبَ رسول الله|.(3) 
والاعتقاد بهذا الرحلة العظيمة  من ضروريات الدين، ولذا قال الإمام الصادق×ليس منَا من أنكر أربعة: المعراج، وسؤال القبر، وخلق الجنَة والنار، والشفاعة.(4) 
  ولم تكن هذه الرِّحلة حدثاً عادياً عابراً، وإنما كان بمثابة تكريم لأفضل مخلوق في الكون يقول العلامة المحقق سماحة الشيخ علي الكوراني حفظه الله تعالى في موسوعته جواهر التاريخ: كأنه برنامج ربّاني للنّبي|لِيُريه الله تعالى من ملكوته وآياته الكبرى وقد أُسري به من مكة إلى الكوفة ثم إلى بيت المقدس إشارة إلى أنه وارث آد م ونوح وإبراهيم^.(5)
وقد يسأل البعض مافائدة الخوض في مثل هذه المواضيع؟ 
أقول: إنَّ رحلة الإسراء والمعراج تُشكِّل في عقيدتنا جوانب مهمة:
أولاً: مما يدلّ على أهمّيته ذِكْرُهُ في القرآن الكريم، في مطلع سورة الإسراء وسورة النجم المباركتين.
ثانياً: دلَّت الأحاديث المتواترة على عظمة هذه الرحلة، وقد روتها كل مصادر المسلمين، ولو جُمعت لكانت مجلدين كبيرين.
ثالثاً: ينبغي أن تعريف الأجيال بها ليعرفوا عظمة نبيِّهم| الذي ينتمون إليه وأنه ليس كما يُصوّرُه بعض المنحرفين كأتباع ابن تيمية وبعض الفرق الإسلامية البعيدة عن الواقعية بأنه|كان يعقد مجالس الغناء ويبول واقفاً «وأمثال ذلك من الروايات الموضوعة للحطِّ من مكانته ومقامه وحاشاه من ذلك فهذه الصفاة لاتليق بأبسط إنسان فكيف بسيد الكائنات و الموجودات على الإطلاق، وإذا قمنا بدراسة الجو العام لحال المسلمين، والدعوة الإسلامية عموماً، في ذلك الوقت، نعرف أن هذه المعجزة حدثت لغرضٍ مهمّ بالإضافة إلى أغراض اُخرى منها تمحيص قلوب المؤمنين، ليثبت قويُّ الإيمان ويظهر ضعيفُ الإيمان، وينكشف أمرُه، وخصوصاً أن الله سبحانه يعدُّ المسلمين لحدثٍ عظيم بعد عامٍ واحد هو الهجرة الكبرى من مكة إلى المدينة لتأسيس أعظم مجتمع إسلامي عرفته البشرية على الكرة الأرضية.
رابعاً: تثبيت الإيمان بالغيب في النفوس في عصرٍ طغت فيه المادة وسيطرت على القلوب لأن إيماننا لا ينحصر بما نشعر به بحواسنا المادية ليكون المؤمنون كما قال أميرهم×(عظُمَ الخالق في أنفسهم فصَغُرَ مادونه في أعيُنهم).
خامساً: أنها غيبٌ من جملة الغيوب التي يجب على المسلم أن يُصدِّق بها ويثق فيها مطلقاً وهذه المعجزة إذا ناقشناها، فإنّما نناقشها لإثبات استحالة وقوعها لبشرٍ عادي، بكل المقاييس العلمية، أو حتى بتطبيق الفروض أو النظريات وإلّا لانتفت صفتها كمعجزة، ولأمكن للإنسان العادي أن يُحققها عن طريق استخدامه لأية طاقات أو سبل يخترعها العلم بمرور الزمن. 
سادساً: إنَّ هذه المعجزة كانت عبارة عن رحلتين أرضية وسماوية الأولى بين مسجدين وهما المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو أحب بيوت الله تعالى في أرضه،، وثانيهما هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، وقد كانت القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم منذ ذلك الوقت إلى آخرالزمـان.

ما هو الإسراء والمعراج؟
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَالسَّمِيعُ الْبَصِيرُ}..
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالآفُقِ الأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَايَغْشَى.مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى.لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}. 
الإسراء: سفر النّبي|من مكّة الى الكوفة ثمّ الى بيت المقدس، إشارة الى أنه وارث آدم ونوح وإبراهيم^.
والمعراج: عروجه| الى السماء. وكان ذلك في أوائل البعثة، وكأنَّه برنامج أعدد له|ليريه الله تعالى جوانب من ملكوته وآياته الكبرى.
وروُي عن أهل البيت^أنه كان مرات متعددة، فعن الإمام الصادق×: (عُرِجَ بالنبيِّ|إلى السماء مائةً وعشرين مرةً)..
قال المفسرون واللغويون: السُّرى هو السير بالليل فقط لكن قوله تعالى: أسرى بعبده ليلاً. يدلُّ على أن الإسراء مطلق السير ولذا قال: ليْلاً. 
 وتبلغ أحاديث الإسراء والمعراج في مصادر الطرفين نحو ألف صفحة، ولايتّسع هذا الكتاب إلا القليل منها.
عن ثابت بن دينار قال: سألت زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب×عن الله جلّ جلاله هل يوصف بمكان؟ فقال: تعالى الله عن ذلك. قلت: لِمَ أسرى بنبّيه محمد|إلى السماء؟ قال: ليُريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صُنعِهِ وبَدائِعِ خَلقه. قلت: فقول الله عز وجل: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى؟ قال: ذاك رسول الله| دَنا مِن حُجُب النور فرأى ملكوت السماوات، ثُمّ تَدَلّى فَنَظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظنّ أنّه في القُرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى). 
وفي الاحتجاج: أن يهودياً  قال لأمير المؤمنين×:هذا سليمان قد سُخرت له الرياح فسارت به في بلاده غُدُوُّها شهر ورواحُها شهر؟ قال له×: لقد كان ذلك، ومحمد| أعطي ما هو أفضل من هذا، إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعُرِجَ به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، في أقل من ثلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش فدنا بالعلم، فتدلّى من الجنة على رفرف أخضر، وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربَّه عزّ وجل بفُؤاده ولم يَرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينها  و بينه أو أدنى).
كم مرة عُرج برسول الله|؟
  المشهور أن الإسراء والمعراج بالنّبي| كان مرة واحدة، ولكن من مجموع الروايات الشريفة نفهم أنه كان متعدّداً،وقيل إن الإسراء كان مرتين مرة بروحه مناماً، ومرة بروحه وبدنه يقظة. ومنهم من يدعي تعدّد الإسراء في اليقظة أيضاً، حتى قال بعضهم: إنها أربع إسراءات. وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة، ووفَّق الشيخ شهاب الدين أبو شامة في روايات حديث الإسراء بالجمع المتعدد، فجعل ثلاث إسراءآت، مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السماء على البراق أيضاً. ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات).
  ورجّح بعض علمائنا أنه كان مرتين وروت مصادرنا: (عن ابن عباس أن المعراج كان مرتين، مرة من المسجد الحرام ومرة من بيت أم هاني: (ليلة الإثنين في شهر ربيع الأول بعد النبوّة بسنتين، فالأوّل معراج العجائب، والثاني معراج الكرامة). 
  وعن علي بن أبي حمزة قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله× وأنا حاضر فقال: جُعلت فداك كم عُرج برسول  الله|؟ فقال: مرتين فأوقفه جبرئيل مَوقفاً فقال له: مكانك يا محمد، فلقد وقفت موقفاً ما وقفه ملك قَطُّ ولا نبي... وكان كما قال الله عزّوجل قاب قوسين أو أدنى! فقال له أبو بصير: جُعلت فداك ما قاب قوسين أو أدنى؟ قال: ما بين سِيَتِهَا إلى رأسها (سية القوس طرفها) فقال: كان بينهما حجاب يتلألأ يخفق، وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة، فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد، قال: لبيك ربي قال: من لأمّتك من بعدك؟ قال: الله أعلم. قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغُر المُحَجَّلين.  قال ثم قال أبو عبد الله لأبي بصير: يا أبا محمد والله ما جاءت ولاية علي×من الأرض، ولكن جاءت من السماء).
   وروته مصادرنا بسندٍ قوي عن الإمام الصادق×قال:(عُرج بالنبي| إلى السماء مئةً وعشرين مرةً، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي| بولاية علي× والأئمّة^من بعده، أكثر مما أوصاه بالفرايض،ويُؤيّد ذلك أن أحاديث المعراج لايمكن تفسيرها إلا بتعدّده.
هل كان الإسراء المعراج بالروح والجسم معاً؟
يرى البعض أن الإسراء قد كان بالروح فقط في عالم الرؤيا، ولكن الصحيح هو ما ذهب إليه الإمامية ومعّظم المسلمين من أنّ الإسراء إنّما كان بالروح والجسد معاً. كما هو ظاهر الآيات والأحاديث.
كقوله تعالى: {عَلَّمَه شَديد القوَى ذو مرَّة فاستَوَى وهو بالافق الأعلى ثمَّ دَنَا فتَدَلَّى فكَانَ قَابَ قَوسَين أَو أَدنَى فأَوحَى إلَى عَبده مَا أَوحَى مَا كَذَبَ الفؤَاد مَا رَأَى أََفتمَارونَه عَلَى مَا يَرَى وَلَقَد رَآه نَزلَةً أخرَى عندَ سدرَة المنتَهَى عندَهَا جَنَّة المَأوَى إذ يَغشَى السّدرَةَ مَا يَغشَى مَا زَاغَ البَصَر وَمَا طَغَى لَقَد رَأَى من آيَات رَبّه الكبرَى} 
  وروي أنه لمّا وصل إلى العرش أتاه النداء من العلي الأعلى: يا محمد أدنُ من صاد  وتوضأ لصلاة الظهر،و أن جبرئيل×خاطبه وقال: يا محمد لقد وطأت موطأ ما وطأه قبلك أحد، لا مَلك مقرّب ولا نبيّ مرسل. وروي أن جبرئيل×تخلف عن النبي|قبل مناجاة الرب معه.

وقوله سبحانه بعبده يدلّ على أن الإسراء كان بالجسد لأنّ العبد إسم لمجموع الجسد والروح.
والذين أفرطوا في الجانب الروحي وترهْبنوا، إختلفوا فيما بينهم حول كون المعجزة تمَّت بالروح فقط، أو بالجسد، أو بهما معاً؟ وقد رددنا على هؤلاء وأولئك، وأثبتنا أنّ المعجزة تمّت بالرّوح والجسد معاً، لأنَّهما إن حدثتا له بالروح فقط ما استحقت أن تكون معجزة، فالرؤيا الصادقة تحدث للصالحين من غير الأنبياء والرسل، والإنسان العادي يرى في منامه كل شيء لا يستطيع أن يبلغه في صحوه، فهو في منامه يطير ويتجوّل في أماكن بعيدة ومناطق فسيحة، ويحصل على آمال وينال مطالب في أحلامه فقط.
ولذلك قال الشاعر أحمد شوقي:
يتساءلون وأنت أطهر هيكل
الروح أم بالهيكل الإسـراء
بهما سموت مطهرين كلاهما
   نـور وروحـانيـة وبهـاء
أغراض وأهداف رحلة «الإسراء والمعراج «
ونحن إذ نتحدث عن هذه الرحلة المباركة فإننا لم نجد فيما توصّل إليه الإنسان في زماننا الحالي اكتشافا ًأو اختراعا ًيُستدَلْ بهِ على تقريب فهم هذا الحدث الجلل لغير المسلمين، اللّهم إلا تحوُّل المادة إلى طاقة وبالعكس، ولكنّنا نُكرِّرْ القولَ بأنه إذا كان كلٌ من الإسراء والمعراج معجزة، فهي ليست للتحدّي، ولكنّها وقعت وحدثت لأعظم مخلوق في الكون بل سيّد ما في هذا الكون، ويمكن أن نوجز بعض أهداف وأغراض هذه الرحلة:
أولاً: توالت على النّبي | قُبيل حادثة الإسراء والمعراج المتاعب من  قريش، وتصدِّيهم لدعوته وإنزال الأذى والضرر به وبمن إتَّبعوه من أهل مكّة بالجزيرة العربية. ومن هنا كان إنعام الله تعالى على عبده ورسوله محمّد|بهذه المعجزة العظيمة تطييباً لخاطره وتسريةً له عن أحزانه وآلامه... ثمّ ليشهد فيها من عجائب المخلوقات وغرائب المشاهد ما تدُقُّ خفاياها عن القلوب والأفهام... 
ثانياً: لمّا كان الإسراء - وكذلك المعراج - خرقاً لأمور طبيعية ألفَها الناس، فقد كانوا يذهبون من مكّة إلى الشام في شهر ويعودون في شهر، لكنّه| ذهب وعاد وعُرج به إلى السماوات الأعلی، وكل هذا وذاك في أقل من ثلث ليلة... فكان هذا شيئاً مُذهل، أي أنه كان امتحاناً واختباراً للناس جميعاً، وخاصّة الذين آمنوا بالرسالة الجديدة، فصدَّق أقوياءُ الإيمان وكذَّب ضِعاف الإيمان وارتدَّ بعضهم عن إسلامهم. وهكذا تكون صفوف المسلمين نظيفة، ويكون المسلمون الذين يعدهم الله تعالى للهجرة أشخاصاً أتقياء أنقياء أقوياء، لهم عزائم متينة وإرادة صلبة، لأن الهجرة تحتاج أن تتوفر لديهم هذه الصفات... 
ثالثا: كان ضمن ما ورد على لسان رسول الله|أنه حينما وصل إلى بيت المقدس التفَّ حوله جميع الأنبياء والرسل، واصطفّوا وقدّموه للإمامة، وصلىّ بهم... وإن هذا ليُعدُّ احتفالاً بميراث النبوة الذي انتقل إلى خاتم الأنبياء والرُسل، وهو محمد بن عبد الله|، وانتقل بذلك من ذرية إسحاق إلى ذرية إسماعيل أبي العرب. ويعد هذا أيضاً دليلاً واضحاً على عالمية الرسالة الإسلامية، وأن الإسلام هو الدين الشامل المحتوي لكل الشرائع والعقائد السماوية السابقة، ولذا فهو خاتم الرسالات التي أنزلها الله إلى البشر لهدايتهم. وإضافة إلى هذا وذاك، فإن اجتماع الرسول بكل الأنبياء والرسل وصلاته بهم دليل على أن كافّة الشرائع السماوية جاءت من أجل تحقيق هدف واحد، هو عبادة الله وحده لا شريك له، إلها ًواحداً أحداً..
رابعاً: لقد كان العروج من بيت المقدس ولم يكن من مكّة، ذا دلالات، إحداها الأمر بنشر الإسلام وتوسعة إطاره، وذلك لأنه الدين الخاتم الشامل الجامع الذي ارتضاه الله سبحانه للناس كافة على اختلاف أجناسهم وألوانهم وشعوبهم ولغاتهم... وفيه أيضاً أمرٌ ضمني بنبذ الخلاف فيما بين المسلمين، بل الأمرُ بتوحدهم واجتماع مصالحهم.
خامساً: يُعتبر فرض الصَّلاة،بهيئتها المعروفة وعددها وأوقاتها اليومية المعروفة على المسلمين في رحلة المعراج دليلاً على أن الصلاة صلة بين العبد وربّه، وهى معراجه الذي يعرجُ عليه إلى الله سبحانه وتعالى بروحه، وأنّها الوقت الذي يناجي العبد فيه ربّه. فالصلاة إذن عماد الدين، ومن تركها وأهملها فكأنه هدم دينه وأضاعه... وهذه الصلاة بهيئتها الحركية أفضل الحركات لمصالح الجسد الصحية، إضافة إلى معطياتها النفسية والروحية. 
وختاماً: فإننا لا نستطيع إحصاءَ ما للإسراء والمعراج من فضائل وفوائد،، ولابدّ من التأكيد مرة أخرى على أن معجزة  الإسراء والمعراج،معجزة لم يتحدَّ الله عزّوجل بها البشر، لأن البشر لن يفكّروا مطلقاً في الإتيان بمثلها، أو بما يشابهها، مهما بلغت قُواهم وارتقت عقولهم وتطّورت مخترعاتهم... وإنما هي معجزة لاختبار قوة العقيدة وتمحيص قلوب المؤمنين، فمن كان إيمانه قوياً صدَّق ومن كان غير ذلك كذَّب أو استكثر حدوث ما حدث... 
يقول الشيخ مكارم الشيرازي (دامت بركاته) في الأمثل:
من  المعروف والمشهور بين علماء الإسلام أنَّ رسول الله| عندما كان في مكّة! أسرى به الله تبارك وتعالى بقدرته من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومن هناك صعد به إلى السماء «المعراج» ليرى آثار العظمة الرّبانية وآيات الله الكبرى في فضاء السماوات، ثمّ في نفس الليلة إلى مكّة المكرمة.
ولكن العجيب ما يحاوله البعض من توجيه معراج الرسول| بالمعراج الروحي والذي هو حالة شبيهة بالنوم أو «المكاشفة الروحيّة» ولكن هذا التوجيه -كما أشرنا- لا ينسجم إطلاقاً مع ظواهر الآيات، بل هو مخالف لها، إذ يدلّ على أنَّ القضيّة تمت بشكلٍ جسمي حسّي.
وهذا الأمر يدلّ على أنّ واحداً من أهداف هذا السفر السماوي الإستفادة من النتائج العرفانيّة والتربويّة لهذه المشاهدات، والتعبير القرآني العزير {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} النجم/18 يمكن أن يكون إشارة إجمالية لجميع الأمور.
إنّ هدف المعراج لم يكن تجوالاً للرّسول| في السماوات للقاء الله كما يعتقد السذّج، وكما نقل بعض العلماء الغربيين ـ ومع الأسف ـ لجهلهم أو لمحاولتهم تحريف الإسلام أمام الآخرين، ومنهم (غيور غيف) الذي يقول في كتاب (محمد رسول ينبغي معرفته من جديد، ص120)، (بلغ محمد في سفر معراجه إلى مكان كان يسمع فيه صوت قلم الله، ويفهم أنّ الله منهمك في تدوين حساب البشر! البشرومع أنّه كان يسمع صوت قلم الله إلاّ أنّه لم يكن يراه! لأنّ أحداً لا يستطيع رؤية الله وإن كان رسولاً).
وهذا يُظهر أن القلم كان من النوع الخشبي! الذي يهتزّ ويولد أصواتاً عند حركته على الورق!! وأمثال هذه الخرافات والأوهام.
كلا. فالهدف كان مشاهدة الرّسول| لأسرار العظمة الإلهية في أرجاء عالم الوجود، لا سيّما العالم العلوي الذي يشكل مجموعة من براهين عظمته، وتتغذى بها روحه الكريمة وتحصل على نظرة وإدارك جديد لهداية البشرية وقيادتها.
ويتّضح هذا الهدف بشكل صريح في الآية الأولى من سورة الإسراء، والآية (18) من سورة النجم.
وهناك رواية أيضاً منقولة عن الإمام الصادق× في جوابه على سبب المعراج. أنّه قال× «إن الله لا يُوصَفُ بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزَّ وجلّ أراد أن يُشرف به ملائكته وسكّان سماواته، ويُكرمَهم بمشاهدته، ويُريه من عجائب عظمته ما يُخبر به بعد هُبُوطه».
وكما ذكرنا آنفاً فإنّ الجنّة والنّار اللتين رآهما النّبي|في معراجه والأشخاص الذين كانوا منعّمين أو معذّبين فيهما لم تكونا جنّة القيامة ونارها، بل هما جنّة البرزخ وناره، لأنّه طبقاً لآيات القرآن فإنّ الجنّة والنّار تكونان بعد يوم القيامة والفراغ من الحساب معدّتين للمتّقين والمسيئين.
وأخيراً وصل النّبي إلى السماء السابعة ورأى حجُباً من النور هناك حيث «سدرة المنتهى وجنّة المأوى» وبلغ النّبي هناك وفي العالم النوراني أوج الشهود الباطني والقرب إلى الله قاب قوسين أو أدنى... وخاطبه الله هناك وأوحی إليه تعاليم مهمّة وأحاديث كثيرة نراها اليوم في الرّوايات الإسلامية تحت عنوان الأحاديث القدسيّة، وسنعرض قسماً منها بإذن الله في الفصل المقبل.
الطريف هنا هو أنّ الرّوايات الكثيرة تصرّح بأنّ النّبي| رأى أخاه وابن عمّه علياً في مراحل مختلفة من معراجه بصورة مفاجئة، وما نجده من التعابير في هذه الرّوايات كاشف عن مدى مقام علي وفضله بعد النّبي| وعلى الرغم من كثرة الرّوايات في شأن المعراج فهناك تعابير مغلقة ذات أسرار ليس من الهيّن كشف محتواها وهي كما يصطلح عليها من الرّوايات المتشابهة... أي الرّوايات التي ينبغي إحالة تفسيرها على أهل بيت العصمة!
وقد ذكرت كتب أهل السنّة روايات المعراج بشكل موسّع بحيث نقل ثلاثون راوية من رواتهم حديث المعراج.

إمكانية المعراج علمياً
وهنا ينقدح السؤال التالي وهو: كيف تمّ كلّ هذا السفر الطويل وهذه المشاهدات العجيبة والمتنوّعة والأحداث الطويلة في ليلة واحدة، بل في جزء منها؟!
ولكن يتّضح الجواب على السؤال بملاحظة أنّ سفر المعراج لم يكن سفراً بسيطاً كالمعتاد حتّى يقاس بالمعايير المعتادة! فلا السفر كان طبيعياً ولا وسيلته وركوبه ولا مشاهده ولا أحاديثه ولا المعايير الواردة فيها كمعاييرنا المحدودة والصغيرة على كرتنا الأرضيّة فكلّ شيء كان في المعراج خارقاً للعادة! وكان وفق مقاييس خارجة عن زماننا ومكاننا.
فبناءً على هذا لا مجال للعجب أن تقع كلّ هذه الأمور بمقياس ليلة أو أقل من ليلة من مقاييس ـ الكرة الأرضيّة ـ الزمانية.
ويذكرصاحب تفسير الأمثل أيضاً، بعض الشبهات  العلمية التي تقف دون إمكانية المعراج علمياً، ويجيبُ عليها سماحته ويُناقشها إرتأيتُ ذكرُها هنا لتتم بها فائدة هذا البحث المتوخّاة وكما يقول القرآن الكريم (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) وهذه الشبهات يمكن تلخيصها كما يلي: 
أوّلاً: إنّ أوّل ما يواجه الذي يريد أن يجتاز المحيط الفضائي للأرض إلى عمق الفضاء هو وجوب الإنفلات من قوة الجاذبية الأرضية، ويحتاج الإنسان للتخلّص من الجاذبية إلى وسائل استثنائية تكون معدّّل سرعتها على الأقل (40) ألف كيلومتر في الساعة.
ثانياً: المانع الآخر يتمثل في خلو الفضاء الخارجي من الهواء، الذي هو القوام في حياة الإنسان.
ثالثاً: المانع الثالث يتمثل بالحرارة الشديدة الحارقة (للشمس) والبرودة القاتلة، وذلك بحسب موقع الإنسان في الفضاء من الشمس.
رابعاً: هناك خطر الإشعاعات الفضائية القاتلة كالأشعة الكونية والأشعة ما وراء البنفسجية وأشعة إِكس، إذ من المعروف أنّ الجسم يحتاج إلى كميات ضئيلة من هذه الإشعاعات، وهي بهذا الحجم لا تشكّل ضرراً على جسم الإنسان ووجود طبقة الغلاف الجوي يمنع من تسربها بكثرة إلى الأرض، ولكن خارج محيط الغلاف الجوّي تكثُر هذه الإشعاعات إلى درجة تكون قاتلة.
خامساً: هناك مُشكلة فقدان الوزن التي يتعرض لها الإنسان في الفضاء الخارجي، فمن الممكن للإنسان أن يتعوَّد تدريجياً على الحياة في أجواء انعدام الوزن، إلاّ أنَّ انتقاله مرّة واحدة إلى الفضاء الخارجي -كما في المعراج- هو أمرٌ صعب للغاية، بل غير ممكن.
سادساً: المشكلة الأخيرة هي مشكلة الزمان، حيث تؤكد علوم اليوم على أنَّه ليست هناك وسيلة تسير أسرع من سرعة الضوء، والذي يريد أن يجول في سماوات الفضاء الخارجي يحتاج إلى سرعة تكون أسرع من سرعة الضوء!
في مواجهة هذه الشبهات:
أولاً: في عصرنا الحاضر، وبعد أن أصبحت الرحلات الفضائية بالإستفادة من معطيات العلوم أمراً عادياً، فإنَّ خمساً من المشاكل الست الآنفة تنتفي، وتبقى -فقط- مشكلة الزمن. وهذه المشكلة تثار فقط عند الحديث عن المناطق الفضائية البعيدة جداً.
ثانياً: إنَّ المعراج لم يكن حدثاً عادياً، بل أمرٌ إعجازي خارق للعادة ثمّ بالقدرة الإلهية. وكذلك الحال في كافة معجزات الأنبياء^ وهذا يعني عدم استحالة المعجزة عقلاً، أمّا الأمور الأخرى فتتمّ بالإستناد إلى القدرات الإلهية.
وإذا كان الإنسان قد استطاع باستثمار لمعطيات العلوم الحديثة أن يوفَّر حلولاً للمشكلات الآنفة الذكر، مثل مشكلة الجاذبية والأشعة وانعدام الوزن وما إلى ذلك، حتى أصبح بمستطاعه السفر إلى الفضاء الخارجي.. فألا يمكن لله ـ عزّ وجل خالق الكون، صاحب القدرات المطلقة- أن يوفَّر وسيلة تتجاوز المشكلات المذكورة؟!
إنّنا على يقين من أنًّ الله تبارك وتعالى وضع في متناول رسوله| مركباً مناسباً صانهُ فيه عن كل المخاطر والأضرار في معراجه نحو السماوات، ولكن ما اسم هذا المركب هل هو «البراق» أو «رفرف»؟ وعلى أي شكلٍ وهيئة كان؟ كل هذه الأمور غامضة بالنسبة لنا، ولكنّها لا تتعارض مع يقيننا بما تمَّ، وإذا أردنا أن نتجاوز كل هذه الأمور فإنَّ مشكلة السرعة التي بقيت -لوحدها- تحتاج إلى حلّ، فإنَّ آخر معطيات العلم المعاصر بدأت تتجاوز هذه المشكلة بعد أن وجدت لها حلولاً مناسبة بالرغم ممّا يؤكّده «إنشتاين» في نظريته من أن سرعة الضوء هي أقصى سرعة معروفة اليوم.
إنّ علماء اليوم يؤكدون أن الأمواج الجاذبة لا تحتاج إلى الزمن، وهي تنتقل في آنٍ واحد من طرفٍ من العالم إلى الطرف الآخر منه وهناك احتمال مطروح بالنسبة للحركة المرتبطة بتوسّع الكون (من المعروف أنَّ الكون في حالة اتساع وأنّ النجوم والمنظومات السماوية تبتعد عن بعضها البعض بحركة سريعة) إذ يلاحظ أنَّ الأفلاك والنجوم والمنظومات الفضائية تبتعد عن بعضها البعض وعن مركز الكون إلى أطرافه، بسرعة تتجاوز سرعة الضوء!
إذن، بكلام مُختصر نقول: إنَّ المشكلات الآنفة ليس فيها ما يحول عقلاً دون وقوع المعراج، ودون التصديق به، والمعراج بذلك لا يعتبر من الحالات العقلية، بل بالإمكان تُذليل المشكلات المثارة حوله بتوظيف الوسائل والقدرات المناسبة.
وبذلك فالمعراج لا يعتبر أمراً غير ممكن لا من وجهة الأدلة العقلية، ولا من وجهة معطيات وموازين العلوم المعاصرة. وهو بالإضافة إلى ذلك أمرٌ إعجازي خارق للعادة. لذلك، إذا قام الدليل النقلي السليم عليه فينبغي قبوله والإيمان به.   انتهى كلام الشيخ دام ظله.
فنقول إنَّ السرعة والقدرة اللتان لا يستطيع الإنسان - مهما أوتي من علوم وتكنولوجيا - أن يحددهما، وذلك في الشق الثاني من المعجزة وهو « الرحلة العُلوية «، أي: الصعود من حيث انتهت الرحلة الأرضية إلى الأعلى في رحلة سماوية اخترق رسول الله| بها طبقات الجو كلها وعبر أرجاء الكون إلى سماء لا ولن يستطيع الإنسان أن يصل إلى تحديد أي شيىء فيها، ولن يعرف عنها أي شيء سوى ما أخبره به القرآن الكريم... فالماديّون (قديماً وحديثاً) يُقيسون كل شيء بالطول والعرض والعمق، بما لديهم من مقاييس معروفة، ويزنون كل شيء بأثقال ٍمتفقٌ عليها فيما بينهم، فإذا صادفوا غير ذلك في حياتهم، حجما أو وزناً، أنكروه ورفضوه. وهكذا أنكر الماديّـون  معجزة الإسراء والمعراج  جملةً وتفصيلاً، لأنّها لا تَخضع لقوانينهم وموازينهم... إنتهى.
قبل الختام
وقبل أن نغادر الرحلة نودّ القول بأن الذين يستبعدون حدوث الإسراء (ناهيك عن المعراج) عليهم أن يبحثوا في الأحداث السابقة لتاريخ هذه المعجزة، ليقرأوا من مصادر موثوقة (وأقواها بالطبع هو كتاب الله المجيد) عدداً من الأحداث أو الحوادث كإنتقال عرش بلقيس من مملكة سبأ باليمن (جنوب الجزيرة العربية) إلى حيث كان يقيم رسول الله سليمان× في الشام (شرق البحر المتوسط). فتفقَّدَ سلیمان× قدرات من حضر مجلسه (جناً وإنساً) وإمكاناتهم في إتمام هذه المهمة، فقال له عفريتٌ من الجن: أنا آتيك به من اليمن إلى الشام قبل أن تقوم من مقامك. وقال آخر  آتاه الله العلم والقدرة من لدنه: أنا آتيك به قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك!! وبالفعل، جاء هذا الذي آتاه الله تعالى العلم والقدرة بعرش بلقيس في زمن لم يتعد طرفة عين، ولا يعرف أحد ٌحتى الآن كيف تم تنفيذ هذه المعجزة الخارقة. ومن نافلة القول: إن سليمان بن داود ‘كان هو وأبوه نبيّين أنعم الله تعالى عليهما بالنعم الكثيرة، وكان سليمان× يأتي الخوارق كثيراًَ، ويحمد ُالله تعالى في كل مرة أن سخَّر له الكون وأخضع له الظواهر الطبيعية وخرق النواميس الكونية... 
إن الكون الذي يستطيع الإنسان أن يبصر بعض أطرافه كون فسيح ضخم، بالرغم من أنه بكل ما يحتوي لا يمثل سوى السماء الأولى فقط، فلا نعلم ولا يعلم أحد مهما أوتى من العلم - إلا أن يكون نبيّ أو رسول يتلقى الوحي - عن غير هذه السماء شيء، سواء كانت السماء الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو... إلخ. 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن فكرة الإله الذي يحتل مكاناً محدداً من الكون فكرة لا تّتفق مع العقل الصحيح أو المنطق القويم، بل ربمّا نُعتبر - نحن أهل الكوكب الأرضي - أناساً في سماء أخرى بالنسبة لمخلوقات غيرنا تعيش في كوكب أو مكان لا نعلمه نحن في مجـرتنا أو في مجرة أخرى من مجرات الكون الفسيح...!! إذن فالخالق العظيم، أي: الله الواحد المالك المدبّر، له قوة مطلقة ولا يستطيع أحد أن يحدّد له سبحانه مكاناً أو زماناً، بل هو سبحانه موجود قبل أن يكون هنالك زمان أو مكان... 
جانب من إيحاءات الله وكلماته لرسوله في ليلة المعراج
إنّ النّبي| سأل الله سبحانه: يا ربّ أيّ الأعمال أفضل؟!
فقال تعالى: «ليس شيء عندي أفضل من التوكّل عليّ والرضا بما قسمت، يا محمّد! وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ ووجبت محبّتي للمتعاطفين فيّ ووجبت محبّتي للمتواصلين فيّ، ووجبت محبّتي للمتوكّلين عليّ وليس لمحبّتي علم ولا غاية ولا نهاية».
وهكذا تبدأ الأحاديث من المحبّة، المحبّة الشاملة والواسعة، وأساساً فإنّ عالم الوجود يدور حول هذا المحور!
وجاء في جانب آخر: «يا أحمد فاحذر أن تكون مثل الصبي إذا نظر إلى الأخضر والأصفر أحبّه وإذا أعطي شيء من الحلو والحامض اغترّ به، فقال: يا ربّ دُلّني على عمل أتقرّب به إليك قال: اجعل ليلك نهاراً ونهارك ليلاً قال: ربّ كيف ذلك؟ قال: اجعل نومك صلاة وطعامك الجوع.
كما جاء في مكان آخر منه: يا أحمد محبّتي محبّة الفقراء فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك أُدنِكَ وبعّد الأغنياء وبعّد مجلسهم منك فإنّ الفقراء أحبّائي.


‹ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات ›