مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر
السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر - السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات


بسم الله الرحمن الرحیم
من الأمور التي صارت ملاك الحق ومظهر الحرية الإجتماعية والديمقراطية في هذا الزمان هو رأي الأكثرية والتصويت العام والانتخابات.
ليست الأكثرية ملاك الحق:
إنّ البشرية مهما أخذوا فيها بالتدقيق وجمع آراء العقلاء ورعاية الأكثرية فهي غير ضامنة لدوام الصواب، فإنّ كل أحد يعلم أن علم البشر ومبلغ عقولهم مهما كان فهو محدود قد يكثر فيه الخطأ الكبير. مع أن بعض البشر غير مبرئين عن مداخلة الأهواء والتعصب في التشريع وغيره.
إنّ الأكثرية غير معصومة عن الخطأ، فمن الجائز أن تختار رجلاً لا تتوافر فيه صفات الإمام من العلم والخُلق، فتعم الفوضى والفساد.
وقد نص القرآن على سقوط رأي الأكثرية في كثير من الآيات وذم الأكثرية وأنّ الشيطان معهم:
﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ...﴾ .
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.
﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾.
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾.
﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾.
﴿ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾.
﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾.
﴿ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾.
ومدح في قباله الأقلية وبينت أنّ القلة ليست من علامات البطلان ولا يمنع القلة أن يكون الحق معها قلتها وذلك لميل طباع الأكثرية إلى الفساد.
﴿ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ.. ﴾.
﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ﴾.
﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ* فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ ﴾.
﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِين﴾.
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
﴿ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيل﴾.
﴿فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾.
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون﴾.
﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾.
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾.
﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾.
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُو﴾.
﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾.
وغير هذه من الآيات الذامة للأكثرية والمادحة للأقلية.
بل مهما كان الاختيار دقيقاً فسوف لا يكون معصوماً وإن كان بإشراف من المعصوم ما دام لغير المعصوم فيه دخل أو لم يكن مستنداً إلى الوحي، قال الله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.
وقد يقول قائل: كيف أنّ الله سبحانه يدخل هذه الأعداد الكثيرة من المسلمين النار؟
ولكننا إذا طالعنا القرآن نجده يقول في موضوع القلة والكثرة.
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾.
وقال عز من قائل في قصة نوح×: ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾.، ثم عم العذاب الأكثرية.
وفي قصة إبراهيم× قال عز من قائل: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾.
وفي قصة لوط قال تعالى: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾.

وفي قصة عيسى قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، وكانوا إثني عشر نفساً.
لا ريب أنّ أهل السنة أكثر عدداً من الشيعة، ولكن الأكثرية العددية لا تكون دليلاً على الحقيّة فضلاً عن الأحقيّة، فتقديم عمل الأكثريّة وكذلك قولها ورأيها لا دليل عليه لا عقلاً ولا شرعاً، ولو كانت الأكثرية ـ بما هي ـ دليلاً على الحق والحقيقة لكان الشرك حقاً والكفر حقيقة، والتوحيد باطلاً، فإنّ أهل الشرك والكفر في كل عصر وزمان كانوا أضعاف وأضعاف وأضعاف أهل التوحيد والإيمان، أما قرأت في كتاب الله الحكيم حكاية قوم نوح× أنه سلام الله عليه مكث فيهم ألف سنة إلّا خمسين عاماً، وفي هذه المدة الكثيرة الطويلة كان يدعوهم إلى الله وتوحيده وإلى ترك الشرك والأوثان والأصنام، فلم يقبل دعوته ولم يؤمن به إلّا قليل ـ ثمانون أو أقل من ذلك ـ وخليل الرحمن إبراهيم مع ما رأى منه النمروديون المعجزات الباهرات فما آمن به إلّا زوجته ـ سارا ـ وأحد أقربائه لوط×.
والمشهور عن رسول الله| أنه قال: إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة... وإفترقت النصارى على إثنين وسبعين فرقة... والذي نفس محمد| بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وإثنتان وسبعون في النار، وأيضاً عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله|: أن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة... وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلّا واحدة.
إنّ هذا الحديث متفق عليه ومقبول لدی الفريقين.
ولاشك ولا ريب لدى أولي الألباب، وذوي العقول السليمة، ورجال الفكر، أنّ الإسلام هو اليوم دين البشرية، والنظام الذي هو كافل لسعادة الإنسانية جمعاء وهو نظامه الوحيد، ومع ذلك نسبة المؤمنين به إلى النفوس البشرية كنسبة الأحجار الكريمة إلى صخور الجبال.
فعمل الأكثرية بما هو عمل الأكثرية لا أنه لا يدل على صحة طريقتها، فحسب بل بالدلالة على الضد أقرب.
أدلة الكثيريين والديمقراطيين:
لقد تمسك القائلين بهذا المبدأ بأدلة لإثبات مآربهم وفيها الآيات والروايات ومواقف للنبي|، فمّما تمسكوا به آيات الشورى ـ ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.
وكذلك الروايات: فعن أمير المؤمنين×: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، والإجماع وسيأتي الكلام عنها مفصلاً إن شاء الله.

الحرية السياسية:
فالمدلول الغربي للحرية السياسية يعبر عن الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية القائلة: إنّ الإنسان يملك نفسه، وليس لأحد التحكم فيه، فإنّ الحرية السياسية كانت نتيجة لتطبيق تلك الفكرة الأساسية على الحقل السياسي، فمادام شكل الحياة الإجتماعية ولونها وقوانينها يمس جميع أفراد المجتمع مباشرة، فلابدّ للجميع أن يشتركوا في عملية البناء الإجتماعي بالشكل الذي يحلو لهم، وليس لفرد أن يفرض على آخر ما لا يرتضيه، ويخضعه بالقوة لنظام لا يقبله.
الجواب: قال الشاعر:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
تبدأ الحرية السياسية تتناقض مع الفكرة الأساسية منذ تواجه واقع الحياة، لأنّ من طبيعة المجتمع أن تتعدد فيه وجهات النظر وتختلف، والأخذ بوجهة نظر البعض يعني سلب الآخرين حقهم في إمتلاك إرادتهم والسيطرة على مصيرهم، ومن هنا جاء مبدأ الأخذ برأي الأكثرية، بوصفه توفيقاً بين الفكرة الأساسية والحرية السياسية، ولكنه توفيق ناقص: لأنّ الأقلية تتمتع بحقها في الحرية وإمتلاك إرادتها كالأكثرية تماماً، ومبدأ الأكثرية يحرمها من استعمال هذا الحق فلا يعدو مبدأ الأكثرية أن يكون نظاماً تستبد فيه فئة بمقدرات فئة أخرى، مع فارق كمي بين الفئتين، ولا نذكر أنّ مبدأ الأكثرية قد يكون بنفسه من المبادئ التي يتفق عليها الجميع، فتحرص الأقلية على تنفيذ رأي الأكثرية باعتباره الرأي الأكثر أنصاراً، وإن كانت في نفس الوقت تؤمن بوجهة رأي أخرى، وتعمل لكسب الأكثرية إلى جانبه، ولكن هذا فرض لا يمكن الاعتراف بصحته في كل المجتمعات، فهناك توجد كثيراً للأقليات التي لا ترضى عن رأيها بديلاً، ولو تعارض ذلك مع رأي الأكثرية.
ونستخلص من ذلك: إنّ الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية لا تأخذ مجراها في الحقل السياسي، حتى تبدأ تتناقض وتصطدم بالواقع، وتتجه إلى لون من ألوان الإستبداد والفردية في الحكم، يتمثل على أفضل تقدير في حكم الأكثرية للأقلية.

قاعدة التسليط:
قاعدة التسليط المعروفة في الفقه، وفحوى هذه القاعدة ولاية الإنسان على نفسه، ومن شؤون هذه الولاية أن يحق للناس أن يختاروا لأنفسهم إماماً يتولى أمورهم.
وللمناقشة في دلالة هذه القاعدة على (التفويض) مجال واسع، فإنّ أدلة هذه القاعدة ـ على فرض صحتها ـ واردة في مورد الأموال، والتعدي منها إلى الأنفس يحتاج إلى عناية وعلى فرض صحة القاعدة، وصحة الإستدلال بها على الولاية الشاملة على الأنفس،فلا يصح الإستدلال بها على تفويض أمر الإمامة إلى الناس، فإنّ مجال تطبيقات هذه القاعدة هي الاختيارات التي تتعلق بشؤون الأفراد كما في مسألة أصالة (الإباحة) في مسألة (الحظر والإباحة) المعروفة، فإنّ قاعدة التسليط وأصالة الإباحة واردتان في موارد الاختيارات التي تتعلق بشؤون الأفراد، ولا يمكن أن نتمسك بها في مثل أمر الإمامة الذي يتعلق بأمر الأمة كلها.
فليس من الممکن ـ عادة ـ تحصيل إجماع الأمة على إمامة شخص وولايته.
وعندئذٍ فأما أن تنفذ القاعدة والأصل في كل فرد فرد سلباً وإيجاباً، فيتحول أمر الولاية والإمامة إلى فوضى لا يقرها الشرع ولا العقل، وأمّا أن نلغي إرادة الأقلية بإرادة الأكثرية، وهو نقض للقاعدة وللأصل معاً، فتستبطن القاعدة نقض نفسها.
ولا يمكن الدفاع عن هذا (النقض) بضرورة التفكيك في تطبيق القاعدة بين الأكثرية التي تختار إماماً لنفسها والأقلية التي ترفضه، فتنفذ القاعدة في الأكثرية، ونلغيها في الأقلية، بحكم العقل، بإدعاء أنّ هذه القاعدة ليست قاعدة عقلية آبية للتخصيص، وإنّما هي قاعدة شرعية تقبل التخصيص بحكم العقل، فإذا كان تطبيق القاعدة في مورد الأكثرية والأقلية مجتمعين يؤدي إلى خلل وفساد في المجتمع، فإنّ العقل يحكم بضرورة إلغاء القاعدة في مورد الأقلية، وتخصيصها بالأكثرية.
نقول: لا يمكن الدفاع عن تطبيق قاعدة التسليط على الإمامة بمثل هذا الدفاع، وذلك لأنّ لإلغاء حق الأقلية في إختيار الإمام وجها آخر لا يمكن توجيهه، وهو تحكيم إرادة الأكثرية السياسية على الأقلية، فإنّ الحاكم المرشح من قبل الأكثرية يحكم الأقلية بالضرورة، وهو بمعنى تحكيم إرادة الأكثرية على الأقلية، وهذا شيء آخر غير إلغاء حق الأقلية في إختيار الإمام وحرمانها من ممارسة حقها في إختيار الإمام، والتفكيك في تطبيق قاعدة التسليط بين الأقلية والأكثرية.
وبتعبير آخر: هو نحو من ولاية الأكثرية على الأقلية، ولا يتم بناء على المنطلق (التوحيدي) الذي إنطلقنا منه إلّا بتفويض من الله تعالى للأكثرية في اختيار الإمام للأقلية، بل في إختيار الإمام للجيل القابل الذي يواجه أمراً واقعاً لم يشترك، في تقريره واختياره، ولم يؤخذ برأيه فيه.
فنعود مرة أخرى إلى مسألة (التفويض) من جانب الله للأكثرية في تقرير مصير الأقلية، ومصير الجيل القادم الذي لم يبلغ سن النضج الشرعي بعد، ومن دون إثبات هذا التفويض من جانب الله تعالى لا يحق للأكثرية إلزام الأقلية بولاية شخص، ولا يحق لها إلزام الجيل المقبل برأيها وقرارها، ونحن لم نجد من خلال الاستعراض للنصوص الواردة في الكتاب وما صح من حديث رسول الله| مثل هذا التفويض.
وبتوضيح آخر: أنّ القاعدة تسلط الإنسان على أن يفعل ما يشاء فيما يتعلق بنفسه وماله، في غير ما حرم الله تعالى، وفي غير ما تعلق به حقوق الآخرين، ولا تسلط الإنسان على إختيارات الآخرين وشؤونهم وحقوقهم، ولا تفوضه أن يتصرف في حقوق الآخرين، من دون إذنهم، فللإنسان أن يبيع ما يشاء من أمواله أو يهديه، أو يتصرف فيها بما يرى في غير ما حرم الله، وفي غير ما يتعلق بحقوق الآخرين، وليس له أن يبيع أموال الآخرين، أصالة، ووكالة ما لم يفوضه الآخرون في ذلك.
وسر ذلك أنّ هذه القاعدة فقط تسلط الإنسان على ما يتعلق بنفسه وشؤونه ولا تفوضه في شؤون الآخرين.
وبعد هذا التوضيح نعود إلى تطبيق القاعدة والأصل على مسألة الإمامة العامة والولاية، فنقول: إنّ القاعدة تسلط الإنسان على طاعة من يحب في غير معصية الله تعالى، كما أنّ الأصل يبيح له ذلك، وهذا أمر يتعلق به، فله أن يطیع من يحب في غير معصية، وله أن يخالف من يحب مخالفته في غير معصية... وهذا هو حد دلالة القاعدة والأصل، ولكن ما لا يصح له: أن يختار إماماً وحاكماً للجميع، فهذا ليس من شأنه، وإنّما هو من شأن الله تعالى الذي يملك الحكم والولاية على الجميع ﴿إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾، وكذلك الأمر في (الأصل)، فإنّ أصالة الإباحة تبيح له فقط التصرف فيما خلق الله تعالى لعباده من رزق،ولم يفوضه هذا الأصل فيما يتعلق بشؤون الآخرين وحقوقهم. وعليه فلا يمكن التمسك بالقاعدة والأصل لإثبات التفويض من جانب الله تعالى للإنسان في اختيار الإمام وولي الأمر للأمة.
إذن نستطيع أن نقول بعد هذا الإستطراد: أنّ قواعد وأصولاً فقهية من قبيل (قاعدة التسليط) و(اصالة الإباحة الأولية) لا يمكن التمسك بها في توجيه شرعية مسألة الاختيار في أمر الإمامة، وتبقى دلالة هذه القاعدة وذلك الأصل في دائرة الشؤون الفردية فقط، دون الشؤون المتعلقة بالأمة في أمر السيادة والولاية وأمثالها. على أنّ هذه القاعدة، إذا صحت دلالتها، لا تزيد على أفضل التقادير على تمكين الناس من طاعة من يريدون طاعته فيما يصح لهم أن يفعلوه بأنفسهم، وتمكن الحاكم بالمقابل من الأمر والنهي وإلزام الناس بالطاعة في نفس الدائرة التي سلط الناس عليها، ولا تدل بوجه من الوجوه على شرعية التصرفات التي لا تصح إلّا من الإمام، ولم يسلط الله الناس عليها، مثل تزويج غير البالغة، وتطليق المرأة عن زوجها، وإجراء الحدود الشرعية ومسائل الجباية، وغير ذلك من الأمور التي لا تصح إلّا من الإمام، وهي كثيرة، فإنّ قاعدة التسليط لا تزيد على تمكين الإمام من إلزام الناس بما سلط الله الناس عليها، والأمور التي ذكرناها لا تدخل في دائرة الأمور التي سلط الله الناس عليها، وتقع خارج مساحة قاعدة التسليط بالضرورة، وهي من مقومات الإمامة والولاية، ولا تتم الإمامة والولاية إلّا بها .

الجري على قانون الطبيعة:
إن إتّباع الأكثر سنة جارية في الطبيعة، فلا ريب أن الطبيعة تتبع الأكثر في آثارها إلّا أنها ليست بحيث تبطل أو تعارض وجوب اتباع الحق، فإنّها نفسها بعض مصاديق الحق فكيف تبطل نفسها.
وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور:
أحدهما أنّ الأمور  الخارجية التي هي أصول عقائد الإنسان العلمية والعملية تتبع في تكوّنها وأقسام تحوّلها نظام العلّية والمعلوليّة، وهو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء أطبق على ذلك المحصلون من أهل العلم والنظر وشهد به القرآن على ما مر، فالحدث الخارجي لا يتخلف عن الدوام والثبات حتى أن الحوادث الأكثرية الوقوع التي هي قياسية هي في أنها أكثرية دائمة ثابتة، مثلاً: النار التي تفعل السخونة غالباً بالقياس إلى جميع مواردها (سخونتها الغالبية) أثر دائم لها وهكذا، وهذا هو الحق.
والثاني: إنّ الإنسان بحسب الفطرة يتبع ما وجده أمراً واقعياً خارجياً بنحو فهو يتبع الحق بحسب الفطرة حتى أن من يذكر وجود العلم الجازم إذا ألقي إليه قول لا يجد من نفسه التردد فيه خضع له بالقبول.
والثالث: أنّ الحق كما عرفت هو الأمر الخارجي الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتبعه في عمله، وامّا نظر الإنسان وإدراكه، فإنّما هو وسيلة يتوسل بها إليه كالمرآة بالنسبة إلى المرئي.
إذا عرفت هذه الأمور تبين لك أن الحقية وهي دوام الوقوع أو أكثرية الوقوع في الطبيعة الراجعة إلى الدوام والثبات أيضاً إنّما هي صفة الخارج الواقع وقوعاً دائمياً أو أكثرياً دون العلم والإدراك.
وبعبارة أخرى هي صفة الأمر المعلوم لا صفة العلم، فالوقوع الدائمي والأكثري أيضاً بوجه من الحق.
وأمّا آراء الأكثرين وأنظارهم واعتقاداتهم في مقابل الأقلين، فليست بحق دائماً، بل ربما كانت حقاً إذا طابقت الواقع وربما لم تكن إذا لم تطابق وحينئذٍ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان ولا أنه يخضع لها لو تنبه للواقع، فإنّك إذا أيقنت بأمر ثم خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم وإن إتبعتهم فيه ظاهرا، فإنّما تتبعهم لخوف أو حياء، أو عامل آخر لا لأنّه حق واجب الاتباع في نفسه، ومن أحسن البيان في أن رأي الأكثر ونظرهم لا يجب أن يكون حقاً واجب الإتباع، قوله تعالى: ﴿ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، فلو كان كل ما يراه الأكثر حقا لم يمكن أن يكرهوا الحق ويعارضوه.
وبهذا البيان يظهر فساد وبناء اتباع الأكثرية على سنة الطبيعة فإنّ هذه السنة جارية في الخارج الذي يتعلق به العلم دون نفس العلم والفكر والذي يتبعه الإنسان من هذه السنة في إرادته وحركاته إنما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع لا ما اعتقده الأكثرون أعني أنه يبني أفعاله وأعماله على الصلاح الأكثري، وعليه جرى القرآن في حكم تشريعاته ومصالحها، قال تعالى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرّعة.
وأما قولهم: إن المدنية الحاضرة سمحت للممالك المترقية سعادة المجتمع وهذب الأفراد وطهرهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع فكلام غير خال من الخلط والإشتباه.
استغلال الكثرة لضرب القليل:
أن الطواغيت استغلوا كثرة الاتباع للتدليل على بطلان الأقلية وضربها والقضاء عليها لتمشية مآربهم وللتعمية على سذّج الناس: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.
لما حمل عمرو بن الحجاج أمير ميمنة جيش ابن زياد، وجعل يقول: قاتلوا من مرق من الدين وفارق الجماعة، فقال له الحسين: ويحك يا حجاج أعليّ تُحرّض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى يصلي النار.
وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قُتل بانَ فيهم الخلل، وإذا قُتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبيّن ذلك فيهم لكثرتهم.

ومن هذا المنطلق كفروا الحسين ومن خرج معه ضد يزيد. وانطلت هذه الأقاويل على أكثر الناس وإن كانوا قد عرفوا الحسين× حق المعرفة وتيقّنوا أنه علّة الحق لولا قلّة من معه واحتج عليهم الحسين× أما بعد: فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يصلح لكم قتلي وإنتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيّكم، وابن وصيه وابن ابن عمه وأول المؤمنين المصدّق لرسول الله بما جاء به من عند ربّه، أوليس حمزة سيد الشهداء عمّي، أو ليس جعفر الطّيار في الجنّة بجناحين عمّي، أو لم يبلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيدان شباب أهل الجنة؟! فإن صدّقتموني فإن فيكم (من لو) سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله| لي ولأخي، أما في هذا (حاجز لكم) عن سفك دمي؟!. فإن كنتم تشكّون أفتشكّون إنّي ابن نبيّكم والله ما تعمّدت كذبا منذ عرفت أنّ الله يمقت عليه أهله فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن نبيّ غيري هل تطالبوني بقتيل قتلتَه أوبمال إستهلَكته أو بقصاص من جراحه فسكتوا.
والشاهد على ذلك ما ورد في التاريخ: وكان لا يمرُّ بماء إلاّ اتّبعه مَنْ عليه، وانهم تفرقوا عنه حين آتاه نبأ مقتل مسلم بن عقيل واستيقنوا أن البقاء مع الحسين× لا يخدم مصالحهم.
فالأستناد إلى الأكثرية غاية جهد الظلمة وأعوانهم بإثبات باطلهم حين اعيتهم الأدلة وبراهين الحق ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾.
لكن الرجال الإلهيين لم تنطل عليهم هذه الأباطيل وثبتوا على نهجهم القويم لما رأوه حقا وتحمّلوا المشاق ودفعوا ضريبة استقامتهم ولم يحيدوا عنه قيد أنملة.
الرضوخ للأكثرية هو الخضوع للطاغوت:
بالنسبة إلى طاعة أيّ حاكم أو سلطان فإن كان مجازاً بحكمه مِن قِبل الله تعالى أو من قبل المجازين منه تعالى، فإنّها تكون من إطاعة الله تعالى وتوحيده، وأمّا أن يكون غير مرخّص حتّى من قبل المرخصين مثل الحكومات الإستبدادية أو الفردية أو التي تضع القوانين والأوامر بالنظام الحزبي أو نظام الأكثرية، فلا تكون إطاعتها من التوحيد، إذا لم نقل أنها شرك،فهو ينافي إخلاص الموحّدين. ولعلّ هذا المعنى يستفاد من هذه الآية الشريفة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ـ وممكن أن يقال يستفاد منها اجتناب الطاغوت وبأي صورة وبأي شكل، لأنّ عبادته وإطاعته في ضد عبادة الله تعالى.
وكذلك الآيات التالية أيضاً ممكن أن تدلّ على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾حيث يظهر بوضوح من قوله تعالى ولا يشرك بعبادة ربّه،أنّه إشراك في الإطاعة، ولذا فُسّرت الآية بإشراك أحد بالإطاعة مع علي× بعد رسول الله|، حيث لم يصدر الأمر من الله تعالى ومن رسوله| إلى الأمة بإطاعة غير علي×، وإطاعته تكون إطاعة لله تعالى وليست إطاعة لشخصه، فلا تكون من غير الطاعة لله ولا تنافي في توحيده بل هي امتثال وتطبيق لتوحيد الله تعالى في العبادة والإطاعة، ويتّضح من مثل هذه الرواية مسألة إطاعة الأنظمة المختلفة حتى إذا كانت أنظمة قائمة على نظام إطاعة الأكثرية، حيث روى صبيب السجستاني عن الإمام محمد الباقر× أنه قال: قال الله تعالى: (لأعذّبن كلّ رعية فى الإسلام دانت بولاية كلّ إمام جائر ليس من اللّه) ..
والتكفير هو الأصل فيمن يريد أن يتحاكم إلى الطاغوت (الديمقراطية) وقد أمر أن يكفر به، ولم يأت حكم التكفير مقيدا بأي قيد ﴿فَلا وَرَبِّكَ...﴾ ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ... ﴾ ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ...﴾ .

وإليك بعض أقوال أئمة العامة ونترك الحكم لكل عاقل في هذا المجال:
منها قول إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمّة وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.
وكذلك يقول الطحاوي الحنفي في العقيدة الطحاوية: نرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمرنا وإن جاروا وإن فسقوا ولا ندعوا على أحد منهم ولا ندع يداً في طاعتهم.
وكذلك يقول الإمام الأشعري: ونرى العيد والجمعة والجماعة خلف كل إمام برّ وفاجر.
فأين هذه الأقوال التي تأباها الفطرة ويناقضها العقل والوجدان من قول إمامنا وسيدنا صاحب هذه الذكرى العبقة بأريجها الفواح، وليد بيت النبوة، ووارث خط الإمامة، مصباح الهدى، ومنهج الإستقامة، من زين الله سبحانه به الجنان، وحفه بالروح والريحان، فكان سيداً لشباب أهل الجنة، لسيرته المثلى ونهجه الوضاء، ذلك هو أبو الأحرار الحسين بن علي÷، فقد قال -بأبي هو وأمّي- مخاطباً جيش عبيد الله بن زياد الذي أمر بأن يجعجع به، قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أيّها الناس، أنّ رسول الله| قال: من رأى سلطانا جائراً مستحلاً لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه يفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، إلّا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحق من غير.
وقال× في مقام آخر مجاوباً من كتب إليه من أهل الكوفة بالقدوم إليهم: فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب والأخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله.
وإذا قارنت بين قول الحسين صلوات الله وسلامه عليه وتلك الأقوال المتقدمة تجده يناقضها تماماً، فأولئك يذهبون إلى طاعة السلطان الجائر ويحسبون أن طاعته من طاعة الله، بينما القرآن الكريم يصرح: ﴿ وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾.
فأين الخلل في الموضوع؟ فالدين واحد والقرآن واحد والنبي واحد، ولكن العترة الطاهرة التي شهد لها الكتاب بالطهارة والعصمة وعدم مفارقة الكتاب إلى يوم القيامة هي ليست إلّا ترجمان القرآن وكما نعبّر: هم تراجمة وحي الله وعيبة علمه.
أما الآخرون الذين لم يأخذوا من هذا المعين الصافي، فقد أخذوا من غيره،فأوقعهم في التخبط، وما ذلك إلّا لأنهم اعتمدوا على أحاديث منسوبة للرّسول|،ولكنّها فعلاً مستوحاة من الحكّام الجائرين، دبجها لهم وعاظ السلاطين لاستتباب أمرهم ودوام سلطانهم، وأعانهم على ذلك أنّ الحديث الشريف غير مدون إذ لم يؤذن بتدوينه إلّا في عهد المنصور، فوقعوا في فخ الضلال وظهرت العقائد المنحرفة وعطل العقل وتركوا القرآن جانباً واعتمدوا على الحديث اعتماداً كلياً حتى قالوا: « إن السّنة تنسخ القرآن وتقضي عليه بينما القرآن لا ينسخ السّنة ولا يقضي عليها، وقالوا أيضاً: «إن القول بعرض الأحاديث على الكتاب قول وضعه الزنادقة»، وهذا أمر في غاية الغرابة، ولا غرابة في من ألغى عقله وعطله، وجانب الكتاب والعترة، وسار على هواه وإلى الجحيم مثواه.
هذا ما قدمتم لأنفسكم، وأنّ الله ليس بظلّام للعبيد ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾.
التاريخ الحافل بالمخازي!!:
من يقرأ تاريخ الأمم والشعوب يستنتج أنّ الأكثرية الساحقة من كل أمّة من أمم الأرض، وكل شعب من شعوبها، قد إتخذت دائماً مواقف مخجلة يصعب الدفاع عنها، لأنّها مكللة بالخزي والعار حقاً، فالأكثرية الساحقة من كل أمّة من أمم الأرض وكل شعب من شعوبها، وقفت وقفة رجل واحد مع طاغوتها ضد نبيّها، معاندة له، ومكذبة به، ورافضة الحقّ الذي جاء به.
لقد ساق القرآن الكريم كماً هائلاً من الأمثلة على تلك المواقف المخجلة لتلك الأكثريات: 
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾.

وبيّن القرآن الكريم بعض صفات الأكثرية في كل أمّة، وكشف حقيقة هذه الأكثرية بكم وكيف هائل من الآيات فقال تعالى بهذا المجال:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴾.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾.
﴿ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾.
فالأكثرية الساحقة من الأمة المصرية وقفت مع فرعونها الذي فرض نفسه عليها بالقوة والقهر والغلبة، وتخلت هذه الأكثرية عن موسى وهارون وخذلتهما، ووافقت هذه الاكثرية على الإنخراط بالجيش الذي أعده فرعون لقتل موسى وهارون ومن آمن معهما.
وسارت الأكثرية بالفعل بإرتكاب مذبحة على شاكلة مذبحة كربلاء ولكن المذبحة لم تحدث لسبب لا يد لهذه الأكثرية فيه!!!
والأكثرية الساحقة من رعايا دولة نمرود وقفت مع نمرودها الطاغية وقفة رجل واحد ضد «إبراهيم الخليل» واشتركت بجمع الحطب، وشهدت عملية احراق إبراهيم، تلك العملية التي فشلت لسبب سماوي!!! لم تخجل تلك الأكثرية عندما أجمعت كلها على مواجهة رجل واحد!! وعندما اجتمعت لتتلذذ برؤية إبراهيم وهو يحترق!!!
ما هي مصلحة أكثرية أمة فرعون، وأمة نمرود!! لتفعل ما فعلت!! أنه لا مصلحة لأمة بقتل من يحاول إنقاذها من براثن العبودية، وما ارتكبت كل أمة من الأمم السابقة مخازيها إلّا مجاراة لطاغيتها، وابتغاء لمرضاته، وانسياقاً أهوج مع التيار تحت دعاوي الدفاع عن مصالحها الموهومة وقيمها الفاسدة!!!
ثم أنّ لليهود الهيمنة الروحية والثقافية والعلمية على الأكثرية الساحقة حالياً في العالم.
المواقف المخجلة لماذا؟
الأكثرية الساحقة من كل أمّة من أمم الأرض ليست شيعة واحدة كما يتصور بعض القرآء أو حزباً واحداً، إنّما تتكون تلك الأكثرية من مجموعة كبيرة من الشيع أو الأحزاب التي تحالفت مع بعضها، ومع طاغوتها وأقامت نظام الحكم الذي يقوده، ويرمز لوحدته طاغوتها، وبالتالي فهي منتفعة من بقاء هذا النظام، وتعتقد أن لا مصلحة لها بتغييره، فهي تعتقد أن تغيير النظام يودي لضياع مكتسباتها وحصتها بالسلطة، ومنافعها الحاصلة والمأمولة، وتنظر هذه الأكثرية إلى النّبي ـ أيّ نبي أو مصلح ـ على أساس أنه جاء ليسلبها مكتسباتها بدعاوي موهومة!!! وربما كانت هذه الأسباب وراء المواقف المخجلة لكل أكثرية من أكثريات الأمم التي كذبت أنبياءها، ورسلها، والمصلحين المشفقين عليها، ووقفت مع طاغيتها ضدّهم، علاوة على حالة القسر الإجتماعي التي يخلقها الإنسياق أو التوجه العام.
الأقلية ومواجهة الأكثرية:
الذين آمنوا من كل أمّة أقلية، حقّا، أقلية لا يتجاوزون أصابع اليدين، فماذا عسى هذه الأقلية أن تفعل لمواجهة أكثرية تتكون من الآلاف أو عشرات الآلاف أومئات الآلاف، إنّ مواجهة مسلحة تسعى إليها القلة المؤمنة هي بمثابة إنتحار حقيقي، ستؤدي إلى قتل النّبي وإبادة الذين آمنوا معه لتخلو الساحة كلياً وتبقى للأكثرية المجرمة، من هذا ابتعد كل نبيّ من الأنبياء وكل رسول من الرسل وكل أقلية من الأقليات التي آمنت بكل واحد منهم عن المواجهة المسلحة مع الأكثرية الفاسدة.
وبالوقت نفسه الذي بقي فيه كل نبيّ متمسكاً بالإعلان عن عدم شرعية نظام الأكثرية، وفساد قيم هذه الأكثرية، مع الاستمرار بحملة الإصلاح، واقتصر دور الأقلية على تصديق الرسول أوالنبي والإيمان به، وموالاته، والسعي السري لنشر مبادئه لمن يتقبلها!!
الله في مواجهة الأكثرية:
عندما وقفت الأكثرية من كل أمة ضد نبيّها، ومن معه، وكذّبته، وعزلته عزلاً إجتماعياً كاملاً، ونفرت منه، وقاومت دعوته لإصلاح الفساد المتفشي في أوساط تلك الأكثرية، وحالت بينه وبين كشف الحقائق عندما فعلت كل ذلك، فقد أجرمت حقاً ولابدّ من أن ينال المجرم عقابه العاجل، لذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى تولى أمر مواجهتهم بوسائله وجنوده، فأهلك الأكثرية الفاسدة من قوم نوح، وعاد، وفرعون، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وبالطرق التي بيّنها القرآن الكريم تفصيلاً وكانت عمليات الإهلاك تتمّ بعد تجاوزهم للمدى، وبعد اليأس من صلاحهم.
مصاديق عيان على جور الأكثرية:
الشرك:
إنّ الذين اتبعوا النبي| من أهل مكة وما حولها كانوا أقلية لا يتجاوزون المائتين، أمّا الأكثرية الساحقة من أهل مكة وما حولها والتي كانت تعد بعشرات الألوف، فقد كانت ضد النبي| وضد دعوته، فقد وجدت في مكة قبل الهجرة أكثرية مشركة، وأقلية مسلمة، كانت الأكثرية المشركة التي تقف ضد النبي| في مكة منظمة ولها قيادة، ولها نفوذ، ولديها خطط وإمكانيات لتنفيذ هذه الخطط، بل وعندما الإمكانيات لتجييش الجيوش عند اللزوم.
قال أميرالمؤمنين×: أنّ الناس قالوا ما باله لم ينازع أبا بكر وعمر كما نازع طلحة والزبير وعائشة: أن لي بسبعة من الأنبياء أسوة: الأول: نوح× قال الله تعالى مخبراً عنه في سورة القمر: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ﴾، فإن قلت لي لم يكن مغلوباً فقد كذبت القرآن وإن قلت لي كذلك فعليّ× أعذر. الثاني: إبراهيم الخليل× حيث حكى الله تعالى عنه قوله في سورة مريم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فإن قلت لي اعتزلهم من غير مكروه فقد كفرت، وإن قلت لي رأى المكروه، فاعتزلهم× أعذر. الثالث: إبن خالة إبراهيم نبي الله تعالى لوط×، إذ قال لقومه على ما حكاه الله تعالى في سورة هود× ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.، فإن قلت لي كان له بهم قوةفقد كذبت القرآن، وإن قلت لي أنه ما كان له بهم قوة فعليّ× أعذر. الرابع: نبي الله يوسف×: فقد أخبرنا الله تعالى عنه في قوله في سورة يوسف﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، فإن قلت لي أنه دعي إلى غير مكروه يسخط الله تعالى فقد كفرت، وإن قلت لي أنه دعي إلى ما يسخط الله، فأختار السجن فعليّ× أعذر. الخامس: نبي الله هارون بن عمران× إذ يقول على ما أخبرنا الله تعالى عنه في قوله ﴿ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾.فإن قلت لي: انهم ما استضعفوه فقد كذبت القرآن، وإن قلت لي أنهم استضعفوه، وأشرفوا على قتله فعليّ× أعذر.السادس: كليم الله موسى بن عمران× إذ يقول على ما ذكره الله تعالى عنه ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾.فإن قلت لي: أنه فرّ منهم من غير خوف فقد كذبت القرآن، وإن قلت لي: فرّ منهم خوفاً فعليّ× أعذر.السابع: سيدنا محمد| حيث هرب إلى الغار فإن قلت لي: أنه| هرب من غير خوف فقد كفرت وإن قلت لي أنهم أخافوه وطلبوا دمه، وحاولوا قتله فلم يسعه غير الهرب فعليّ× أعذر.
المنافقون ومسلمة الفتح:
الأكثرية الساحقة من بطون قريش ومواليها ناصبت محمداً وآل محمد العداء، ورفضت النبوة الهاشمية والتميز الهاشمي رفضاً قاطعاً خلال المدة التي قضاها النبي في مكة قبل الهجرة، وكل البطون اشتركت بمؤامرة قتل النبي، وبإثم مطاردته عندما نجا من القتل وقد أسلم القليل من أفراد البطون ومواليها.
ومن زعامة بطون قريش وجيشها ورعاياها الذين عادوا الله ورسوله بالأمس ثم استسلموا وتلفظوا بالشهادتين فصاروا أعضاء في المجتمع الإسلامي الجديد، فصارت الأكثرية المشركة بالأمس هي الأكثرية المسلمة في المجتمع الجديد!!! . و أحد أئمة الكفر سابقاً صار مسلماً، وعمار بن ياسر مسلم أيضاً!!! وبوقت يطول أو يقصر ستختفي الفوارق بين الإثنين، وسترجح كفّة أبي سفيان على كفّة عمار، لأنّ الأكثرية تعتقد أنّ أبا سفيان أولى بالتقدّم والإحترام من عمار وأمثاله!!! .
فعمر بن الخطاب من المهاجرين، ونال شرف مصاهرة النبي، وأصبح الخليفة الثاني في ما بعد، ومع هذا كان يقول عن معاوية: (أنه فتى قريش وإبن سيدها) !!! لقد نسي الخليفة أو تناسى التاريخ الأسود لمعاوية ولأبيه، ومع أنه كان خليفة للمسلمين إلّا أنّه كان ينظر لمعاوية ولأبيه بالنظرة نفسها التي كان ينظرها إليهم في الجاهلية  وهو يرعى الغنم،فأبو سفيان في الجاهلية كان سيده وسيد قريش وإبن السيد سيداً مثله، لقد إنتقلت الثقافة الجاهلية مع زعامة البطون ومع الأكثرية التي استسلمت بإستسلام الزعامة، وتلفظت بالشهادتين تبعاً لتلفظ زعامتها!! .
الخلافة:
وقبيل وفات النبي| لمَت الأكثرية شملها، ووقفت ضدّه وهو على فراش الموت وحالت بينه وبين كتابة ما أراد.
وفي السقيفة، فإنّها في بادئ الأمر لم يحضرها سوى بضعة أنفار،هم من حزبهم ومن تآمر معهم ليلاً من الأوس ضد الخزرج، وقد كان حتى في السقيفة الأكثرية من المخالفين. لكن بالتالي استطاعوا أن يفرضوها على الأغلبية الساحقة.
وكان واضحاً بأنّ الأكثرية التي كانت مشركة بالأمس وأصبحت اليوم مسلمة قد أعادت ترتيب أوراقها، وقررت أن تستفيد من الدين الجديد، وأن تجعله طريق ملك، وأسلوباً للمحافظة على هذا الملك، واستطاعت تلك الأكثرية أن تستخفي نفراً من الذين كانوا محسوبين على النبي، وعلى القلّة المؤمنة التي أخلصت له، وكان واضحاً أنّ تلك الأكثرية والنفر الذين استخفتهم يقفون على أهبة الاستعداد وينتظرون بفارغ الصبر موت النبي للإستيلاء على الخلافة من بعده، وليعيدوا ترتيب الأوراق من جديد.
ومن هنا فإنّ ما اصطلح عليه في لغة السياسة في هذه الأيام بإسم الأكثرية الصامتة، هذه الأكثرية التي لا تبدي فيما يجري أمامها وعليها ولا تعيد، وإنّما تقبل ما يقوم به الآخرون مختارة أو مرغمة، راضية أو ساخطة،... هذه الأكثرية الصامتة بموقفها هذا تقوم بدور الخاذل للحق أو المتواطئ على الجريمة، وذلك لأنّ الصمت في هذه الحالات ليس علامة على البراءة والطيبة، وإنّما هو علامة الجبن والغفلة والفرار من المسؤولية.
ولذا، فإنّ الأكثرية الصامتة، من هذا المنظور، لا تضم أبرياء، وإنّما تضم متواطئين وجبناء، سببوا بإيثارهم للسلامة الشخصية العاجلة، كوارث عامة مستقبلية، وجبنهم الذي يكشف عن أنانيتهم الرخيصة والذليلة يكشف عن أنهم ليسوا جيلاً صالحاً لأن يبني حياة مزدهرة.
قد طلب أبو بكر من معقيب الدوسي أن يخبره عن رأي المسلمين في إستخلافه لعمر فقال له: «ما يقول الناس في استخلافي عمر؟» قال: «كرهه قوم ورضيه آخرون» قال:«الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟» قال:«بل الذين كرهوه». ومع علمه بأنّ أكثرية الشعب كانت ناقمة عليه في هذا الأمر فكيف فرضه عليهم، ولم يمنحهم الحرية في إنتخاب من شاءوا لرئاسة الحكم. وعلى أي حال فقد لازم عمر أبا بكر في مرضه لا يفارقه خوفاً من التأثير عليه، وكان يعزز مقالته ورأيه في إنتخابه له قائلاً: «أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله|».
روى البخاري. عن النبي|قال: بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى، فَلاَ أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ.
وربما قال بعضهم: أنّ هذه الأخبار ظنية المتن، فلا تنهض بمعارضة الإجماع الذي هو حجة قطعية، المنعقد على إمامة أبي بكر وخلافته.
واقول: أولاً كيف ينعقد الإجماع؟ وأكابر الصحابة لم يحضروا السقيفة، ولم يرضوا ببيعة أبي بكر، كسعد بن عبادة، وابنه قيس بن سعد، وعباس بن عبد المطلب، وهو عمّ رسول الله|، وأبنائه، ومولانا أمير المؤمنين×، وولديه سيدي شباب أهل الجنة، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وأسامة بن زيد، وبلال بن رباح مؤذّن الرسول، والبراء بن عازب، وعبد الله بن مسعود، ودحية الكلبي، وغيرهم ممن يطول تعداده من أكابر الصحابة وفضلائهم، وفي الديوان المنسوب إلى مولانا سلام الله عليه:
فان كنت بالشورى ملكت أمورهم
فكيف بهذا والمشيرون غيب
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم
فغيرك أولى بالنبي وأقرب
قوله× (والمشيرون غيب) يدل على أنّ المشار إليهم من أكابر الصحابة وأهل الفضل والجلالة لم يحضروا السقيفة أصلاً، فكيف يتصوّر انعقاد الإجماع، لأنّ لفظ (المشيرون) الواقع في كلامه سلام الله عليه جمع مُحلى باللام، وهو يفيد الاستغراق عند المحققين من أهل العربية، فيكون معنى كلامه× أن كل من له أهلية الشورى والإجماع ومن يعتني بشأنه من الصحابة كان غائباً ولم يكن حاضراً عند الشورى في السقيفة السخيفة، فلا يمكن إثبات خلافة الطواغيت بالإجماع والشورى. قال امام المشككين ومقدام المخالفين فخر الدين محمد بن عمر الخطيب الرازي الشافعي الأشعري في كتابه  نهاية العقول: ان الإجماع لم ينعقد في زمن أبي بكر أصلاً، إذ كان سعد بن عبادة مع كونه من أفاخم الصحابة مخالفاً لذلك، حتى أنه لم يحضر جمعهم أصلاً، وكان تظاهره بذلك مستمراً طول خلافة أبي بكر، فلما توفي أبو بكر واستخلف عمر وكان غليظاً شديد الايذاء للمؤمنين، فانهزم منه سعد بن عبادة مهاجراً من المدينة خائفاً، فتوفى خارج المدينة، فتم انعقاد الإجماع إنتهى وهو صريح في عدم انعقاد الإجماع على امامته اصلا في وقت من الأوقات فكيف ببيعته؟ وكيف تنعقد بيعة لمن هو في بيعة غيره؟ أليس رسول الله| قد وجه أبا بكر وعمر وغيرهما في جيش أسامة بن زيد قبل وفاته؟ وأمرهم يسمعون له ويطيعون ويصلون بصلاته ويأتمرون بأمره، وقال صلوات الله وسلامه عليه: نفذوا جيش أسامة، ولا يتخلفن أحد إلّا من كان عاصياً لله ورسوله، فلما صار أسامة بعسكره على أميال من المدينة بلغهم مرض رسول الله| تغير لونه، وقال: إني لا أذن لأحد أن يتخلف عن جيش أسامة، وهمّ أبو بكر بالرجوع إلى أسامة واللحوق به، فمنعه عمر. فلما قبض رسول الله| وفعلوا ما فعلوا، قال عمر لأبي بكر: اكتب إلى أسامة يقدم إليك، فإنّ قدومه إليك بقطع الشنعة. عنا، فكتب إليه أبو بكر: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله إلى أسامة بن زيد، أمّا بعد إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إليّ ومن معك، فإنّ المسلمين قد أجمعوا عليّ، وولّوني أمرهم، فلا تتخلف فتعصي ويأتيك ما تكره، والسلام، فأجابه أسامة وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أسامة بن زيد عامل رسول الله| على غزاة الشام إلى أبي بكر بن ابي قحافة، أما بعد فقد آتاني كتابك ينقض أوله آخره، ذكرت في أوله انّك خليفة رسول الله، وفي آخره أن الناس قد أجمعوا عليك وولّوك أمرهم ورضوا بك. واعلم أني ومن معي من المهاجرين والأنصار، ما رضيناك ولا ولّيناك أمرنا، فاتّق الله ربك، وإذا قرأت كتابي هذا أقدم إلى إمامك الذي بعثك معه النبي| ولا تعصه، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله، فإنّهم أحق منك، وقد علمت ما قال رسول الله| في علي× يوم الغدير، وما طال العهد فتنساه. وانظر أن تلحق بمركزك ولا تتخلف، فتعصي الله ورسوله، استخلفني عليكم ولم يعزلني، وقد علمت كراهية رسول الله| لرجوعكم عني إلى المدينة، وقال: لا يتخلف أحد عن جيش أسامة إلّا كان عاصياً لله ورسوله، فيا لك الويل يابن أبي قحافة تعدل نفسك بعلي بن أبي طالب، وهو وارث رسول الله| ووصيه وابن عمه وأبو ولديه، فاتّق الله أنت وصاحبك، فإنّه لكما بالمرصاد، وأنتما منه في غرور، والذي بعث محمداً بالحقّ ما تركت أمّة وصي رسولها ولا عصوا عهده إلّا استوجبوا من الله اللعنة والسخط، فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر همّ أن يخلعها من عنقه، فقال له عمر: لا تخلع قميصاً قمصك الله فتندم، فقال: يا عمر أكفر بعد اسلامي، فالح عليه عمر، وقال: اكتب وأمر فلانا وفلاناً جماعة من أصحاب رسول الله فكتبوا إليه أن أقدم ولا تفرق جماعة المسلمين، فلما وصلتهم كتبهم قدم المدينة ووصل إلى علي×، فعزاه برسول الله| وبكى بكاء شديداً، وضم الحسن والحسين÷ الى صدره، وقال: يا علي ما هذا؟ قال سلام الله عليه: كما ترى، قال، قال: فما تأمرني؟ فأخبره بما عهد إليه رسول الله| من تركهم حتى يجد أعواناً. ثم أتى أبو بكر أسامة وسأله البيعة، فقال له أسامة: أن رسول الله| أمرني عليك، فأنت من أمرك علي؟ والله لا أطيعك أبداً، ولا حللت لك عهدي، فلا صلاة لك إلّا بصلاتي.
وجاء في الحديث النبوي أن محمداً| يرى يوم القيامة أكثر أمته تدخل النار، وحين يسأل عن السبب يقال له: أنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، وأهل السنّة الذين قالوا: إنّ الخليفة يكون بالانتخاب لا بالنّص يعترفون بأن الأكثرية قد تخطئ، وتختار غير الكفوء، لكن بعضهم قال: إذا إنحرف الخليفة، عزلناه، وآتينا بالأصلح... وأعلن أبوبكر من على المنبر قائلاً: «إذا استقمت فاعينوني، وإذا زغت قوموني»، وأجاب الشيعة عن ذلك بأنّ وظيفة الإمام أن يقوم المعوج من رعيته، فإذا قومته الرعية إنعكست الآية، وأصبح محكوماً، والرعية هي الحاكمة.
قال العبدي شاعر أهل البيت المخلص.
وقالوا رسول الله ما اختار بعده أمورهم
إماما ولكنا لأنفسنا اخترنا
أقمنا اماما أن أقام  على الهدى
أطعنا وإن ضل الهداية قومنا
فقلنا اذن أنتم إمام إمامكم
بحمد من الرحمن تهتم وما تهنأ
ولكننا اخترنا الذي اختار ربنا
لنا يوم خم ما اعتدينا ولا حلنا
يسخر الشاعر من قولهم: انهم يطيعون الإمام إن استقام، ويقومونه أن أعوج، ويرد عليهم بأنهم أصبحوا هم الإمام، وهو المأموم.
وثانياً: أنه على تقدير تسليم الإجتماع الظاهري، فهو إنما يكون حجة لو لم يعارضه نص من لا ينطق عن الهوى.
وثالثاً: أن المفهوم من مطالعة السير والتواريخ وكتب حديث الخاصة والعامة أن إنعقاد البيعة لأبي بكر لم يكن بالإختيار، بل بالحيلة والمكر والقهر والغلبة والخديعة، فقد نقل أهل السير أنّه لما صفق عمر             وأبو عبيدة يديهما على يد أبي بكر بالبيعة، وسلما عليه بالخلافة، تابعهم جماعة المنافقين والطلقاء ممن حضر السقيفة، وألزموا سائر المسلمين ومن لم يحضرها بالمبايعة، ولم يرخصوا لأحد منهم في تركها طوعاً كان أو كرهاً.
ومما ينطق بذلك ما رواه ابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن البراء بن عازب أنه قال: لم أزل محباً لأهل البيت، فلما مات النبي| أخذني ما يأخذ الوالهة من الحزن، فخرجت من منزلي لأنظر ما يكون من أمر الناس، فإذا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة سائرين ومعهم جماعة من الطلقاء والمنافقين، وعمر شاهر سيفه، وكل من مروا به من المسلمين قالوا له: بايع أبا بكر فقد بايعه الناس، فيبايع شاء ذلك أو لم يشأ.

الشورى:
ان عمر أمر الشورى وجعلها بين ستة كان علي يرى نفسه خيرهم وإنتهت الشورى باسناد الخلافة الى غيره بطريق رسمي محكم كان علي يرى نفسه فيه مهضوم الحق لا سيّما بعد أن كان القانون الذي سن الشورى هو في جانب غيره أقوى منه في جانبه وهو الأخذ باكثرية الآراء ومع التساوي بالجانب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف مع العلم بأنّ الأكثرية لن تكون في جانب علي وإن عبد الرحمن من خصومه.
سؤال: ألم يصف القرآن المؤمنين بالمشورة ومدحهم بها.
جواب: إنّ إلّآیات لفي حياد عن البحث، فإنّه حسب الآيات أن القرار النهائي يتخذه المستشير نفيه، ولربمّا وافق رأي الأكثر، ولربمّا خالفهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾، وليس في الآية إلزام برأي الأكثرية، بل ولا برأي الكل لو حصل إجماعهم على رأي واحد ونری هذا الأمر جلياً في مصاديق القضية حيث نرى أنّ النبي استشار في مواطن ـ كما قيل ـ لكنّه أخذ برأي الأقلية في التالي كما في قضية حفر الخندق إذ أخذ برأي سلمان وترك سائر الآراء وفي قضية حرب بدر حيث كره الحرب أبو بكر وعمر والأكثرية حسب النص القرآني: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾.
هذا مضافاً الى أنّ هذه الشورى التي دل عليها قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ ليست لكل أحد، وإنما هي خاصة بأولئك المؤمنين الذين لهم تلك الصفات المذكورة في الآيات قبل وبعد هذه العبارة، وليس ثمة ما يدل على تعميمها لغيرهم، بل ربما يقال بعدم التعميم قطعاً، فقد قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، فهؤلاء هم أهل الشورى، وليس لغيرهم الحق في أن يشاركهم فيها، لأنّ ذلك الغير، لا يؤمن على نفسه، فكيف يؤمن على مصالح العباد، ودمائهم، وأموالهم، وأعراضهم؟!.
ويؤيده قضية مشابهة: لقي عباد البصري علي بن الحسين× في طريق مكة فقال له يا علي بن الحسين× تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينه، أن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فقال له علي بن الحسين صلوات الله عليهما أتم الآية، فقال: ﴿لتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال له علي بن الحسين صلوات الله عليهما: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج.
واختلف في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي على أقوال: 
أحدها: أن ذلك على وجه التطبيب لنفوسهم، والتآلف لهم، والرفع من أقدارهم.
وثانيها: أن ذلك ليقتدي به امّته في المشاورة، ولا يرونها نقيصة، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم.
وثالثها: أن ذلك لأمرين: لاجلال أصحابه، وليقتدي امّته به في ذلك.
ورابعها: أن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة، ليتميز الناصح من الغاش.
وخامسها: أن ذلك في أمور الدنيا، ومكائد الحرب، ولقاء العدو.
والسادس: أنه في الأمور التي لا نجد فيها بياناً من الشرع ونائبة فهي لزمن الحير نظير الأصول العملية والقواعد الفقهية كما يقولون (الأصل أصيل حيث لا دليل) مثل القرعة ونظائرها، فهو كحلّ مؤقّت لا دلالة فيه على الحقّ والواقع.
عن أمير المؤمنين× أنه كتب إلى رفاعة لما استقضاه على الأهواز كتابا كان فيه: ذر المطامع وخالف الهوى... ولا تجالس في مجلس الفقیه غير الفقيه، ولا تشاور في القضاء، فإنما المشورة في الحرب ومصالح العاجل، والدين ليس هو بالرأي، إنّما هو الإتباع.
والحل:
هو الرجوع إلى اليقين فإنّ الظن لا يغني من الحق شيئاً، فإذا تبين الحقّ فلا يمنع عن الأخذ به تكاثر الباطل ضده أو كره الأكثر له، ولا يكون ذلك مبرراً للإنحياد عن الحق والميل مع الأكثر المرغوب.
فمن هنا تعلم سخافة ما تمسك به عمر رداً لخلافة أمير المؤمنين×:
عن ابن عباس، قال: دخلت على عمر في أول خلافته، وقد ألقى له صاع من تمر على خصفة، فدعاني الى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، واقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جرة. كانت عنده، واستلقى على مرفقته، وطفق يحمد الله ويكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلفت ابن عمّك؟ فظننته، يعني عبد الله بن جعفر، فقلت: خلفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعن ذلك، إنّما عنيت عظيمكم أهل البيت، قلت: خلفته يمتح بالغرب. على نخيلات له.وهو يقرأ القرآن، فقال: يا عبد الله عليك دماء البدن أن كتمتنيها؟ هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول الله| نص عليه؟ قلت: نعم وأزيدك، سألت أبي عمّا يدعيه، فقال: صدق، قال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذرو من قول لا يثيب حجة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح بإسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش ابداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله| أنى علمت ما في نفسه فأمسك، وأبى الله إلّا إمضاء ما حتم.
سؤال: إذا كانت الشورى مرفوضة عند أهل البيت^ في أمر الدين وإنّما الأمر إلى الله ـ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ـ فلماذا دخل فيها أمير المؤمنين× وطار إذ طاروا واسف إذ اسفوا...
الجواب: أولاً لم يكن له خيار في الحضور أو الاباء، فإنّ عمر أمر يضرب عنق المتخلف وثانياً أنّ أمير المؤمنين× نفسه بيّن سر حضوره في الشورى وهو تفنيد مزعمة عمر يوم السقيفة وغيرها بأنّ الخلافة لا تصلح له: ولهذا السبب فقد حث ابن عباس علياً على عدم الدخول في الشورى، لكنّ علياً قال: لا، بل أدخل معهم في الشورى، لأنّ عمر قد أهلني الآن للخلافة، وكان قبل ذلك يقول: إنّ رسول الله| قال: إنّ النبوة والإمامة لا يجتمعان في بيت!! فأنا أدخل في ذلك لأظهر للناس مناقضة فعله لروايته، ولكنّه أكّد بصريح القول أنّ عمر قد عدل ـ بهذا التركيب ـ الخلافة عن بني هاشم قائلاً: قد قرِنَ بي عثمان، ويجب اتباع الأكثرية، فسعد لا يُخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، وهما لا يختلفان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني. تنحّى طلحة جانباً لصالح عثمان (على أساس الرواية التي تقول أن طلحة قد حضر الشورى)، وتنحّى الزبير جانباً لصالح عليّ×، وتنازل سعد عن حقه لصالح عبد الرحمن، وأعلن عبد الرحمن أنه أخرج نفسه من الخلافة، واقترح على الآخرين (علي× وعثمان) أن يفوّض أحدهما حقّه للآخر، فسكتا، وذكر الطبري أن عبد الرحمن بقي ليالي متوالية يشاور رؤساء الجيش والاشراف، وكان لا يخلو بواحد منهم حتى يأمره بعثمان. حتى إذا إنتهت الأيام الثلاثة إجتمع الناس صباحاً في المسجد، فخرج إليهم عبد الرحمن وقال: إنّي نظرت في الناس فلم أر هم يعدلون بعثمان أحدا. بينما صاح عمار والمقداد مؤكّدين على انتخاب علي×، وارتفعت الأصوات في المسجد، وصاح عمار: لماذا تُبعدون هذا الأمر عن أهل بيت الرسول؟!. ثم إنّ عبد الرحمن بن عوف قال لعليّ×: هل تعاهد الله على العمل بكتاب الله وسنّة نبّيه وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: لا، ولكن أسير على كتاب الله وسنّة رسول الله قدر وسعي، ولمّا عرض هذا السؤال على عثمان، قال: أعمل بالقرآن وسنّة رسول الله وسيرة الشيخين. ثم كرّر عبد الرحمن سؤاله لعليّ×، فأجابه× كما أجابه من قبل، وأضاف لا حاجة مع كتاب الله وسيرة نبيّه إلى سيرة أحد، ولكنّك تريد أن تزوي هذا الأمر عنّي.
وهكذا اختار عبد الرحمن بن عوف عثمان للخلافة، وأجلسه على مسند السلطة، وذُبح الحقّ مرة أخرى على مذبح الزيف والفتنة.

ازدواجية السلوك:
ترى زعماء القول بأخذ الأكثرية إنّما اتخذوا هذا الأمر تمشية لمصالحهم حيث ما اقتضت الضرورة وأمكن تخضيع الرأي العام لمطامحهم، فإذا عجزوا عن ذلك كشفوا عن لئام الاستبداد وتحكموا حسب ما تشتهيه أنفسهم طوعاً من العامة أوكرها:
أن عمر ـ بالرغم من أنه استشار الأصحاب فأشاروا عليه أن يكتب الحديث ـ خالفهم ولم يأخذ بارائهم، بل منع الكتابة. وهذا استبداد بالأمر، إذ بعد الإشارة عليه من عامة الأصحاب، يجب عليه الأخذ بآراء الأكثرية ـ على الأقل ـ وهذا يدل على أنّ المنع لم يكن إلّا رأياً خاصاً له، مخالفاً للجميع. كما يدل عليه النص التالي أيضاً: عن عروة بن الزبير: أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله|، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرا، ثم أصبح يوماً، وقد عزم الله له فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبوا عليها فتركوا كتاب الله تعالى، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، وقال يحيى بن جعدة: إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده منها شيء فليمحه.
مآسي سيطرة الأكثرية:
منها: تحكم الأكثرية في الأقلية ومصالحها ومسائلها الحيوية، فإنّ الحرية السياسية كانت تعني أن وضع النظام والقوانين وتمشيتها من حق الأكثرية، ولنتصور أن الفئة التي تمثل الأكثرية في الأمّة ملكت زمام الحكم والتشريع، وهي تحمل العقلية الديمقراطية الرأسمالية وهي عقلية مادية خالصة في اتجاهها، ونزعاتها وأهدافها فماذا يكون مصير الفئة الأخرى؟ أو ماذا ترتقب للأقلية من حياة في ظل قوانين تشرع لحساب الأكثرية ولحفظ مصالحها؟!، وهل يكون من الغريب حينئذٍ إذا شرعت الأكثرية القوانين على ضوء مصالحها الخاصة، وأهملت مصالح الأقلية واتجهت إلى تحقيق رغباتها اتجاها مجحفاً بحقوق الآخرين؟ فمَن الذي يحفظ لهذه الأقلية كيانها الحيوي ويذبّ عن وجهها الظّلم، ما دامت المصلحة الشخصية هي مسألة كل فرد وما دامت الأكثرية لا تعرف للقيم الروحية والمعنوية مفهوماً في عقليتها الإجتماعية؟ وبطبيعة الحال أن التحكم سوف يبقى في ظل النظام كما كان في السابق، وإنّ مظاهر الإستغلال والإستهتار بحقوق الآخرين ومصالحهم ستحفظ في الجو الإجتماعي لهذا النظام كحالها في الأجواء الإجتماعية القديمة وغاية ما في الموضوع من فرق أن الاستهتار بالكرامة الإنسانية كان من قبل أفراد بأمّة، وأصبح في هذا النظام من الفئات التي تمثل الأكثريات بالنسبة إلى الأقليات، التي تشكل بمجموعها عددا هائلاً من البشر.
وهكذا تفرض الأكثرية إرادتها على الأقلية المؤمنة!! .
ومنها: أنّ موافقة أهواء الأكثرية يؤول إلى الفساد فقال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾..
مشابهات الأكثرية:
الإجماع:
من الأمور التي أفضوا عليها ثوب الحجّية هي قضية الإجماع واتّفاق الأمة فتراهم يتعاملون معها تعاملهم مع النصوص الواردة عن النبي| بل فوق ذلك وقد اعتبروا المتخلّف عنها خارجاً عن ربقة الإسلام وتمسكوا في ذلك بأمور متشابهة منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾.
غير أنهم اخطأوا في تفسيرها فعليهم أن يجيبوا عن أحاديث واردة عن النبي| عليه وآله في إرتداد أمّته من بعده وعن المؤمنين التي تتكلّم عنهم الآية هل هم الأقلية أم الأكثرية وبقول أوضح هل هم الذين اتّفقوا على بيعة أبي بكر أم الذين اعتزلوا عن بيعته، وأين دلالة الآية على لزوم الأكثرية المنحرفة أوكل أكثرية؟
في كشف الأسرار في شرح أصول البزدودي: ذكر بعض الأصوليين أن هذه الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليست بقاطعة في وجوب متابعة الإجماع لاحتمال أن يكون المراد «ويتبع غير سبيل المؤمنين» في متابعة النبي، أو مناصرته، أو الاقتداء به، أو في الإيمان به لا فيما أجمعوا عليه، ومع الاحتمال لا يثبت القطع. وفي التوضيح. إعلم أنّ هذا الاستدلال ـ على أنّ الإجماع حجة ـ ليس بقوي.
ويا ليتهم اكتفوا على الاتفاق والإجماع بل هزل الأمر عندهم حتى عدوا الأكثرية اتفاقاً بل قالوا بانعقاد الإجماع بأهل الحل والعقد بل بثلاثة بل بواحد ـ كما في السقيفة ـ ؟ ففي رواية: قال أبو بكر: ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين لي (لعمر) ولأبي عبيدة بن الجراح، ثم قال(عمر): قلت يا معشر الأنصار، يا معشر المسلمين: إنّ أولى الناس بأمر رسول الله| من بعده ثاني اثنين، وقال أبو بكر لعمر: أنت أقوى.
وفي مسلم الثبوت وشرحه: «ولا ينعقد الإجماع بالشيخين أميري المؤمنين أبي بكر وعمر عند الأكثر، خلافاً للبعض، ولا ينعقد بالخلفاء الأربعة خلافاً لأحمد الإمام ولبعض الحنفية.. قالوا: كون اتفاق الشيخين إجماعاً، قالوا: قال رسول الله|: اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد، فمخالفتهما حرام».
وفي المنهاج وشرحه: «ذهب بعضهم إلى أن إجماع الشيخين وحدهما حجة لقوله×: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال: حسن».
وقال بعض المعتزلة: ينعقد الإجماع باتفاق الأكثرية.
قال الغزالي: المذهب أنه لا ينعقد مع مخالفة الأقل، وقيل حجة وليس بإجماع، ورجحه ابن الحاجب، وقيل مع الثلاثة دون الواحد.
وفي قمر الأقمار حاشية نور الأنوار: والإمام (مالك) شرط في الإجماع، إجماع أهل المدينة لشرفها، وبعضهم الصحابة لشرفهم، وبعضهم عترة الرسول لفضلهم.
قال النووي في شرح: الإجماع لا ينعقد إذا خالف أهل الحل والعقد واحد، وهذا هو الصحيح المشهور. وفيه أيضاً: والإجماع بعد الخلاف ليس بإجماع.
وفي منير اللبيب شرح التهذيب: إجماع العترة حجة لقوله تعالى ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...﴾  الآية، ولقوله×  «إني تارك فيكم الثقلين». الحديث.
وقال السيوطي في تفسيره الإكيل: استدل بقوله تعالى ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...﴾   من قال أن إجماع أهل البيت حجة لأن الخطأ رجس فيكون منفياً عنهم.
وفي كتاب الأعلام لابن حجر المكي: إنكار الإجماع من أصله أو حجيته أو المجمع عليه (غير الضروري) لا يكون كفرا لأنه لا يتهم جميع المسلمين بل ولا بعضهم، وإنّما ينكر إجتماعهم وتوافقهم على شيء.
وفي شرح المواقف: خرق الإجماع مطلقاً ليس بكفر.
وفي إزالة الخفاء: قال عمر لأبي بكر أو كل المسلمين سألت؟ (وسيأتي إن شاء الله في انعقاد خلافة أبي بكر) وفي قول عمر دلالة على أن إجماع كل المسلمين ضروري.
الفخر الرازي: قد دللنا على أنّ قوله: ﴿ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ...﴾ يدل على أن الإجماع حجة فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع، ونحن نذكر بعضها:
الفرع الأول: مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلّا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنّة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول: الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع  ليس إلّا هذا الصنف من العلماء، لأنّ المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه، وكذلك المفسّر والمحدّث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث، فدلّ على ما ذكرناه، فلمّا دلّت الآية على أنّ إجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء.
وأمّا دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر.
الفرع الثاني: اختلفوا في أنّ الإجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟ والأصح أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنا بيّنا أن قوله: ﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..﴾ يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة.
الفرع الثالث: اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط؟ والأصح أنه ليس بشرط، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض.
الفرع الرابع: دلت الآية على أنّ العبرة بإجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ فدلّ هذا على أن العبرة بإجماع المؤمنين، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم.
أقول: لقد وقع القوم ـ بعد إنكار النص وحصر دليل الخلافة في الإجماع ـ في مأزق كبير وإشكال شديد، وذلك لأنهم قرّروا في علم الأصول أنه إذا خالف واحد من الأمة أو إثنان لم ينعقد الإجماع.
قال الغزالي: «إذا خالف واحد من الأمة أو اثنان لم ينعقد الإجماع دونه، فلو مات لم تصر المسألة إجماعاً، خلافاً لبعضهم، ودليلنا: أن المحرم مخالفة الأمّة كافة..» .
وفي مسلم الثبوت وشرحه: «قيل: إجماع الأكثر مع ندرة المخالف بأن يكون واحداً أو إثنين إجماع.. والمختار أنه ليس بإجماع لإنتفاء الكل الذي هو مناط العصمة»
ثم اختلفوا:
فقيل: ليس بحجة اصلا كما أنه ليس بإجماع.
وقيل: بل حجة ظنّية غير الإجماع، لأنّ الظاهر اصابة السواد الأعظم.
قيل: ربما كان الحق مع الأقل وليس فيه بعد...
فقال المكتفون بإجماع الأكثر: «صح خلافة أبي بكر مع خلاف علي وسعد بن عبادة وسلمان».
فأجيب: «ويدفع بأن الإجماع بعد رجوعهم الى بيعته. هذا واضح في أمير المؤمنين علي»، فلو سلّمنا ما ذكروه من بيعة أمير المؤمنين×، فما الجواب عن تخلف سعد بن عبادة»؟!
أما المناوي فلم يتعرض لهذه المشكلة.. وتعرض لها شارح مسلم الثبوت فقال بعد ما تقدّم: «لكن رجوع سعد بن عبادة فيه خفاء، فإنّه تخلّف ولم يبايع وخرج عن المدينة، ولم ينصرف إلى أن مات بحوران من أرض الشام لسنتين ونصف مضتا من خلافة أمير المؤمنين عمر، وقيل: مات سنة إحدى عشرة في خلافة أمير المؤمنين الصديق الأكبر، كذا في الإستيعاب وغيره، فالجواب الصحيح. عن تخلفه: أن تخلفه لم يكن عن إجتهاد، فإنّ أكثر الخزرج قالوا: منا أمير ومنكم أمير، لئلا تفوت رئاستهم.. ولم يبايع سعد لما كان له حب السيادة، وإذا لم تكن مخالفته عن الإجتهاد فلا يضر الإجماع.. فإن قلت: فحينئذٍ قد مات هو رضي الله عنه شاقّ عصا المسلمين مفارق الجماعة وقد قال رسول الله| وأصحابه وسلم: لم يفارق الجماعة أحد ومات إلا مات ميتة الجاهلية. رواه البخاري والصحابة لا سيمّا مثل سعد برآء عن موت الجاهلية».
قلت: هب أن مخالفة الإجماع كذلك، إلّا أنّ سعداً شهد بدراً على ما في صحيح مسلم، والبدريّون غير مؤاخذين بذنب، مثلهم كمثل التائب وإن عظمت المصيبة، لما أعطاهم الله تعالى من المنزلة الرفيعة برحمته الخاصة بهم.
وايضاً: هو عقبى ممّن بايع في العقبة، وقد وعدهم رسول الله| واصحابه وسلم الجنّة والمغفرة، فإيّاك وسوء الظنّ بهذا الصنيع، فاحفظ الأدب.
ولو تنزّلنا عن قضية سعد بن عبادة، فما الجواب عن تخلف الصديقة الزهراء ‘ ؟! وهي من الصحابة؟ بل بضعة رسول الله|، فإذا كان الصحابة ـ لا سيّما مثل سعد ـ برآء عن موت الجاهلية، فما ظنّك بالزهراء التي قال رسول الله|: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني». وقال: «فاطمة بضعة منّي، يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها».
وقال: «فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة الّا مريم بنت عمران» . هذه الأحاديث التي استدلّ بها الحافظ السهيلي وغيره من الحفّاظ على أنّها أفضل من الشيخين فضلاً عن غيرهما، فإنّ من ضروريّات التاريخ أنّ الزهراء‘ فارقت الدنيا ولم تبايع أبا بكر.. وأن أمير المؤمنين× لم يأمرها بالمبادرة إلى البيعة، وهو يعلم أنّه «لم يفارق الجماعة أحد ومات إلّا مات ميتة الجاهلية»!!
أقول: إذن.. لا يدلّ هذا الحديث على شيء ممّا زعموه أوأرادوا له الإستدلال به فما هو واقع الحال؟
ومنهم من ترقى إلى حجية الشهرة.
عداء أهل البيت عليهم السلام والنفور عنهم من ثمار التشبث بالأكثرية:
الأكثرية الساحقة من بطون قريش ومواليها ناصبت محمداً وآل محمد العداء، ورفضت النبوة الهاشميّة والتميّز الهاشمي رفضاً قاطعاً خلال المدّة التي قضاها النّبي في مكة قبل الهجرة، وكل البطون اشتركت بمؤامرة قتل النّبي، وبإثم مطاردته عندما نجا من القتل. وقد أسلم القليل من أفراد البطون ومواليها.
وإذا راجعت التاريخ رأيت أنه اقتنعت الأكثرية الساحقة من المسلمين بأن سبّ علي ولعنه وشتمه، تنفيذاً لأمر معاوية، أمور تقربها من الله زلفى فلعنته بالفعل في جميع الأوقات، وصار ذلك جزءاً من العقيدة الدينية للأكثرية الساحقة من أبناء الأمة الإسلامية! .
ولمّا أصدر الخليفة! معاوية بقتل كل من يوالي علياً وأهل بيته. لذلك وقفت الأكثرية الساحقة من المسلمين مع يزيد بن معاوية.
والأكثرية كانت مع يزيد. من يصدق أن أكثرية الأمة الإسلامية وقفت مع يزيد بن معاوية وضد الإمام الحسين!!! والأقلية هي التي وقفت مع الإمام الحسين ضد يزيد بن معاوية!! من يصدق ذلك؟.
فهل ترى قيمة دينية لهذه الأكثرية
ليفخر وجهاء وعقلاء الأمة الإسلامية، وأكثريتها الساحقة بأنهم لم يأمروا بمعروف، ولا نهوا عن منكر، ولاسمعوا من الفئتين، فحددوا من هي الباغية؟ ولا حتى حجزوا وإنّما شاهدوا المذبحة وتابعوها من أولها إلى آخرها دون أن يحركوا ساكناً، أو يوجهوا كلمة لوم واحدة للخليفة الطاغية، بل مضوا في طاعته!! ألا بعدا لهذه الوجاهة الفارغة، ولتلك الأكثرية الجاهلة  كما بعدت ثمود!! .
كذلك فعلت الأكثرية الساحقة من الأمة الإسلامية إذ تجاهلت الأقلية المؤمنة التي وقفت مع الإمام الحسين وأهل بيت النبوة وقفة عزّ وشرف، قاتلت بين يديه.
لقد اعتبرت الأكثرية قتل ابن النّبي وأهل بيت النّبي ومَن والاهم فتحاً مبيناً. إذ من يدلني على رجل واحد من الأكثرية التي وقفت مع الخليفة، أنه قال له: هذا منكر يا أمير المؤمنين ما كان ينبغي لك قتل ابن النّبي وإبادة أهل بيت النّبوة لأي سبب كانت الأكثرية تبارك لأمير المؤمنين «بنصر الله والفتح» متى ندمت هذه الأكثرية؟ لقد ندمت فقط عندما ندم الخليفة واكتشفت أنها أجرمت بحق الله وبحق رسوله، عندما اكتشف الخليفة فظاعة جرمه، خرج علي بن الحسين ذات يوم، فجعل يمشي في أسواق دمشق واستقبله المنهال بن عمرو الصحابي، فقال له: كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ قال: «أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون، يذبحون أبناءهم، ويستحیون نساءهم، يا منهال، أمست العرب تفتخر على العجم، بأن محمداً منهم، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمداً منها، وأمسينا أهل بيت محمد ونحن مغصوبون، مظلومون، مقهورون، مقتولون، مبتورون، مطرودون، فإنا لله وإنا إليه راجعون». تماما كما فعلت الأكثرية الساحقة من مجتمع فرعون بموسى وبني إسرائيل، فعلت الأكثرية الساحقة من مجتمع يزيد بن معاوية بالحسين وأهل بيت النبوّة.
ان مواقف الأكثرية والأقلية من كل أمّة هي حالة من التواصل والامتداد الطبيعي لموقف الأكثرية والأقلية من كل أمّة من الأمم السابقة، فالأكثرية تقف مع مصالحها المرتبطة بنظام المجتمع السائد في زمنها، والأقلية تقف دائماً مع مبادئها، ويبدو واضحاً أن موقف الأكثرية والأقلية ظاهرة من ظواهر الإجتماع البشري الثابتة، فأقدم الأمم أمّة نوح، وأحدث الأمم أمّة محمّد، فكل أمّة من الأمم الواقعة ما بين الأمّة الأقدم والأحدث، وقفت أكثريتها مع الباطل أو ما نسميه: مصالحها، ووقفت أقليتها مع الحق أو ما نسميه: المبادئ، فأكثرية الأمّة الإسلامية التي وقفت مع يزيد بن معاوية وأركان دولته حفظاً لمصالحها هي إمتداد وتواصل طبيعي لموقف الأكثرية من كل أمة من الأمم السابقة التي اختارت الوقوف إلى جانب طاغوتها ونظامه السائد ضد النّبي أو المصلح الذي جاء لإنقاذها، والأقلية من الأمة الإسلامية التي اختارت الوقوف إلى جانب الإمام الحسين ضد يزيد بن معاوية وأركان دولته هي أيضاً حالة من التواصل والإمتداد الطبيعي لأقليات الأمم السابقة التي اختارت الوقوف مع أنبيائها ومبادئهم.
ما يضمن سلامة الأقلية عن وغوائل الأكثرية:
الوحدة:
من العوائق التي كانت تحول بين زعامة الأكثرية وبين تحقيق أهدافها وحدة الأقلية المؤمنة، فما دامت الأقلية المؤمنة متّحدة، فلن تتمكن زعامة الأكثرية من تحقيق أهدافها، لذلك ركّزت هذه الزعامة على اختراق الأقلية المؤمنة، وتدمير وحدتها.
فالتحزب والتعصب لها يوجب الفتّ في عضد المؤمنين ويحدث ثغرة في أوساطهم يسمح للعدو اللولوج في صفوفهم وبث التفرقة فيهم. (وكما ينقل في المروي: الأحزاب مطية الشيطان).
والتشتت نوع من غضب الله على الأمم: ﴿) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
طاعة أولياء الأمر:
﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾.
اختيار حجج الله بيد الله عز وجل:
إن الإسلام لا يؤمن بهذه الفكرة الأساسية في الحضارة الغربية لأنه يقوم على العقيدة بعبودية الإنسان لله، وإنّ الله وحده هو ربّ الإنسان ومربّيه، وصاحب الحقّ في تنظيم منهاج حياته... ﴿ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾. وينعى على الأفراد الذين يسلمون زمام قيادهم للآخرين، ويمنحونهم حق الإمامة في الحياة والتربية والربوبية ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾. فليس لفرد ولا لجموع أن يستأثر من دون الله بالحكم، وتوجيه الحياة الإجتماعية ووضع مناهجها ودساتيرها، وفي هذا الضوء نعرف أن تحرير الإسلام للإنسان في المجال السياسي، إنما يقوم على اساس الإيمان بمساواة أفراد المجتمع في تحمل أعباء الأمانة الإلهية، وتضامنهم في تطبيق أحكام الله تعالى «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، فالمساواة السياسية في الإسلام تتخذ شكلا ًيختلف عن شكلها الغربي، فهي مساواة في تحمل الأمانة وليست مساواة في الحكم، ومن نتائج هذه المساواة تحرير الإنسان في الحقل السياسي من سيطرة الآخرين، والقضاء على ألوان الإستغلال السياسي واشكال الحكم الفردي والطبقي، ولذلك نجد أن القرآن الكريم شجب حكم فرعون والمجتمع الذي كان بحكمه، لأنه يمثل سيطرة الفرد في الحكم وسيطرة طبقة على سائر الطبقات ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ ﴾، فكل تركيب سياسي يسمح لفرد أولطبقة باستضعاف الأفراد أو الطبقات الأخرى والتحكم فيها.. لا يقرّه الإسلام، لإنّه ينافي المساواة بين أفراد المجتمع في تحمّل الأمانة، على صعيد العبودية المخلصة لله تعالى.
إنّ النبوة والملوكية الحقة وسائر ولاة الأمور المحقين من حجج الله على خلقه لا يكون أمر اختيارهم إلّا بيد الله عز وجل وبتشريع منه ذلك لأنه تبارك وتعالى أعلم بمن يصلح لهذا الأمر وبمن يستحق هذه المناصب العالية، قال عز من قائل: ﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾. وقال: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  وَآتَيْنَاهُمْ مِنْ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾.،وقال تعالى في طالوت: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾، فالله قد اختار بعد كليمه موسى بن عمران (على نبينا وىله و×) وصياً له وهو ـ علی الظاهر ـ يوشع بننون ولكن أمّة موسى بعد موته غيّروا دين الله وعتوا عن أمر ربّهم وعصوا نبيّهم وخالفوه، فاقتضت حكمته أن يسلط عليهم تسليطاً كونياً لا تشريعياً. ملكاً جباراً يذلهّم ويقتل رجالهم ويخرجهم من أبنائهم وديارهم ويستعبد نساءهم ممّا اضطرهم أن يرجعوا إلى نبيّهم الذي قد خالفوه من قبل وسألوه أن يسأل لهم الله في أن يبعث لهم ملكاً قوياً يقاتلون معه في سبيل الله فاستجاب لهم نبيّهم وسأل ربّه ذلك فاختار لهم طالوت الذي زاده الله بسطة في العلم والجسم، وكل من يختاره الله لابدّ أن يزوده بقوة في العلم والجسم ليستطيع بهما إدارة شؤون أهل زمانه ويوصلهم إلى الكمال والأمان اللائق بهم. وهكذا شاء الله تبارك وتعالى أن يختار لهذه الأمة الإسلامة سيّد رسله وخاتم أنبيائه محمّد|، فأرسله رحمة للعالمين وأكمل له ولأمّته الدين واتمّ لهم النعمة كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً ﴾، وجعل شريعته جامعة لكل ما تفرق في الشرائع السابقة من النظم ـ في الصالح العام ـ وفضلها عليها. قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾، وما توفاه الله ولا قبضه إليه إلّا بعد أن اختار له أوصياء يقومون مقامه من بعده واحداً بعد واحد وهم علي والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين «وآتاهم ما لو يؤت أحداً من العالمين من كل فضل وفضيلة روحاً وجسماً» ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً ﴾، وجعل الله آية ومعجزة لمن يختاره من حججه أن الله يجعل لمن يختاره من حججه من رسل وأنبياء وأوصياء آية ومعجزة أو آيات ومعجزات تدلّ على صدقه في اختيار الله الحكيم له كما هو معلوم من نصوص القرآن المجيد الكثيرة لتتمّ بذلك حجته على خلقه ولا يبقى عذر لأحد ممّن خالفه وتمرّد على أوامره وأوامر حججه وخلفائه في أرضه: ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾، وهذا ما ذكره الله في طالوت بعد أن اصطفاه وزاده في العلم والجسم بسطة فجعل له آية تدلّ على صدقه وصدق نبيّه الذي قال لقومه: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾، ومن هنا نرى أن الله تبارك وتعالى قد جعل لكل واحد من أوصياء نبيّنا محمّد| علي والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين^ آيات ومعجزات تدلّ على أحقيتهم في دعوى الإمامة والوصاية بعد رسول الله| على ما هو متواتر من طرقنا ومروي بوضوح وجلاء من طرق غيرنا وفي ذلك تمام حجته على عباده من هذه الأمة، لكن طبيعة الناس المخالفة لله ولحججه إلا من عصم أن الملأ من قوم موسى الذين سالوا نبيّهم في أن يسأل الله أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله، وأخبرهم نبيهم باختيار الله لهم طالوت ملكاً، مع ذلك اعترضوا عليه غاضبين قائلين: ﴿ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ ﴾ (فأجابهم نبيّهم يذكر ما أفاضه الله عليه من اختياره وزيادة علمه وقوته وما جعل الله له من آية تدلّ على أحقيته بالملوكية وأنه تعالى هو المالك وهو الذي يؤتي ملكه من يشاء. ثمّ لمّا امتحنهم ملكهم المختار لهم من الله وابتلاهم بعدم شربهم من النهر أن كانوا من حزب الله وإذا بالكثير منهم قد خالفوه وشربوا منه إلّا قليلاً منهم ـ على ما صرح به القرآن المجيد ـ ثم لما التقوا بعدوّهم جالوت نكل الذين شربوا من النهر ـ وهم الأكثر عدداً ـ عن قتاله قائلين: ﴿ لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ (وهذا هو شأن الأكثرية من الناس في الأمم كلّها كما هو الظاهر من نصوص القرآن الكثيرة في ضلال الكثير من الناس وذلك لأنّ الإنسان في طبيعته كما عبرعنه القرآن بقوله: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾. نعم. أن الإنسان لظلوم كفار إلّا من عصم الله ورحم، قال تعالى: ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ ﴾. ويقول الشاعر أبو الطيب المتنبي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد           ذا عفة فلعلة لا يظلم
وهنا يلزمنا ـ أن كنا ننشد الحق ـ أن لا نستغرب أوننكر ما وقع في هذه الأمّة الإسلامية بعد نبيّها من تفرّقهم وأختلافهم في الحقّ وأهله قديماً وحديثاً، بل إرتداد الكثير منهم بإنقلابهم على الأعقاب مباشرة بعد وفاة النّبي|، كما قال عزّ من قائل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾. هذا وقد ثبت بالتواتر القطعي في روايات الخاصة والعامة في الصحاح والسنن والمسانيد  عن الصادق الأمين| وأهل بيته الأطهار^ واصحابه الرواةعنه في أن كل ما وقع في الأمم السالفة يقع مثله في هذه الأمّة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وفي نص البخاري وغيره: لتّتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع... الخ.
وهذا المعنى المتواتر في الروايات والأحاديث يؤيّده القرآن المجيد في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾، فقد روى القمي في تفسير هذه الآية عن رسول الله| أنه قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة ولا تخطئون طريقهم شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع حتى أن لوكان من قبلكم دخل حجر ضب لدخلتموه قالوا: اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال: فمن أعني، لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فيكون أول ما تنقضون من دينكم الإمامة، وفي نص: الأمانة، وآخره الصلاة. وعلى كل الحوادث الواقعة في الأمّم الماضية لابدّ وأن تقع في هذه الأمّة، ومن أهم الحوادث التي وقعت في الأمم الماضية تمرّد الكثير منهم على ولاة الأمر من حجج الله عليهم وقد وقع مثل هذا التمرد أيضاً في هذه الأمّة كما هو معلوم، ومن الآيات التي تشير إلى أن كل ما وقع في الأمم الماضية يقع في هذه الأمّة قوله تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾..
فملخص القول أن الدكتاتورية الإلهية ـ كما يقولون ـ خير من الديمقراطية البشرية بل لا قياس بينهما، فإذا احتمل الإنسان أن له سبيلاً ممكناً إلى تشريع مشرع كامل يحيط علمه بجميع الأمور ولا يخفى عليه شيء وهو مقدس من كل هوى وعصبية فإنّ عقل الإنسان وشوقه إلى صلاحه يلزمانه بالسعي إلى طلب هذا التشريع المقدس ولزومه.
القيادة المسددة من السماء هي الطريقة الوحيدة التي تضمن سعادة البشر وسلامة سبر المجتمع إلى التعالي والسمو.
وكذلك بالنسبة إلى الفئات، فإن الفئة القليلة أولى بالإنتماء اليها من الفئة الكثيرة إذا كانت القليلة على حق والكثير مع الباطل فالكثرة لا تغني شيئاً ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾، فالكثرة لا تغني شيئاً لوحدها بل الملاك الوحيد هو الحق ونصرته ﴿من انصاري إلى الله﴾.
وإذا تدبرنا أحاديث النبي| المقطوع بصدورها عنه| كحديث الثقلين وحديث السفينة وحديث الأمان وغيرها، المروية في كتب العامة فضلاً عن الخاصة، نجدها تضع النقاط على الحروف وتوضح من هي الفرقة الناجية، قال| في حديث الثقلين «إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي»و أن اللطيف الخبير أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما.
 والإمعان في هذا الحديث الذي يبلغ من التواتر حداً عظيماً يدلنا على ضلال من لم يتمسك بهما معا، فمن أخذ دينه أصولاً وفروعاً عن عترة النبي| المعصومين من الزلّل قاده ذلك إلى النجاة حتماً وبعكسه يكون الهلاك حتماً، قال تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ﴾..

‹ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي ›