مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي


بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله ربّ العالمین والصلاة والسلام علی محمّد وآله الطیّبین الطاهرین واللعن الدائم علی أعدائهم إلی قیام یوم الدین.
المقدّمة 
هذا مختصر من عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× إعتمدنا فیه علی کتب أبناء العامة – السُنّة –.
وَغرضُنا منه إرشاد إخواننا السنّة إلی بعض الحقائق الثابتة عن أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× من عظمته وکرامته ومقامه عند الله تعالی وحقّه في الخلافة بعد النّبيّ| من مصادرهم الخاصّة راجین من الله تعالی أن ینفع به المسلمین.
تمهید
قال رسول الله|: {إنّي تارک فیکم الثقلین کتاب الله وعترتي أهل بیتي ما إن تمسکتم بهما فلن تضلّوا بعدي}.
وقال رسول الله|: {علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن ینفرّقا حتی یردا عليَّ الحوض}.
{فوائد}
1- یستفاد من الحدیث الأوّل الملازمة بین القرآن الکریم وأهل بیت النبيّ|، وهم علي وفاطمة والحسن والحسین^ ولو کان أحدهما یغني عن الآخر لما أوصی النبيّ| بهما معاً فالوصول الی الهدایة التامّة ومجانبة الضلال یتم من خلال التمسّک بالقرآن وأهل البیت^.
2- ویتبیَّن من ذلک الملازمة بین القرآن وأهل البیت^ وعدم الانفکاک، وکلُّ ما یتصف به القرآن من صفات فهي بذاتها في أهل البیت^؛ لأنّ ذلک مقتضی الهدایة (لن تضلّوا بعدي).
3- القرآن الکریم یدلّ علی أهل البیت^ بآیاته وأهل البیت یُدلّون علی القرآن بالبیان والتفسیر.
4- دلالة القرآن علیهم إمّا بالمباشرة – إي بالدّلالة المطابقیة – کما في قوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ، وإمّا أن تکون دلالته علیهم بصورة غیر مباشرة أي بالدلالة الإلتزامیة، وبالصفات – وسیأتي بیانه لاحقاً-.
5- الحدیث دالٌّ علی علمهم^ بما في الکتاب وأنهّم لا یخالفونه قولاً وعملاً والأول دلیل الفضل علی غیرهم والأفضل أحق بالإمامة والثاني دلیل العصمة التي هي شرط الغمامة ولا معصوم غیرهم.
6- ان النبيّ| جعلهم عِدلاً للقرآن فیجب التمسّک بهم مثله واتباعهم في کل أمرٍ ونهي.
وبذلک تکون کل صفات القرآن منطبقة علی أهل البیت بدلالة الحدیثین، إلّا أنَّ الفرق بینهما إنَّ القرآن کتاب تشریعي والأئمّة^ کتاب تکویني، واحدهُما یدلّل علی الآخر، وسنتناول في بحثنا المتواضع الصفات المرتبطة بإمام الموحّدین أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× ومطابقته للقرآن ومطابقة الأخیر له×.

الصفة الاُلی
{القرآن حق}
قال تعالی: ﴿ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ...﴾ .
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
فأوّل صفة من صفات القرآن انّه حقّ؛ لأنّه من عند الله عزّوجلّ، وهکذا الأمر في أهل البیت فانّهم الحّق؛ لأن ولایتهم مستمدّة من عند الله تعالی.. لا سیّما مع قول النبيّ|: (الحقّ مع علي وعلي مع الحقّ)  بل أنّ أمیر المؤمنین× هو أصل الحق ومرکزه، بل الحقّ یدور حول علي وذلک لقول النّبي (اللهم أدر الحقَّ معه حیث دار)  وهو غیر قابل للانفکاک عن الامام مطلقاً.
الصفة الثانیة
{القرآن نور}
﴿... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾
والنور هو الظاهر بذاته والمظهر لغیره* ونوریة القرآن معنویة یشرق علی قلوب المؤمنین فینیرها ویهدیها إلی الطریق المنوّر، وکذلک أهل البیت^ فهم نور مهدیین في أنفسهم وهادین للعباد بالإرشاد والتعلیم والتزّکیة، وقد وصف القرآن النبيَّ بأنّه نور فقال تعالی: ﴿... وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾، وقد قال النّبي عن علي: (أنا وعلي من نورٍ واحد)  (علي بن أبي طالب هو نفسي وأنا نفسه)  فعلي× نور بذاته ولذا دعا النبي| الی متابعة هذا النور لأنّه الهادي الی الرشاد.
ولعظمة هذا النور وشرافته اختار الله تعالی الکعبة الحرام لتکون محل ولادته کما في القصّة المشهورة وهو کالقرآن، فالقرآن نزل علی النّبي في أوّل البعثة وعلي أوّل مَن آمن بالنّبي مباشرة فأشربَّت روحه بنور القرآن منذ البدایة.
الصفة الثالثة
{القرآن فرقان}
قال تعالی: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾
فهو فرقان بین الحقّ والباطل لأنّ القرآن یُمثّل الحقّ التّام وکل جهة تقف موقفاً سلبیاً من القرآن تمثّل الباطل وکل من یرفض ویبغض القرآن فهو مع الباطل لا محالة.
وکذلک کان أمیر المؤمنین× فرقان یُستَکشَفُ من خلاله المؤمن من المنافق، الحقّ من الباطل، المطیع من العاصي.
قال رسول الله|: (لا یحب علیّاً منافق ولا یبغضه مؤمن) ، وقال علي×: (والذي فَلَقَ الحبة وبرأ النسمة انّه لعهد النبي الأُمّي إليّ انّه لا یحبني إلّا مؤمن ولا یبغضني إلّا منافق) 
وعن أبي سعید الخدري قال: (کنّا نعرف المنافقین ببغضهم علیّاً...) .
فعليٌّ کالقرآن في انّه حدّ فاصل نکتشف من خلاله الایمان من النفاق في الدنیا، وهو فرقان في الآخرة لأنّه قسیم الجنّة والنار حیث یعطیه الله تعالی هذا المقام الرفیع تفضّلاً منه لعلي وهو القائل: (أنا قسیم النار أقول لها هذا لک وهذا لي) .
الصفة الرابعة
{القرآن قیّم ومهیمن}
قال تعالی: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً...﴾ ، ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾.
وواضح لدی المسلمون أنّ القرآن مهیمن علی جمیع الکتب السماویة وقیّم علیها بحیث ینسخ القرآن ما کان قبله من أحکام وشرائع أثبتتها تلک الکتب کالتوراة والانجیل، ویمکن أن نلحظ الهیمنة للقرآن من وجوه:
1- انّه کتاب فیه مفاتیح جمیع العلوم مع انّه له مقام الحجّة علی العباد کلّهم فهو المهیمن في عالم التشریع.
2- انّه کتاب فیه کلیّات التشریع الّتي تحتوي علی أُمور تدبّر شؤون العباد إلی یوم القیامة وهو معنی القیّم.
3- انّه کتاب یمثّل معجزة فریدة من نوعها في عالم المعجزات... وذلک لأنّه حالة تبلیغیة حیث یوضّح طریق الهدایة اللإنسان حتی مع عدم وجود النّبي من خلال بلاغته واعجازه وإرشاداته بخلاف معاجز الأنبیاء السابقین حیث کانت المعجزة تموت مع موت النّبي وهو واضح.
والقرآن قیّم لأنّه معصوم لا یأتیه الباطل – سیأتي علی ذلک الکلام – فیرشد لمّا فیه مصالح العباد لأنّ القیّم من یقوم بمصلحة الشيء وبما أن القرآن له هاتین الصفتین فکذلک تثبتان لأمیر المؤمنین× لدلالة حدیث الثقلین أوّلاً ولقوله| ثانیاً:
«علي ولي کلّ مؤمن من بعدي».
«مَن کنت مولاه فعليٌّ مولاه...» .
فهو المهیمن علی المسلمین لأنّه ولیّهم وإمامهم ودلیلهم بعد رسول الله|. ویمکن أن نتصوّر هیمنة علي× من بعض الوجوه:
1- مهیمن بلحاظ الولایة علی الناس والحجّة علی الخلق لقوله|: (أنا وعلي حجّة الله علی عباده) .
2- مهیمن بلحظ العلم فهو أعلم الناس بعد النبيّ| (أنا دار الحکمة وعليٌّ بابها) ، (أنا مدینة العلم وعليٌ بابها) ،وقال عمر بن خطّاب: (علي أقضانا)  ومن لوازم القضاء العلم الواسع، وأخرج الحاکم عن أبي مسعود قال: «کنّا نتحدّث أن أقضی أهل المدینة علي»، وأخرج ابن سعد عن ابن عبّاس قال: «إذا حدّثنا ثقة عن علي بقینا لا نعدوها»، وکان عمر یتعوّذ بالله من معضلة لیس فیها أبو حسن ولم یکن أحد من الصحابة یقول (سلوني) إلّا علي، وأخرج ابن عساکر عن ابن مسعود انّه قال: «أفرض أهل المدینة وأقضاها علي بن أبي طالب»، وأخرج عن عائشة: انّ علیّاً ذُکر عندها فقالت: «أما إنّه أعلم من بقي بالسُنّة».
3- مهیمنٌ علی الناس بلحاظ الفضائل الاُخری... قال أحمد بن حنبل: «ماورد لأحد من أصحاب رسول الله من الفضائل ما ورد لعلي» مثل حدیث المنزلة: (یا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا انّه لا نبيّ بعدي) ، وحدیث الرایة: (لأعطین الرایة غداً رجلاً یفتح الله علی یدیه یحبّ الله ورسوله ویحبّه الله ورسوله)  فأعطاها لعلي. وحدیث الطائر المشوي عندما قال النبيّ|: اللهمَّ أدخل عَليَّ أحبَّ الخلق إلیک لیأکل معي فدخل علي بن أبي طالب، وحدیث الاخوّة بینه وبین النّبي دون بقیّة الصحابة، وحدیث سد الأبواب إلّا باب علي وانّه أوّل من أسلم وانّه× نفس النبيّ لقوله|: (علي منّي وأنا منه)   و(أنت منّي وأنا منک) ، وقال ابن عبّاس: «کان لعلي ثمان عشرة منقبة ما کانت لأحد من هذه الاُمّة» وما نزل في أحد من کتاب الله تعالی ما نزل في علي وانّه قد نزلت في علي ثلاثمائة آیة وغیرها من الفضائل التي لا تحصی والتي ذاع صیتها وشاع کشجاعته وبطولاته التي لم یلحقه أحد فیها أبداً.
وهو× قیّم علی الناس بعد رسول الله| کما کان الرسول| قیّماً علیهم من قِبل الله بدلیل قوله: (من کنت مولاه فعليً مولاه...).
فقد اشترک مع القرآن في الهیمنة والقیمومة وانّه قیّم علی الناس لأنّنا قلنا ان القیّم هو من یقوم بمصلحة الشيء وتدّبیره کقیّم الدار وکقیّم الطفل، وعلي قیّم علی الاُمّة بلحاظ انّه أبو الاُمّة الاسلامیة والقائم علی رعایتها وهو الداعي الذي نصّبه النبيّ ولیّاً ووزیراً من بعده کما مرّ.
الصفة الخامسة
{القرآن یهدي لأَقوم}
قال تعالی: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وبطبیعة الحال ان من یرید الهدایة ویتمسک بآیات القرآن فانّها تقوده الی أقوم الطرق في الهدایة والکمال، وهذا الأمر نجده بعینه في أمیر المؤمنین× لدلالة حدیث الثقلین السالف وفي قوله تعالی: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فقد نزلت في علي، فإنَّ الهادي في الآیة هو علي×، وعن ابن عبّاس قال: قلت للنبي|: یا رسول الله هل للنار جواز؟ قال: نعم. قلت: وما هو؟ قال: حبّ علي بن أبي طالب.

فحبّه× یستدعي متابعته وهذا الولاء یقود الإنسان إلی أفضل النتائج وهي دخول الجنّة. وقد قال النبيّ| عنه وعن أولاده المعصومین إنّهم (أئمة الهدی)  ومن فوائد حبّ علي وأولاده – أئمة الهدی – الهادین الی اللتي هي أقوم نذکر منها:
1- حبّ علي مؤشر علی الایمان لأن بغضه کفر وفسق.
2- حبّ علي حسنة لا یضرّ معها سیئة وبغضه سیئة لا ینفع معها حسنة.
أي ان حبّ علي یدعو إلی مطابقة أفعالنا إلی أفعاله ومتی ما سار الإنسان علی منهج علي فمعنی ذلک انّه علی الطریق الأقوم، إمّا إذا إنحرف الإنسان ومال عن نهج وحبّ علي فلا ینفعه أي طریق آخر (لا ینفع معها حسنة).
3- حبّ علي علامة علی حبّ النبي (فإنّ عمر سئل النّبي|: فما آیة حبّکم من بعدکم؟ قال النّبي ووضع یده علی رأس علي× وهو إلی جانبه: إنّ حبّي من بعدي حبّ هذا وطاعته طاعتي ومخالفته مخالفتي.
وواضح ان المتابعة في العمل سبب حصول الحبّ الإلهي أو حبّ رسول الله من خلال قوله تعالی عندما یقول النّبي لقومه (إتبعوني یحببکم الله) فمتابعة الرسول علّة حبّ الله تعالی وإذا کان حبّ علي هو حبّ النّبي یلزم أن یکون متابعة علي والسیر علی نهجه سبب الحبّ الإلهي وهو الطریق الأقوم (یهدي للتي هي أقوم).
4- حبّ علي یمحو السیّئات، قال رسول الله|: (حبّ علي بن أبي طالب یأکل السیّئات کما تأکل النار الحطب) .
5- حبّ علي سعادة، قال رسول الله|: (السعید کل السعید مَن أحبَّ علیّاً في حیاته وبعد موته وأنَّ الشقي کل الشقي من أبغض علیّاً في حیاته وبعد موته) .
6- حبّ علي سبب قبول الأعمال، قال رسول الله|: (یا علي لو أن أُمّتي صاموا حتی یکونوا کالحنایا وصلّوا حتّی یکونوا کالأوتار ثم أبغضوک لأکبّهم الله في النار)  ؛ لأن الانحراف عن الطریق الأقوم الموصل (للتي هي أقوم) نتیجته النار، وهو أمر طبیعي، وقال رسول الله|: (لا یقبل الله ایمان عبدٍ إلّا بولایته – علي – والبراءة من أعدائه)  وغیرها من الأحدیث المرویة في ذلک.
ولا یخفی أنَّ هدایة أمیر المؤمنین للّتي هي أقوم بلحاظین، أوّلاً: بلحاظ إحاطته علماً بکل آیات القرآن حیث یقول×: (وما نزلت علیه آیة إلّا قرأتُها وعلمت تفسیرَها وتأویلَها ودَعاً الله لي – یعني النّبي – أن لا أنسی شیئاً علّمني إیّاه، فما نسیتهُ من حرام ولا حلال وأمر ونهي وطاعة ومعصیة.ولقد وضع یده علی صدري وقال: اللهم إملأقلبَه علماً وفهماً وحکماً ونوراً ثم قال لي: أخبرني ربّي عزّوجلّ انّه قد استجاب لي فیک، وقول علي نفسه: (فلن تسألوني عن آیة من کتاب الله إلّا أنبأتکم بها وفیها أنزلت) ، وقوله: (فوالله ما بین لوحي المصحف آیة تخفی عليّ) .
وواضح ان کل مَن أحاط علماً بالقرآن تفسیره وتأویله محکمه ومتشابهه، ناسخه ومنسوخه و... لاشک انه العارف العالم بمناهج القرآن ولا شک انّه یهدي للّتي هي أقوم ولذلک قال النبيّ|: «إن ولیتموها – یعني الإمارة – علیّاً وجدتموه هادیاً مهدیاً یسلک بکم علی الطریق المستقیم».
وثانیاً: هدایته للّتي هي أقوم بلحاظ انّه خیر البشر وأکملهم وأفضلهم ولذلک قال النّبي|: (علي خیر البشر ومَن أبی فقد کفر) .
الصفة السادسة
{القرآن مُخرِج من الظلمات إلی النور}
قال تعالی: ﴿ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
نعم، فالقرآن یخرج الإنسان من ظلمات الجاهلیة والإنحراف العقائدي والسلوکي ومن ظلمات الذّنوب والقبائح إلی نور الایمان والتوحید والصفاء والتزّکیة، ومن الجهل إلی العلم ومن الظّلام إلی الأنوار، من خلال إتّباع آیاته وتطبیقها فتنوّر معاني القرآن قلب الإنسان لیعیش الایمان عن وعي وحبّ وتشرق علی روحه تلک المعاني الشریفة فتُزکّی من کل دَرَن وکدور، ثّم تشرق آیات القرآن علی حیاة الإنسان فینهل من نورها منهجیة جدیدة في السلوک، وبالجملة فالنّور القرآني علی أمرین:
- علی صعید القلب والروح وما یتّصل بذلک من ایمان وعقیدة وحبّ وبغض....
- علی الصعید الاجتماعي والسلوکي.
وإذا کان الأمر کذلک ففي أمیر المؤمنین× نلمس هذا بوضوح لدلالة علي مع القرآن، ولدلالة حدیث الثقلین ویمکن توضیحه من خلال ما یلي:
1- بدلالة ان علي یخرج الناس من الفتن المضلّة الدهماء إلی نور الحق لأن القوم بعد رسول الله| انقسموا إلی فرق وأحزاب فهو یقود الناس إلی سنّة رسول الله| وهي الاسلام الخالص، ولذا قال النبيّ|: (مَن أحبني وأحب هذین – الحسن والحسین – وأباهما واُمّهما کان معي في درجتي یوم القیامة)  لأن بیت علي نور لا تغشاه الظّلمة أبداً، ولذلک مثّلهم النبيّ| بسفینة نوح فقال: (مثل أهل بیتي مثل سفینة نوح من رکب فیها نجی ومن تخلّف عنها غرق)  لأنّ الإنقسامات بعد عهد النبي| وإلی یومنا هذا بمثابة البحر المتلاطم من شدّة الفتن والانحراف، ولذلک قال عمر بن الخطّاب لعلي: (بأبي أنتم بکم هدانا الله وبکم أخرجنا من الظلمات إلی النور) ، فعلي کالعَلَمُ الراسخ وسط الفتن والأهواء وإلی هذا المعنی أشار النّبي|: (جعلتک عَلَماً فیما بیني وبین اُمّتي فمن لم یتبعک فقد کفر) .

2- وبلحاظ ان علیّاً یخرج الناس من ظلمات حبّ الدّنیا وزخارفها إلی نور الجنّة والفوز بالنعیم الخالد، ومن خلال عدّة خصائص موجودة في علي× یصل المرء إلی الجنّة: 
أ- حُبّهُ: قال النبي|: (من أحبّک فقد أحبني ومن أبغضک فقد أبغضني وبغضک بغض الله)  وکل من أبغضه الله أسکنه النار.
ب- منهاجه منهاج النبيّ: فقد قال النبي|: (مَن أحبَّ أن یحیی حیاتي ویموت میتتي ویدخل الجنّة التي وعدني ربّي فیتولَّ علي بن أبي طالب وذرّیته وأهل بیته الطاهرین أئمة الهدی ومصابیح الدجی من بعدي فإنّهم لن یخرجوکم من باب الهدی إلی باب الضلالة)  وهو حدیث واضح الدّلالة کما تری. بل ان علیّاً× رفض أن یبایعوا له بالخلافة علی عقد یُقرَن بسنّة النّبي سنناً اُخری إذ عَرَضَ علیه عبدالرحمن بن عوف أن یُبایَعَ لهُ علی کتاب الله وسنّة رسوله وسیرة الشیخین أبي بکر وعمر فرفض أن یُقرَن إلی کتاب الله وسنّة رسوله شیئاً آخر فضحّی بالخلافة حِفظاً لمکانة السُنّة» وهي منهاج النبي الأکرم وهو منهاج القرآن نفسه، فنهج علي هو نهج النّبي، ونقل ان علیّاً صلّی علی میتٍ فکبّر خمس تکبیرات ثمّ إلتفت إلی الناس وقال: ما نسیتُ ولا هِمتُ ولکن کبّرت کما کبَّر رسول الله. فدائماً کان علي یُذکِّر الناس بمنهاج النبي لأنّ الخلیفة الثاني کان قد وضع سُنّة في قِبال سنّة النّبي، فیحاول علي× أن یعید الناس إلی سنّة النبي|، وقد قالت عائشة: (أما انّه – علي – أعلمُ من بقي بالسُنّة) .
جـ - لأنّه من أصحاب الجنّة: وطبیعي ان رجل الجنّة لا ینطق إلّا حقّاً وصدقاً، ومن تبعه قاده إلی الجنّة، فقد قال النبيّ| له×: (یا علي أنت في الجنّة)  (وإنّک تنقر باب الجنّة فتد خلها بلا حساب) .
د – فضلاً عن إرشاداته ونصائحه في الزهد والابتعاد عن الدُّنیا والإلتصاق بالله، وقد جسّدها قبل أن یقولها وهي کالشمس في رابعة النهار، فلا حاجة لنا في ذکر الأحادیث والروایات والأحادث. فإنّ زهده وارتباطه بالله تعالی واضح عند العالمین.

الصفة السابعة
{القرآن معجز وصادق}
قال تعالی: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
لیس من شأن هذا القرآن أن یکون مفتراً من عند غیر الله.. لخصوصیاته الاعجازیة ولما فیه من مفاهیم واخبارات غیبیة وتفصیلات اُخری عن السلوک والأخلاق والتاریخ والمعاد و...
فلا قدرة ولا استعداد للبشر في أن یضعوا آیة واحدة مثل آیاته فضلاً عن أن یکون کلّه مفتری، فالقرآن بهذا المعنی  یکون معجز.
والقرآن بهذا المعنی یدلِّلُ علی الصدق؛ لأنّه من عند الله تعالی ولأن الصدق من لوازم المعجزة فأن المعجزة تدلّ علی صدق النّبي| في دعواه، وهذین الأمرین نجدهما بوضوح في علي× لدلالة علي مع القرآن وحدیث الثقلین ولبقیّة الأدلّة التي سنذکر شیئاً منها:
الأوّل: إنّ وجود علي× معجز بلحاظ ولادته، فلقد إشتهرت قصّة فاطمة بنت أسد عندما جاءها الطلق فتوجّهت إلی الکعبة متوسلة بالله عزّوجلّ فإنشقّ جدار الکعبة ودخلت وعاد الجدار لحالته الاُولی وفي ذلک إشارة إلهیة إلی عظمة المولود، وهو المولود الأوحد الذي ولد في بیت الله الحرام وذلک لطهارته من کل دَنَسٍ ورِجسٍ ودناءة، ولذلک أمر النّبي أن یسد المسلمین أبوابهم المطّلة علی المسجد ما عدا باب علي، وقال رسول الله|: «یا علي لایحلُّ لأحدٍ أن یَجنَبُ في هذا المسجد غیري وغیرک»؛ لوحدة الطهارة في علي وبیت الله الحرام والمسجد النبوي... فعليٌّ معجزة في ذاته.
الثاني: إنّ علي معجزة في صفاته وخصوصیاته فقد جمع الأضداد من الصفات یعجز الإنسان من جمعها فکان الشجاع الذي لا یقف أمامه شيء ولا یعجزه أمر في الحروب ولم یعرف الفرار یوماً ولا الغدر ولا التراجع والجبن... فقد جمع القوّة والبطولة؛ ولذا إشتهر عنه قلع باب خیبر الذي عجز عن حمله أربعون رجلاً.. وقد تعجبت الملائکة من تضحیاته فجاء النداء من السماء یوم أُحُد (لا سیف إلّا ذو الفقار ولا فتی إلّا علي) ، وهو المضحّي الذي لا یهاب أمراً ولا ترهبه الجموع البشریة في سبیل الإسلام فاختار أن ینام محل النبي لیسلم النبيّ من شرّ قریش وهو یعلم ان الداخلین علیه أربعون رجلاً یریدون الشرّ لاغیر.
وإلی جانب ذلک کان البکّاء لیلاً الذي لا تفوته حتی النوافل في حرب صفّین وهو علی ظهر الفرس. فقد جمع البطولة والإنغمار في حبّ الله تعالی، والتواضع للناس وأخذه المبطلین بأشد العقاب، والحقّ والعدالة التي قال عنها النّبي|: (کَفّي وکفُّ علي في العدل سواء) ، حتی قال النبي الأکرم عن کثرة فضائل أمیر المؤمنین: (لو ان الغیاض أقلام والبحر مداد والجن حساب والانس کتاب ما أحصَوا فضائل علي بن أبي طالب) ، وقال: (ان الله جعل لأخي علي فضائل لا تحصی...) ، فهو معجز في صفاته وخصوصیاته التي إنفرد بها.
الثالث: وهو الصادق الذي صَرَّح القرآن بصدقه في قوله تعالی: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فکان هو الصادق الذي دعی القرآن للکون معه ومتابعته وطاعته؛ لأنّه لا یفرق عن القرآن فکلاهما واحد، وقال النّبي له یوماً (وان الحقّ معک والحقّ علی لسانک ما نطقت فهو الحقّ وفي قلبک وبین عینیک) ، وهکذا تجد عزیزي القاری التطابق في الصفات بین علي× والقرآن الکریم.
الصفة الثامنة
{القرآن لایأتیه الباطل (معصوم)}
قال تعالی: ﴿... وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
فالقرآن کتاب إلهي وقد تکفّل الله تعالی بحفظه ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، فلا یمکن أن یتطرّق إلیه الباطل بأي شکل من الأشکال لأن المنزل حکیم حمید قادر مقتدر... وبهذا یمکن القول ان القرآن معصوم؛ لأنّه من عند الله، فلیس فیه أي خلل أو نقص أو عیب، أو أي شيء من شأنه أن یکون باطلاً أو قبیحاً، ولازمُ ذلک کون علي× معصوماً، نقیّاً من کلّ عیب أو خلل أو باطل... إذ لا یتطرّق إلیه الباطل أبداً لأنّه قرین القرآن... ولأنّه القرآن الناطق والمعبّر عن کتاب الله تعالی للتلازم بینهما في حدیث الثقلین وعندما عجز عُمَر بن الخطاب عن أن یجد عیباً في علي في موضوع الخلافة قال: إنّ فیه دعابة!!
وکان ابن سیرین یری ان کل ما یروی من أبناء العامة (السُنّة) علی علي من مناقص وعیوب کلّه کذّب مفتری علیه لأنّه معصوم.
ویمکننا أن نورد بعض الأدلّة الروائیة في عصمته× فضلاً عن الأدلّة العقلیة:
1- قوله تعالی: ﴿... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾، وإتّفق المسلمون (إلّا مَن شَذَّ منهم) إنّها نزلت في النّبي وعلي وفاطمة والحسن والحسین(علیهم السّلام) ، وواضح ان المراد بلفظة (أهل البیت) هم علي وفاطمة والحسنان.
2- قوله تعالی: ﴿... أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ولفظة (أُولي الأمر) هنا المراد بها هو علي بن أبي طالب، ولو لم یکن عليٌ معصوماً لَما أمرنا القرآن بطاعته وقَرِنَ طاعته بطاعة الله تعالی.
3- قول النّبي|: (أنت منّي وأنا منک)  وقوله: (أنا وعلي من نور واحد) ، وقوله تعالی: ﴿... فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ...﴾ ، فیثبت ان علي هو نفس رسول الله وانّهما من نور واحد، بل في قوله|: (ولحمه من لحمي ودمه من دمي وهو باب علمي)  دلالة واضحة أنّ علیّاً بالجملة هو نفس النّبي نوراً وروحاً وبدناً؛ ولذلک قال|: (یا علي أنت منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا انّه لا نبي بعدي) ، وبما أن النّبي معصوم بالاجماع فعلي کذلک معصوم؛ لإنعدام الفرق بینه وبین النّبي إلّا في النبوّة.
فللنّبي النبوّة ولعليّ الوصایة والخلافة من بعده، وبذلک یثبت أنّ علیّاً معصوم لا یفرق حاله عن القرآن فلا یأتیه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه.

الصفة التاسعة
{في القرآن أمثال}
قال تعالی: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾.
المراد من المثل هو المثول والانتصاب؛ ولذلک سمّیت الحکم أمثالاً لانتصاب صورها في العقول، مشتقّة من المثول وهو الانتصاب، وعندما یترک المثل أثراً في النفوس یسمّی (عِبرة).
والمِثلُ: هو النظیرُ والشبیه، وصیغة المثل وما یشتقّ منها تفید التصویر والتوضیح، وعندما یذکر القرآن الکریم الأمثال فالمرادُ منها إمّا توضیح الفکرة القرآنیة أو جعل الفکرة واضحة کالعَلَم الواضح، فالهدفُ منها إتخاذ العبرة والاستفادة من الماضي وما أشبه ذلک... وقد ذکر القرآن أمثالاً مختلفة شخصیةً ونوعیةً، ومَثَلَ بالانسان کما مَثَل بالحیوان.
وهکذا علي بن أبي طالب، ففیه أمثالاً منتصبة واضحة کالأعلام، مَن یدقِّقُ فیها ینهل العِبر الوافیات، ویمکننا أن نصنّف الأمثال الموجودة في علي× من جهتین:
1- في کمالاته.
2- في کلماته.
أما بالنسبة لکمالاته: فیکفیه فخراً ما قاله النّبي| له: (لولا أن تقول فیک طوائف من اُمّتي ما قالت النصاری في عیسی بن مریم لقلتُ فیک الیوم مقالاً لا تمرّ بملأ من المسلمین إلّا وأخذوا تراب نعلیک وفضل طهورک ویستشفون به) ، فکما ان المسلمین کانوا یتسابقون لأخذ فضول وضوء النبي للشفاء والبرکة لأن النبي عندما یمسّ الأشیاء فإنّه یزیدها شرفاً ونقاءاً ویجعل فیها البرکة للرصید الهائل من کمالاته الروحیة، فکذلک الحال في الامام علي لرصیده الضخم من الکمالات صار سبباً لتنقیة التراب وجعل البرکة فیه.
ثمّ ان ذات علي× قد جمعت کمالات الأنبیاء کلّهم، لذلک فهو جامع الأمثال أي النظائر والمشابهات الکمالیة الروحیة التي کان یتمتّع بها الأنبیاء، قال رسول الله|: (من أراد أن ینظر إلی آدم في علمه وإلی موسی في شدّته وإلی عیسی في زهده فلینظر إلی هذا المقبل فأقبل علي×)، وقال|: (مَن عانق علیاً فکأنّما عانقني ومَن عانقني فکأنّما عانق الأنبیاء کلّهم) 
  فعلي جامع کل کمالات الأنبیاء فهو مثلهم وممثّلهم، وقال|: (یا علي ان فیک مثل عیسی بن مریم أحبَّه قوم فهلکوا فیه وأبغضه قوم فهلکوا فیه) ، فالذین أحبّوا علیّاً جعلوه إلهاً ولأجل ذلک هلکوا.
أمّا بالنسبة لکلماته التي قالوا عنها انّها فوق کلام المخلوقین ودون کلام الخالق، ویکفیک اطّلاعاً علیها في نهجه المبارک (نهج البلاغة) الذي جمعه الشریف الرضي (أعلی الله مقامه).
فانّک تجد في کلامه أمثالاً عن کلّ شيء ومن کلّ شيء... ففیه العبر والدروس والإرشادات والایضاحات... وفیه کیفیّة العروج إلی الکمال وغیر ذلک.
الصفة العاشرة 
{ان القرآن تبیان لکلِّ شيء}
قال تعالی: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
ففي القرآن الکریم کلّ ما من شأنه أن ینظّم حیاة المجتمع الإنساني... من نظم وشرائع وأخلاق وسلوک وتعامل وغیر ذلک ففیه تبیان لکلّ شيء له مساس بالکمال الإنساني والرقي البشري، والتبیان والبیان معناهما واحد، وان کان الأوّل أشد. وواضح ان هدف القرآن انّما هو بناء الإنسان بناءاً إلهیاً یتّفق مع الغرض الإلهي المقدّس، وهدایة هذا الإنسان بهدایة تّتسم بالصراط المستقیم، وعلی هذا یکون في القرآن بیان وتبیان لعملیة بناء البشریة وهدایتها، بحیث توافرت الآیات علی معالجة النفس والنیّة ثمّ السلوک والعبادة والمعاملات التجاریة والحیاة الاُسریة و...
وهذا المعنی نجده في علي× فهو تبیان وبیان لکلّ شيء له ارتباط بعالم المعرفة والهدایة الإنسانیة:
1- بلحاظ انّه الهادي إلی صراط مستقیم وبدونه لا تحصل الهدایة، قال النّبي|: (وبک یا علي یهتدي المهتدون)  وقد وصفه| بأنّه (إمام البررة)  وبما انّه مهتدٍ في نفسه وهادٍ لغیره فیکون عارفاً بطرق الهدایة والکمال.
2- بلحاظ انّه عالم ووارث العلم کلَّه وطبیعي مَن هو کذلک یکون عنده بیان وتبیان لکلّ شيء خصوصاً ما یرتبط بأمر الهدایة والمعرفة وصناعة الإنسان. فعن علمه قال النبيّ|: (أنا مدینة العلم وعليٌّ بابها) ، وقال: (أقضاکم علي) ، ولزوم القضاء العلم. وقال: (أنا دار الحکمة وعلي بابها)  وقال: (علي عیبة علمي)  وقال: (ان علیّاً وصیي ووارثي) ، وانّه عالم القرآن، وقال|: (علي باب علمي ومبیّنٌ لاُمّتي ما أُرسِلتُ به من بعدي) 
3- وبلحاظ ان علیّاً× إدّعی انّه عالم بکل الشرائع الإلهیة أي عارف بطرق الهدایة والبیان فیکون إدّعائه واقعیاً لأنّه معصوم وصادق وإنّه من أهل الجنّة فیثبت حینئذ عنده تبیان کل شيء، فقد قال×: (لو ثُنیَت لي الوسادة لحکمت بین أهل التوراة بتوارتهم وبین أهل الإنجیل بإنجیلهم وبین أهل الزبور بزبورهم وبین أهل الفرقان بفرقانهم) .
ویمکن الاستدلال بالدلالة الالتزامیة من خلال قول النّبي|: (لا یؤدي عنّي إلّا أنا وعلي) ، وهو واضح ان علیّاً هو الوحید المقترب من شخص النّبي إلی درجة أنّه عارف بمنهجیة الرسول الأکرم وکیفیّة تحقیق إرادة الرسول وعدم التهاون بتبلیغ الرسالة الإسلامیة، وبما أن النبي کان أولی بالمؤمنین من أنفسهم لعلمه بما لهم، وانکشاف أمرهم الظاهر والباطن لدیه بواسطة الوحي فکذا الأمر في علي فعنده بیان کلّ شيء وکل أمر مکشوف عنده فهو تبیان لکلّ شيء، لذلک قال النّبي|: لا یؤدي عنّي إلّا أنا وعلي.

الصفة الحادیة عشر
{القرآن مبین}
قال تعالی: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.
والمبین هو البالغ في الوضوح والظهور الذي لا یحتاج إلی استدلال وبرهان علی وجوده أو علی وجود خصوصیاته، لأنّه ظاهر بذاته وبخوصیاته وصفاته... فالقرآن الکریم لشدّة بیانه وظهوره نری المولی عزّوجلّ یستنکر علی الکفّار ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا﴾، فبلاغته واضحة وإعجازه واضح وأحکامه ودعواته موافقة للفطرة الإنسانیة ولهذا یصفه الله بـ(مبین) في مواقع کثیرة.
ولمّا کان هذا وصف القرآن فهو بذاته وصف أمیر المؤمنین× لدلالة حدیث الثقلین، ولقوله|: (یا علي أنت بمنزلة الکعبة)  إذ الکعبة لا تخفی علی أحد فان وجودها مشخص منذ أقدم العصور ولا یوجد في العالم من لا یعلم بها فهي بیّنة لکل الناس، ولذلک شبّه النبي الأکرم الامام علیّاً بها لأنّه بَیّن بلحاظ الایمان والمنهج والطریقة والعلم والهدایة والزهد، ولذلک صار مضرب الأمثال من الایمان والشجاعة والبطولة والتضحیة إلی الیقین والفناء والاخلاص.
ولذلک لم یرتضِ النّبي| ان یشتکي أحدٌ من علي فقد أخرج الحاکم عن أبي سعید الخدري قال: إشتکی الناس علیّاً فقام رسول الله| فینا خطیباً فقال: لا تشکوا فوالله علیّاً انّه لَأ خشن في ذات الله أو في سبیل الله لعدم وجود أي شائبة علی علي× لکي یشکوه أحد، ولعدم وجود أي شک في ایمانه واسلامه وسلوکه فهو بیّن.
ولیس هذا فحسب بل کان النبيّ| یحاول دائماً أن یبرزه للاُمّة الاسلامیة بشکل یکون بیّناً ومبیّناً للناس ومبین لاشک فیه لتنقاد الجماهیر إلیه، فمثلاً قوله| في معرکة خیبر: (لأعطین الرایة غداً رجلاً یفتح الله علی یدیه یحبُّ الله ورسوله ویحبُّه الله ورسوله... ثم دفع الرایة إلی علي بن أبي طالب) ، وکذلک في حادثة تکسیر الأصنام فرفع النبيّ| علیّاً علی کتفه الشریف لیحطّم الأصنام ویسقطها من أعلی الکعبة فهذه الأفعال جعلت من علي× واضحاً بیّناً للاُمّة جمعاء حتی رأت الاُمّة نفسها مضطرةً إلی اعلان البیعة لعلي× بعد قتل عثمان، فأعلنت الجماهیر کلّها البیعة له مع أن هذا الأمر لم یحصل لأي أحدٍ من الخلفاء الثلاثة!!!
الصفة الثانیة عشر
{القرآن بشری للمؤمنین}
قال تعالی: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. فآیات القرآن تبشّر الذین آمنوا وعملوا الصالحات بالجنّة والرضوان، وتبشّر المُنفقین والمضحّین في سبیل الله والمتّقین والمحسنین والصابرین بجنّة الخلد التي وعد الله تعالی عباده المؤمنین... فهو بشری لهم.
وبعبارة اُخری القرآن یبشِّر الذین یتّبعونه ویطبّقونه في الحیاة ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، والأمر ذاته في أمیر المؤمنین× لأنّه مع القرآن ولأنّه الثقل الثاني أو السبب الثاني للنجاة والهدایة... فهو بشری للمؤمنین الذین یتّبعونه ویطیعوه، لأنّنا ذکرنا سلفاً ان حبّ علي× سببٌ من أسباب دخول الجنّة فحبّه بشری للمؤمن المحبّ ومتابعته أمان من العذاب، والخضوع لرأیه والتطبیق لکلماته دلیل علی سعادة المرء في الحیاة الدُّنیا وفي الآخرة.
وکل أمر غیر نابع من القرآن ومن مفاهیمه وأحکامه وکلیّاته فهو باطل؛ لأنّه بدعة، وکذلک الأمر في ولایة علي فکل عبادة بدون الاعتراف بولایة علي وبدون متابعة علي تعتبر باطلة لا أثر لها عند الله عزّ وجلّ. کما لو قرأ الکتابي آیات القرآن في شهر رمضان، فلیس لقرائته أي أثر لأنّ ثوابه متفرّع علی الایمان بالرسالة الاسلامیة ونبوّة النبيّ محمّد| وکذلک أراد الله أن یکون الایمان الحقیقي الذي دعی إلیه عبر الایمان بولایة علي وکل من أنکر ولایته أو بغضه فلن یکون هناک أي أثر لعباداته وطاعاته. قال رسول الله|: (لو أن عبداً عَبَدَ الله عزّوجلّ مثل ما قام نوح في قومه وکان له مثل أُحد ذهباً فأنفقه في سبیل الله ومدّفي عمره حتی حجّ ألف عام علی قدمیه ثم قتل بین الصفا والمروة مظلوماً ثم لم یوالک یا علي لم یشمّ رائحة الجنّة ولم یدخلها) ، فحبّه وولایته× بشری للمؤمنین.
قال النّبي|: (مَن أحبَّ علیّاً قَبِلَ الله منه صلاته وصیامه وقیامه واستجاب دعاءه) ، وقال|: (لا یقبل الله ایمان عبد إلّا بولایته والبراءة من أعدائه) ، بل ان بغض علي ابن أبي طالب نفاق وکفر لا یصح اطلاق لفظة المؤمن علی کل من أبغض علیّاً، قال النبي|: (من زعم انّه آمن بيّ وبما جئت به وهو یبغض علیّاً فهو کاذب لیس بمؤمن) ؛ لأن حُبَّ علي علامة علی الایمان، إذ أن الایمان یمثّله علي نفسه، ولذا قال النبي الأکرم|: (لو ان السماوات والأرض وضعت في کفّة میزان ووزن ایمان علي لرجح ایمان علي علی السماوات والأرض) . فحبه ومنهاجه ومتابعته والولاء له بشری.
الصفة الثالثة عشر
{القرآن عظیم}
لقد وُصف القرآن بالعظمة وهو أمر لا یحتاج إلی بیان، وتوضیح الواضحات من أشکل المشکلات، فالقرآن عظیم لأنّه یحمل أسمی المفاهیم والمعاني الشریفة والمفاهیم النورانیة وتأتي عظمته بلحاظ شمولیته وعدم وجود الاعوجاج فیه، وبلحاظ انّه کتاب مبارک ذوبرکة مستمرة وانّه کتاب مجید ثقیل بنوره وشرفه وعلوّ رتبته، ولذلک وصف المولی تبارک وتعالی عظمته بقوله تعالی: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
ویمکن أن نشیر إلی شيء من عظمة أمیر المؤمنین×:
1- قوله تعالی: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
فقد إختلف القوم في ولایة علي بن أبي طالب وخلافته المسلمین بعد رحیل النّبي|، وذلک عندما أخبرهم النّبي| بذلک، فهذه الآیة تشیر إلی عظمته،کما هي ظاهرة (النبأ العظیم) وهو أمر الخلافة والولایة علی الناس والتي تتناسب مع الرجل العظیم، وهو عليّ×.
2- عظمته بلحاظ أهمیة وجوده... فکلّما کان وجود علي مهمّاً بحیث یکون سبب سلامة الأمّة ونجاتها ودوامها یکون عظیماً کما لا یخفی وأهمیة وجوده من خلال:
أ- حِفاظه علی الشریعة والأخلاق والمبادیء... وقد تقدّم الکلام عنه.
ب- وبلحاظ انّه أمان أوتاد الأرض الّذین بهم تستقر الأرض بأهلها لقوله|: (النجوم أمان لأهل السماء وأهل البیت أمان لاُمّتي) ، وقوله|: (أهل بیتي أمان لأهل الأرض فاذا هلک أهل بیتي جاء أهل الأرض من الآیات ما کانوا یوعدون) ، وقال الشیخ محمد بن علي الصبان: «قد یشیر إلی هذا المعنی قوله تعالی: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ اُقیم أهل بیته مقامه – مقام النّبي – في الأمان لأنّهم منه وهو منه».
وواضح ان لفظة (أهل البیت) تشمل علی وجه الخصوص (علي وفاطمة والحسن والحسین(علیهم السّلام)  وعلی وجه العموم الأئمة المعصومین من أولاد علي وهم الحسن والحسین وعلي بن الحسین السجّاد ومحمّد بن علي الباقر وجعفر بن محمّد الصادق وموسی بن جعفر الکاظم وعلي بن موسی الرضا ومحمّد بن علي الجواد وعلي بن محمّد الهادي والحسن بن علي العسکري والمهدي المنتظر.
الصفة الرابعة عشر
{القرآن شفاء}
قال تعالی: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارا﴾.
فکما تعتري جسم الإنسان أمراضٌ مختلفة وأحوالٌ متباینة ناتجة من تقلّبات الهواء وعدم المنهجیة في الغذاء وغیرها من الأعراض والأسباب... فیکون بحاجة إلی دواء لیزیل هذه العلل والأمراض. وهذا لون من الشفاء البدني.
وهکذا الحال في الروح فإنّها تصاب بأمراض روحیة معنویة تؤثّر سلباً علی القوی الروحیة، وهي الأمراض المتصلة بالأخلاق والعقائد... وطبیعي سیکون العلاج ونوع الشفاء الروحي والعقلي لأنّنا ننتصوّر المرض الروحي من:
1- تراکم الشبهات عند الإنسان فیختل توازنه السلوکي وأظهر نتائجه الشرک بالله.
2- ذنوب ومعاصي وقبائح تؤثر علی سلوکه ومنطقه ونمط تفکیره و...
فیأتي القرآن لیغذّي الروح بالتوحید الخالص ویعطي القلب آلیة النقاء والطهارة ویعلّم الإنسان طرق الصلاح والخیر، ویفرّق له بین الحقّ والباطل وبالتالي ینال الشفاء الروحي من القرآن. فضلاً عن فوائد الآیات والسور في مسائل الشفاء الجسدي أیضاً المذکورة في محلها.
وهکذا نجد أمیر المؤمنین× شفاءاً من خلال:
1- انّه یزیل الشبهات ویحلّ المعضلات، ولذا قال عمر بن الخطّاب: (أعوذ بالله من معضلة لا عليّ لها)  وکلماته× في التوحید لا مثیل لها فمنها قوله: (ما وحّدهُ من کیّفَهُ ولا حقیقته أصاب مَن مَثّله ولا إیّاه عَنَی مَن شَبّههُ ولا صَمَدَهُ مَن أشار إلیه وتَوهّمه کل معروف بنفسه مصنوع وکل قائمٍ في سِواه معلول فاعل لا باضطراب آله...)  وهذا التعریف والبیان لمعنی التوحید یزیل کل شبهة ویصفّي القلب من کلّ شک في عالم الایمان.
2- وهو المعصوم الذي صنع رجالاً لم یخطر علی بال أحد أن یصِلوا إلی تلک الدرجة من الکمال... فقد أحیی الاُمّة الإسلامیة إذ بثّ فیها لمساته وتوجیهاته الأخلاقیة ودعواته إلی الکمال والفضیلة والخیر... فقد کان یعید الاُمّة الاسلامیة إلی وعیها وإلی طریقها کلّما اضطربت، ولذا اشتهر (لولا علي لهلک عمر) ، مع ان القوم یدّعون ان عمر بن الخطّاب فاروق الاُمّة!!! فهذا الفاروق کان یتعوّذ من أي مشکلة وکان یحتاج إلی علي في کلّ معضلة فکیف الحال بغیره؟ فذلک نقولها بضرس قاطع ان علیّاً شفاء للقلوب المریضة ورحمة للقلوب المؤمنة ولذلک جعله النّبي وصیّه ووارثه.

{فائدتان في الختام}
الفائدة الاُولی:
إلی هنا تحصل لنا أنّ صفات القرآن هي نفسها صفات علي× وبالعکس للتلازم الوثیق بینهما وللمعیة الدائمة التي لا تنفک أبداً، وهنا نشیر إلی بعض الخصوصیات والصفات التي جاءت علی لسان السنّة الشریفة للرسول الأکرم، فهناک صفات أو خصوصیات یمتاز بها القرآن وعليّ× نذکر بعضها:
1- ورد عن النّبي ان النظر إلی کتابة القرآن فیها فضل عظیم لأنّها من العبادة، فقال|: (... والنظر في الصحف یعني صحیفة القرآن عبادة...) ، وکذلک قال|: (النظر إلی وجه علي عبادة) .
2- وکما ان في تلاوة القرآن ثواب عظیم لأنّها عبادة دعی الشارع المقدّس إلیها وهو أمر بدیهي عند کل المسلمین ومن الاُمور المستحبة المؤکّدة فقد قال النّبي|: (ان الرجل الذي لیس في جوفه شيء من القرآن کالبیت الخرب) .
وکذلک ذِکر علي× أو ذِکر فضائله عبادة، قال رسول الله|: (فمن ذکر فضیلة من فضائله – علي – مقرّاً بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر... ومن نظر إلی کتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اکتسبها بالنظر، ثم قال|: (النظر الی أخي علي بن أبي طالب عبادة وذکره عبادة) .
3- ان القرآن کتاب إلهي معجز لا یقاس به أي کتاب آخر مهما وصل من التقدّم العلمي وقد أسلفنا هذا البحث. وکذلک أمیر المؤمنین×، فقد قال النّبي|: (نحن أهل البیت لا یقاس بنا أحد) ، وقول علي×: (لا یقاس بآل محمّد أحداً من هذه الاُمّة) ، وقول النّبي|: (لا یقاس به – بعلي – أحد ممّن خلق الله تعالی) 
4- وکما ان ترک القرآن وعدم قراءته وتطبیقه یعتبر هجراناً له وهو أمر بغیض أبغضه الله ویشتکي منه النّبي﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾، وکذلک زیارة أمیر المؤمنین بمنزلة القرآن، ولذا قال النّبي|: (مَثَلُ عليّ فیکم کمَثَلُ الکعبة المستورة النظر إلیها عبادة والحجّ إلیها فریضة) ، (یا علي أنت بمنزلة الکعبة)  فزیارته واجبة کما قال البعض أو مستحبة جدّاً.
الفائدة الثانیة:
لقد تکررت لفظة (یحب) في القرآن کثیراً فما معنی حبّ الله تعالی؟ لا یخفی أنّ المولی لیس بجسم ولا یمکن أن تطرأ علیه سبحانه ما یطرأ علی الأجسام من صفات وخصوصیات، فحبّه تعالی عبارة عن ایجاده لآثار ذلک الحبّ لا حصول صفة في ذاته کما تحصل للإنسان صفة نفسانیة، فالمولی عندما یحبّ فإنّه یوجد ویخلق آثاراً لذلک الحب لتدلّ علیه، وهکذا في الغضب، فإنّ الانتقام والبطش والبلاء دلیل علی غضبه، کما ان الهناء والرخاء والسعادة والاطمئنان دلیل علی حبّه وهکذا... ولذا قالوا في هذا المورد (خذ الغایات واترک المبادیء) فالقرآن یعدّد صفات کثیرة یحبّها الله ویحبّ من یتصف بها مثل:
﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ، ﴿ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، ﴿ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، ﴿ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾، وغیرها کثیر....
وهذه الصفات کلّها نجدها في أمیر المؤمنین×، بل وأکثر. الأمر الذي دعا رسول الله| أن یقول عن فضائله انّها لا تحصی أبداً. وإذا کان علي× محبوباً عند الله  تعالی لأنّه جسّد الصفات التي یحبّها الله تعالی فیکون علي× مورد حصول آثار الحب الإلهي، فلا غرابة أن نجد صفة الشجاعة والقوّة الخارقة للعادة في علي× لأنّه في مقام القرب وفي مقام العندیة وفي مقام الحبّ الإلهي، ولا غرابة أن نجده جامع الأضداد فذلک کلّه من آثار الحبّ الإلهي له. لأنّ علیّاً وضع نفسه في دائرة یحبّ ما یحبّه الله ویبغض ما یبغضه الله تعالی، فمِن جهة نراه قد جَسَّد الصفات التي لا یحبّها الله تعالی، وأنکر وابتعد وأبعد أصحابه عن تلک الصفات التي لا یحبّها الله تعالی کالإثم والخیانة والکفر والإسراف والعدوان والظلم والاستکبار... فکان لابدّ من ظهور آثار الحبّ الإلهي علیه لوجود المقتضي وارتفاع المانع....
ولا یخفی إنّ لکلّ صفة یحبّها الله أثراً خاصّاً بها ولیست هي کلّها متساویة الرتبة في الآثار فبعض الآثار ما یتصل بجانب الروح والقلب والعقل وبعضها یتصل بجانب البدن وإلی غیر ذلک. فیظهر ان وجود الاُمور العجیبة والغریبة والخارقة للعادة في شخصیة الامام علي× أمر طبیعي جدّاً لأنّه مورد عنایة الله تعالی بفضل ما حقّقه وأنجزه في طریق الکمال.


‹ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن ›