مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن


بسم الله الرحمن الرحیم
المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة فكر:
ينطوي مفهوم الفكر على شيء من الغموض؛ لأنه استعمل في معانٍ متنوعة بل ومختلفة تراكمت بمرور الزمن حتى أصبح إطلاقه دون تحديد موقعًا في اللبس. فإنه ينبغي تأصيل هذا اللفظ في اللغة والاصطلاح وتجليته كمفهوم وصولا إلى تحديده كمصطلح في العصر الراهن.
 وسيجري البحث في النقطتين الآتيتين المدلول العام للفكر ومفهوم فكر الإمام علي×.
1- المدلول العام للفكر.
أ- المعنى اللغوي: فَكَّرَ (بالتشديد) يُفَكِّرُ تفكيرا، ويقال: فَكَرَ (بالتخفيف) يَفكُرُ فِكرًا أو فَكرًا على وزن: ضَرَبَ يَضرِبُ ضربًا. ويقال: أفكَرُ في الأمر: فَكَرَ فيه فهو مُفْكِر. ويقال: فَكَّرَ في الأمر مبالغة في فَكَرَ وهو أشيع في الاستعمال منه (من فَكَرَ). ويقال: لي في الأمر فِكرٌ: أي نظر ورويّة.
ويقال: ليس ليّ في هذا الأمر فَكرٌ: أي لا أحتاج إليه ولا أبالي به. والفِكرَة: من الفِكر وهي الصورة الذهنية لأمر ما وجمعها فِكَرٌ. وقيل: الفِكرُ مقلوبٌ عن الفرك لكن يستعمل الفِكرُ في الأمور المعنوية وهو فركُ الأمور وبحثها للوصول إلى حقيقتها. وجاء عن ابن فارس:»فكََرَ: الفاء والكاف والراء: تردد القلب في الشيء يقال: تفكَّر: إذا رَدَّدَ قلبه معتبرًا ورجل فِكِّيرٌ: كثير الفكر».
 وقد وردت مادة (فَكَرَ) في القرآن الكريم في نحو عشرين موضعًا ولكنّها بصيغة الفعل ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر. قال تعالى: (إنَّه فَكَّرَ وَقَدَّرَ)، وقال تعالى: (أفلا تتفكرون)، وقال تعالى: (لعلّهم يتفكرون). ففي الآية الأولى وردت بصيغة الماضي(فَكَّر) وفي الثانية وردت بصيغة المضارع المخاطب (تتفكّرون) وفي الثالثة بصيغة المضارع الغائب (يتفكّرون).
 وعلى الرغم من كونها وردت في القرآن الكريم بصيغة الفعل ولم ترد بصيغة الاسم أو المصدر (فِكر) إلا أن الفعل في اللغة العربية يدل على الحدث ذاته وعلى من قام به وهو هنا المفكّر، وقد انتزع بعض الباحثين من ذلك أن الله جلّ وعلا أبان ولفت أنظار عباده إلى أن هذا العمل الذهني مرتبط بذات، وأنه لا يكون فيما لا طائل تحته.

وفي الوافي عرف الفكر لغوياً ما يلي: 
الفكر: إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول، وفَكَر في الأمر فَكراً أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وأفكر في الأمر: فَكَر فيه فهو مُفكَّر.
وفكر في الأمر: مبالغة في فكر، وهو أشيع في الاستعمال من فكر، وفكّر في المشكلة: أعمل عقله فيها ليتوصل إلى حلها فهو مفكر.
ب- المفهوم الاصطلاحي للفكر: عُرِّفَ الفكر بتعريفات كثيرة منها: إعمال الخاطر في الشيء، وإعمال العقل في الشيء وترتيب ما يعلم ليصل به إلى مجهول، وإعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة مجهول، وقوة مطرقة للعلم إلى معلوم ولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان ولا يمكن أن يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، وجملة النشاط الذهني من تفكير وإرادة ووجدان وعاطفة شاملًا ما يتم به التفكير من أفعال ذهنية تبلغ أسمى صورها في التحليل والتركيب والتنسيق وهو بهذا خاصية إنسانية، واسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان سواء أكان قلبًا أو روحًا أو ذهنًا بالنظر والتدبر لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة أو الوصول إلى الأحكام أو النسب بين الأشياء.
وقد ورد في بعض المعاجم تعريف مادي إلحادي للفكر تحت مسمى (الفكر الحر) جاء فيه « الفكر الحر هو النزعة في التفكير التي تبتعد عن المفهوم الديني لتفسير العالم ووضع قواعد الأخلاق في الحياة مع الالتزام أصلًا برد القواعد الأخلاقية إلى ما يمليه العقل والتجارب».
فكر الامام علي بن ابي طالب×:
لم اجد تعاريف لدى العلماء والباحثين لتحديد تعريف للفكر الإمام علي×، ولذا استلمهت تعريف فكر الإمام علي× من التعريفات المتعلقة بتعريف الفكر الاسلامي لكون فكر الإمام علي× جزء لا يتجزء من الفكر الاسلامي وهو: كل ما أنتجه فكر الإمام علي× في ضوء مبادئ الإسلام وأحكامه وضوابطه في المعارف الكونية المتصلة بالله سبحانه وتعالى والعالم والإنسان الذي يعبر عن اجتهادات العقل الإنساني لتفسير تلك المعارف العامة في إطار المبادئ الإسلامية عقيدة وشريعة وسلوكًا ومنبثقا من الكتاب والسنة، أو كل ما ألفه الإمام علي× في شتى العلوم الشرعية وغير الشرعية بغض النظر عن الحكم على مدى ارتباط هذا النتاج الفكري بأصل العقيدة الإسلامية، أو نتاج الفكر الذي تصدى للفلسفات والنظريات الغربية ناقدًا لها وواضعًا البديل الإسلامي محلها، أو كل نتاج للعقل البشري الموافق لمنهج الإسلام، أو كل ما هو غير تجريببي من مقومات الحضارة الإسلامية سواء كان تشريعًا أو علم كلام أو ما شابه ذلك وبعبارة أخرى: الجانب الفكري التصوري البحت الذي يقوم من كل حضارة مقام الخارطة الهندسية المصممة للبناء...، أو هو فقه الوحي وفهم رجال هذا الفكر له ثمّ شروحهم عليه، أو الحكم على الواقع من وجهة نظر الإسلام،  أو المنهج الذي يفكر به الإمام علي× أو الذي ينبغي أن يفكر به.
بالنظر في هذه التعريفات وما سبقها من تعريفات للفكر مجردًا عن الوصف أو الإضافة يلحظ الآتي:
1- أن الفكر إما أن يراد به الكيفية التي يدرك بها الإنسان حقائق الأمور التي أعمل فيها عقله فيكون الفكر عندئذ بمثابة الأداة أو الآلية في عملية التفكير وما يلحق بها من طاقات وقوى وملكات عقلية ونفسية. وإما أن يراد به ما نتج عن ذلك (من خلال تلك العملية) من تصورات وأحكام ورؤى حول القضايا المطروحة.
ثم تتسع دائرة مفهوم الفكر أو تضيق تبعًا لمنطلقات المحدد لمفهوم الفكر؛ فإذا اتسع مفهوم الفكر اشتمل على الموروث الفكري للإنسان في جميع ميادين المعرفة والعلوم على الصعيد النظري. على أن هناك من يدخل العلوم التجريبية والتطبيقية داخل مفهوم الفكر فيشتمل على النشاط الإنساني بعامة بما يخرج مفهوم الفكر عن الفكر ليشتمل على مفهوم الثقافة بل الحضارة أيضًا وربما تطرقت بعض التعريفات لتشتمل على ما هو أبعد من ذلك فتدخل الوحي في مفهوم الفكر. وقد تضيق دائرة مفهوم الفكر حتى تنحصر في مجرد النظر العقلي في أمر ما فيكون الفكر عندئذ منسوبًا إلى مبدأ أو مذهب أو طائفة أو أمة أو عصر.
خصائص فكر الإمام علي×:
وبعد، فإنه يمكن أن يعرف فكر الإمام علي× في ضوء الخصائص الآتية:
- الجمع بين عمل الفكر كأداة وبين ما ينتجه الفكر من ثمرة للتفكير.
- ينصب الفكر الإمام علي× على الناحية التنظيرية دون العملية.
- يعرف الفكر الإسلامي بأنه فكرٌ موجه أو بعبارة أنسب ملتزم ولكن في ضوء تعاليم الإسلام فلا يتوافر الفكر في ظل الإسلام على الخوض فيما نهى عنه الشارع ولا يتحرر من الضوابط الشرعية والأخلاقية ولا يدخل فيما ثبت عن الله وعن رسوله-صلى الله عليه وآله وسلم-وما أجمعت عليه الأمة وإنما يدافع عن ذلك ويظهر حكمة الشارع فيه ويلتمس العلل والمقاصد والبراهين والمسوغات لذلك في الحدود المشروعة بمنهج نقدي مؤصل ينفي ما علق بالفكر الإسلامي من مغالات المغالين وتفريط المفرطين.
- لا ينطوي التعريف على منع البحث في المعارف والعلوم التي تقوم عليها حياة الإنسان على الاكتشاف والابتكار وإعمال العقل فيما خلق له وهذا ما حققه فكر الإمام علي× فقد أسهم بقسط وافر في تأصيل كثير من النظم والقوانين الحضارية التي أصبحت بمثابة الأسس للحضارة الحديثة.
- ينطوي على التعريف المقترح على فكر الإمام علي× العصمة لانه صادر من إمام معصوم و ينصب على بذل الجهد واستفراغ الطاقة العقلية والنفسية فيما أفسحه الشارع الحكيم جل وعلا ويطابق الصواب نتيجة التزامه بالقواعد المنهجية واتصافه بالنزاهة والموضوعية... 
نستطيع القول بكل تأكيد أن الرسول الاعظم|، قد قام بعملية الاعداد الرسالي (التربوي والفكري) لعلي بن أبي طالب× منذ صدع بالوحي، وكان صلوات الله عليه يضع الخطوات العملية من أجل بلوغ الغاية المتوخاة من ذلك، وهي تولي علي للمهمة القيادة (الاجتماعية والسياسية) بعده مباشرة.
إن هذه التربية المخصوصة لعلي×، والرعاية القائقة، والحرص على أن يكون علي قريبا جدا من أنوار الوحي، وأن يكون متعرضا لنفحات النبوة، وأن يكون ثالث ثلاثة في بيت الرسول القائد حيث مهبط الوحي، فيتلقى في هذا المكان المشرف الدروس الاولى والتوجيهات النبوية المباشرة فينعكس ذلك على تكوينه الفكري والعقيدي (فلا يسجد لصنم قط) ولا يخالط عقله لحظة شرك، وينعكس على سلوكه (فلا كذبة في قوله، ولا خطلة في فعل. ان هذا ليكشف عن إعداد تربوى خاص بلا أدني شك. 
فإن للإمام على بن أبي طالب دوراً ملموساً في إثراء الفكر الاقتصادي الإسلامي والفكر السياسي والقضائي والاجتماعي من خلال خطبه وكتبه ورسائله إلى عُماله على الأقاليم المختلفة.  وكما ان الامام علي× لم ينسى المرأة ودورها في المجتمع فقد كان كلام الأمام علي× كان تكريما للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل وأعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل.الله.
أبعاد فكر الامام علي×:
لفكر الامام علي بن ابي طالب× عدة ابعاد منها: 
اولا: البعد الاجتماعي 
يهذب الإمام النفس البشرية، ينطلق نحو رحاب المساواة في عنوانها الاشمل (المساواة في اطار المجتمعات الانسانية وقد جعل الإمام دستور سياسته في المساواة كلمة قصيرة الصياغة بعيدة الدلالة تهدف للاصلاح واعادة بناء الانسان فيقول×:»الناس اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق»، فشعار الإمام كان المساواة « بين جميع الناس وان تباينوا في الاديان واختلفوا في العناصر والالوان مساواة ميسرة قاصدة بغير تقصير سمحة بغير مغالاة،نسبية بغير اطلاق تتعايش في الممكن المتاح»
ويعلق أستاذ معاصر على الشعار العلوي « اما اخ لك في الدين او نظير في الخلق « بانه اقصى غايات الإنسانية بشموليتها الواسعة اذ «ليس بوسع اكثر النظريات التنظيمية عمقا وتحسبا ان تعطي للبعد الإنساني عمقا في التعامل اكثر شمولية مما أورده الإمام علي×في صورة الاخوة على أساس الدين او في الخلق والتكوين الجسدي حيث ان لم تجتمع وسواك بوحدة العقيدة الإسلامية فانك تجتمع معه بوحدة الخلق … وهذه صفة شاملة تضم النوع الإنساني بأجمعه
ثانيا: البعد الاقتصادي 
ان ما يكنه الإمام من احترام للعمل  كونه حق الانسان وواجباً عليه، غير بعيد عن رفض الإمام للمساواة بين الخامل والعامل الكفؤ وبين الذكاء والابداع ونقيضهما، بل انه يقرر عدم شرعية أي مكسب مالي على حساب القوى العاملة في الامة، ناتج عن حسب أو جاه أو منصب وما الى ذلك من اعتبارات لا تفيد الا اصحابها على حساب المجتمع، بل ان ثروة الامة في نظر الإمام علي تكون لابنائها العاملين فقط، وبعد اخذ الحق العام،»فجناة ايديهم لا تكون لغير افواههم.
ان التطور الاقتصادي، في نظر الإمام، وكذلك تراكم الثروة وتحقيق الرفاه لا يكون الا من حيث تقام العدالة والمساواة اذ يقول: « لا يكون العمران حيث يجور السلطان
رابعاً: البعد السياسي
اما البعد السياسي،فان الإمام يتوجه نحو السلطة الحاكمة،ليبين حالة التأثير والتأثر بين الامة والحاكم على محك المساواة العادلة، فيقول الإمام « جمال السياسة العدل «، ويجعل ذلك مطلبا في مختلف توجهات الحكم ومستوياته اذ يوصي× «اذا حكمتم فاعدلوا «، بل عنده «افضل عباد الله عند الله امام عادل»(3) و»ان زمن العادل خير الازمنة وزمان الجائر شر الازمنة « وينصح الإمام الانسان بشكل عام وصاحب السلطة بشكل خاص قائلاً: « اياك والجور، فان الجائر لا يشم ريح الجنة
يشكل مجموعة أفكار الإمام علي بن أبي طالب×، فلسفة للحياة واضحة المعالم، متجانسة متكاملة، ولكن من خلال نظرة وفلسفة الإمام علي× نستطيع أن نجد أن هناك إمكانية واضحة للتعايش بفكرامير المؤمنين لفهم حياة الإنسان، سلوكه و أفاق تطوره وتطور المجتمعات المرافقة لتطور الإنسان.
يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي× بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري غربي. فهو فكرٌ إنساني لأنه ينظر إلى الادارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما وأنّ نظرة الإمام إلى المؤسسة الإدارية؛ إنّها مجتمع مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، كما وأن نظرته إلى الادارة؛ أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، وأنّ لهذا الجهاز هدفاً سامياً فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة.
إستناداً إلى هذه الرؤية الشمولية عند أميرالمؤمنين× فانّ الادارة هي كيانٌ حيّ ينبض بالحياة فهي متصفة بالصفة الانسانية والصفة التنظيمية والصفة الجماعية والصفة الهدفية.
فهي إذن كيانٌ إجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. وسنأتي على توضيح أهم تلك الصفات فيما يأتي:

أولاً: الصفة الإنسانية
يمتاز فكر الإمام أميرالمؤمنين× بالتناسق والتعاضد لأنّ رؤيته للحياة رؤية شاملة لكل أبعادها وأركانها وأجزائها.
فالاقتصاد متداخل مع السياسة وهما يعتمدان على الإدارة، فإذا ما تتبعنا حلقات فكر الإمام أميرالمؤمنين× لوجدنا أنها تستمد مِن رؤيته الثابتة عن الإنسان، طبيعته، وأساليب رقيه، مشاكله وكيفية مواجهته لها، فكان لابُدَّ مِن عرض رؤية الإمام أميرالمؤمنين× عن الإنسان قبل أن نستعرض نظريته في الإدارة. ذلك لأنّ الإدارة في المنظور الإسلامي ليست أدوات صماء، بل هي تقوم على أكتاف البشر، والبشر فيهم عوامل قوة وعوامل ضعف. وبقدر تفعيل عوامل الخير وتحريك الطاقات الكامنة في البشر تتقدم المؤسسات والمشاريع وهي بأجمعها رهن الإدارة الجيدة.
فالمدير الجيد هو الذي يعرف طبيعة الناس الذين يتعامل معهم، ويعلم ما الذي يُحركهم؟ وماذا يثبّط عزائمهم؟ يعرف متى يتقدمون ومتى يتأخرون؟ وما مِن نظرية إدارية إلاّ وهي قائمة عَلى رؤية أصحاب هذه النظرية إلى الإنسان، فالرأسمالية الاحتكارية التي تنظر إلى الانسان ككتلة مِن اللحم الصماء تتعامل معه بطريقة خاصة تقوم على هذه الرؤية، فهي لا تُعير أهمية للمحفزات المعنوية التي تدفع بالإنسان إلى الأمام عشرة أضعاف المحفزات المادية.
إذن النظرية الإدارية المتكاملة هي التي تبدأ أولاً بالإنسان.. ماهيته، وممّ يتكون، وكيف يتعامل مع الحياة؟ وماهي مشاكله وكيف يتقدم؟ وماهو السبيل إلى توجيهه الوجهة الصحيحة؟.
ثانياً: الصفة التنظيمية
يبتدأ الفكر الإداري في الإسلام بالتركيز على النظم والنظام، فأكبر مصداقٍ للنظم هو تنظيم شؤون الدولة وأُمور المجتمع، وقد جاء الاسلام بهذه الفكرة يوم كانت الفوضى هي الحالة السائدة في البلاد العربية، وتقدّم المسلمون لأنهم كانوا أكثر تنظيماً من غيرهم، إنتصروا في الحرب لأنهم أوجدوا نظاماً للقتال.. وانهالت عليهم الثروات لأنهم وضعوا نظاماً للاقتصاد يقوم على تحريك الموارد المجمدة التي كانت بيد الأغنياء واستطاعوا أن يوجدوا دولتهم لأنهم أقاموها على أساس مِن التنظيم ونشروا العلم لأنهم وضعوا نظاماً للتعليم.. وهكذا سادت الادارة المنضبطة سائر أرجاء البلاد الاسلامية بفضل الحث المتواصل على التنظيم والنظام. ويمكننا القول بكل ثقة: بفضل التنظيم إستطاع المسلمون أن يكتسحوا العالم ويوصلوا الاسلام إلى آخر بقعةٍ مِن بقاع الأرض.
وعلى هذا النسق أعار أميرالمؤمنين× إهتماماً كبيراً لنظم الأُمور وتنظيم الشؤون حتى أنه لم ينس أن يوصي أولاده وأصحابه وجميع المسلمين في آخر كلمة له قبل أن يرحل إلى الرفيق الأعلى بنظم أمرهم.
فقد جاءت وصيته في النظم بعد وصيته بالتقوى لتأخذ مكان الصدارة في هذه الوثيقة الهامة: أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغْهُ كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم
وفكرة النظم لم تكُ وليدة الساعة أو الحاجة فقد امتزجت هذه الفكرة بكلمات أميرالمؤمنين× وبعقله قبل أن تأتيه الخلافة، فهذا عمر بن الخطاب يستشيره في الشخوص لقتال الفُرس، فيوصيه بأن يلتزم النظام في عمله، فيقول له: ومكان القيِّم بالأمرِ مكانُ النظامِ مِن الخَرَزِ ـ يجمعُهُ ويضمُهُ فإن انقطعَ النِّظام وتفرَّقَ الخَرَزُ وذَهَبَ، ثم لم يجتمِعْ بحذافيرهِ.
ثالثاً: الصفة الجماعية
لا تنشأ الإدارة إلاّ بين جمع مِن الناس، ولابُدّ لهذا الجمع مِن روابط تربطهم، وكلما قوي هذا الرابط قويت الجماعة وأصبحت الادارة متيسرة على المدير. فالجماعة هي البيئة التي تنشأ فيها الإدارة، وبدون مراعاة هذا الجانب تصبح الادارة أشبه ماتكون بمعادلة حسابية، وقد وُجّهت إنتقادات إلى المفكر الألماني (ماكس فيبر) عندما لم يهتم بالبيئة الاجتماعية التي تنشأ فيها الإدارة فجاء نموذجه في ـ البيروقراطيةـ تُنقصه الروابط الانسانية. كذلك يؤخذ على (تيلر) إتجاهه إلى مكننة الانسان في المعمل.
وقد زخرَ فكر الامام أميرالمؤمنين× بنصوص كثيرة في مجال المجتمع والجماعة، وهي بحدّ ذاتها تكوّن لدينا دراسة متكاملة عن المجتمع ودور الفرد في الجماعة، لكن سنقتصر على النصوص التي نحتاجها في تأكيد الصفة الاجتماعية في الادارة.
فالادارة التي نستقي أبعادها من كلام أميرالمؤمنين× هي التي تنشأ في رحم المجتمع والجماعة. وقد أشرنا سلفاً أن المفردة الاجتماعية تحتل مساحة كبيرة مِن فكر الامام أميرالمؤمنين× فكان علينا أن نقتطف ما ينفع دراستنا وهو الاشارة إلى ضرورة وجود المجتمع للحياة، وعوامل تكوين الجماعة، وتصنيف المجتمع وما إلى ذلك من الموضوعات التي سنأتي على ذكرها.
رابعاً: الصفة الهدفية
الحياة لم تُخلق عبثاً، فهي لم تخلق بالصدفة ـ كما يذهب البعض ـ ولا خلقتها الطبيعة العمياء ـ كما يقول آخرون ـ ولم تخلق الدنيا نفسها ـ كما هو رأي البعض ـ بل خلقها خالق قدير متعال، عالم قادر رازق حكيم عادل، فمن الخطأ أن يعتقد المرء بأنّ لهذا الوجود خالق ثم يقول باللاهدفية، فأينما رميت ببصرك فثمة دليل قاطع على هدفية الكون والحياة، هذا ما يؤكده لنا القرآن الكريم والسُّنة النبوية وما أشار إليه أميرالمؤمنين× في كلماته الرائعة، فتسلسل الفكرة يفرض علينا هذه الخطوات، وأن نسأل هذه الأسئلة.
خامساً: لمن الجنة؟
وصلنا إلى ان الهدف الذي خلق الله الانسان له هو الجنة، والجنة ليست المكان وحسب، بل هي متضمنة شروط الوصول إلى هذا المكان. وعندما يقول الامام اميرالمؤمنين×: غاية المؤمن الجنة يختصر كل شيء في هذا النص القصير، فالغاية هنا نقطة النهاية اي المكان الذي سينتهي إليه المؤمن، والغاية هنا أيضاً تحقيق الشروط التي توصل الانسان إلى تلك النقطة النهائية وشروط الوصول هو الايمان المتحقق في المؤمن.
فنحن إذن أمام نصٍّ يجمع بين البداية والنهاية، الايمان البداية والجنة هي النهاية، الايمان شرط للوصول، والجنة مكان وتمكين، فمن حصل على تلك الشروط فهو واصل إلى الجنة لا محالة. ويكرر الامام أميرالمؤمنين× هذه الحقيقة قائلاً: الجنة جزاء كل مؤمن محسن
سادساً: مَن هو المؤمن؟
في هذه المحطة نصل إلى المؤمن، أو بعبارة أُخرى مَن ترجم الايمان في حياته يقول الامام: ثلاث مَن كنّ فيه كمل إيمانه: العقل والحلم والعلم
فالمؤمن على درجات، لانّ العقل والحلم والعلم على درجات أيضاً، فإذا كملت هذه العناصر الثلاثة كَمُلَ إيمانه ايضاً، وعلى اساس هذه الدرجات تكون درجته في الجنة، فكلما إرتفعت درجة إيمانه إرتقى درجة في الجنة أيضاً.
خلاصة البحث في فكر الامام علي×:
مما سبق تبين إن  فكر الامام علي× هو نتاج علم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فهو باب مدينة علم الرسول| وباب حكمته. فهو شمل لجميع مناحي الحياة الاجتماعية، الاقتصادية والعلمية، السياسية والاداية لنا الادارة عند أميرالمؤمنين× ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهذه الصفات هي التنظيم، وهي الصفة الاولى، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.
والصفة الثانية: الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.
أما الصفة الثالثة: فهي الحالة الاجتماعية، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البير وقراطية والتِلرية العلمية.
أما الصفة الرابعة: فهي الهدفية، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.
الجانب السلوكي والعملي من شخصية الإنسان:
فلا قيمة للفكر والعاطفة ما لم يترجما على الواقع العملي والسلوكي في جميع مفاصل الحياة، ومهما حاول الإنسان أن يتفنن ويتقن مثله وقيمه العليا وكان متحمسا لها ومدعياً التمسك ببنودها، فإن ذلك كله عديم النفع وعقيم العطاء لا قيمة له إن لم يدعم بالعمل المنتج والنشاط البناء، فنحن بحاجة إلى من يغير الواقع ويرفع من المستويات الاجتماعية والأخلاقية الدانية.
النظرية السلوكية للإمام علي×: 
مجمل نظرية الإمام× في الناحية السلوكية من جانب الفرد، وهي:
1- أن يعرف نفسه وقدرته وطاقاته ويشعر بمسؤوليته من أجل استغلالها واستثمارها في صالح الأمة وفي توجيه ذاته، وفي ذلك يقول×: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، وقال×: «هلك امرئ لم يعرف قدره»، وقال×: «كفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره»، وقال×: «من حمل نفسه ما لا يطيق عجز» وغيرها من الكلمات العظيمة لأمير المؤمنين×.
2- أن يكون ذا ثقافة واسعة ومتنوعة تساعده في حل معضلات الحياة وتعينه على العيش في مجتمع بشري عاقل، لذلك قال الإمام×: «ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة»، وقال أيضاً: «العلم يأمر بالعمل».
3- أن يحسن مهارات متنوعة ليسهم في بناء صرح وطنه وأن يتقن مهنة من المهن يكفي بها عياله ويرتزق منها، يقول أمير المؤمنين علي×: «اسأل الله أن يُلْهمك الشكر والرَّشد ويُقَوِّيك على العمل بكل خَير».
4- أن يجعل الكلام وسيلة للإفصاح عن نظرياته وأفكاره، يقول الإمام علي× في هذا الشأن: «لا تكن ممن ينهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي ويصف العبرة ولا يعتبر فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن».
5- أن يعمل على تطبيق المثل في حياته الخاصة والعائلية، وأن يكون داعية لها في المجتمع العام كي لا تكون رموزاً نظرية مكنوزة فحسب، وفي هذا الصدد يقول أمير المؤمنين علي×: «اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسئولون عن البقاع والبهائم»
إذاً فالمواطن الذي لا يتيسر له تشرب روحه بذلك في حياته منذ الصغر قد يكون من العسير عليه تعلمها أو التأثر بمفعولها حين الكبر. وويل ثم ويل للأمة التي تفقد عناصر تربيتها الوطنية لأنها تفقد بذلك مقومات وجودها وتموت الثقة المتبادلة بين أبناءها فتحكم على نفسها بالفناء والعدم.
هذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× فهو يريد منا أن تكون غايتنا رضا الله، وأن نحقق هذه الأمور التي ذكرناها سواءً في الجانب الفكري أو الوجداني أو السلوكي.
وخلاصة القول: إنّ كلّ من يدرس تاريخ الإسلام شابّاً كان أو شيخاً، عالماً كان أو من العامّة وتناهى إلى سمعه اسم وأخبار أمير المؤمنين×، فسوف يشعر بالمحبّة والتعطّش والولاء له، في وقتنا الحاضر أُلّفت عدّة كتب من قبل كتّاب وأدباء مصريّين عن أمير المؤمنين×، وكتب المسيحيّون مجلّدين أو أكثر من هذه الكتب، وهم وإن كانوا لا يعتقدون بالإسلام، إلّا أنّهم يعتقدون بأمير المؤمنين×.
وهذه من خصائص أمير المؤمنين× من بين الشخصيّات الإسلاميّة؛ ولعلّ سبب ذلك يعزى إلى أنّ هذا الرجل العظيم أنفق كلّ وجوده على أفضل وجه في سبيل الأهداف السامية في مختلف أدوار حياته، وفي جميع الأوضاع والظروف، وفي كلّ موضع عاش فيه.
ضعوا نصب أعينكم أمير المؤمنين× وهو شابّ يبلغ من العمر ستّ عشرة إلى تسع عشرة سنة عندما كان في مكّة، أو في مطلع قدومه إلى المدينة؛ إذ كان حينها شاباً يبلغ عشرين ونيفاً من السنين، وانظروا إلى المراحل المختلفة لحياة هذه الشخصيّة الكبرى، تروا أنّ هذا الشاب يمثّل حقاً أفضل قدوة لأفضل الشبّان في كلّ زمان؛ فلم تجذبه شهوات الشباب والملذّات الدنيويّة والمحاسن الّتي لها قيمة في نظر الشباب، ولم تكن تستهويه إلّا تلك الأهداف الكبرى والسامية الّتي بُعث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أجلها، فكلّ وجوده كان في خدمة هذه الأهداف، أمّا الأمور الأخرى فكانت مسألة ثانويّة بالنسبة إليه.
وإنّه لأمر عظيم جدّاً أن لا يلتفت شابّ حتّى لحظة واحدة إلى الدنيا ولذّاتها ومحاسنها، وأن يُنفق عنفوان شبابه وطاقاته ونشاطه واندفاعه أي كلّ ما يتحلّى به الشابّ من طراوة وجمال وإيناع في سبيل الله وهذا غاية الإخلاص، وليس هناك حقّاً ما هو أسمى من هذا.
لاحظوا هذا الرجل وقد بلغ سنّ الكمال والنضوج، وكان يعدّ واحداً من شخصيّات مجتمعه، وهو محترم من قبل الجميع، ولعلّ آلاف الأشخاص قد سمعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحمده ويثني عليه. ولا أتصوّر أنّ أحداً من المحدّثين المسلمين نقل بحقّ شخص آخر ما يضاهي كمّاً وكيفاً الثناء الّذي نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن أمير المؤمنين×. 
ومن الطبيعيّ أنّ فضائل أُخَرَ قد نُقلت بشأن صحابة آخرين، لكن لا أعتقد أنّ أياً من المحدّثين المسلمين من أيّ الفرق الإسلاميّة كان قد نقل بشأن أحد غير أمير المؤمنين× أحاديث بهذه الكميّة وبهذه الكيفيّة وبهذا المضمون.

‹ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر ›