مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر
السادس والثلاثون والسابع وثلاثون
شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ
2017م
■ کلمتنا: هل نزول القرآن الكريم من التجلّي أو التجافي؟
■ واحة الـمـلـف
■ لماذا ندرس سيرة أهل البيت^؟ بقلم: السيد فالح عبد الرضا الموسوي
■ العقل في مدرسة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید عادل العلوي
■ النص علی إمامة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة السید حسن الخباز
■ القرآن في حیاة الإمام الکاظم×بقلم: سماحة الشیخ عبد الجلیل المکراني
■ واحة الـحوار
■ تفسير الآيات المتشابهة من القرآن - الشريف المرتضی علم الهدی&
■ يعيش مع الكتاب بعد طباعته اكثر من أثناء تأليفه - حوار مع: سماحة السيد أحمد الحسيني الإشكوري
■ الدعاء سلاح المؤمن - حوار مع: سماحة سید حسین الشاهرودي
■ قوموا لله - حوار مع : سماحة السيد عادل العلوي
■ هو الإنسان الكامل - حوار مع: السيد حسن نصر الله
■ واحة المحاضرات
■ تزكية النفس - سماحة السيد منير الخباز
■ المبادئ الأساسية في فهم القرآن الكريم - الشيخ ميثم الديري
■ سورة التوبة براءة من المشركين - الدكتور علي رمضان الأوسي
■ واحة أهل البیت^
■ امتحان الله عزّ وجل أوصياء الأنبياء في حياة الأنبياء
■ الإسراء والمِعْراج رحلةٌ حيَّرت العقول - بقلم: حسين عبيد القريشي
■ الكثرة حقّ أم باطل؟ - بقلم: الشيخ حسين شرعيات
■ عظمة أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب× - فاضل الفراتي
■ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن
■ عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر
■ منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي
■ واحة الثـقـافـة
■ العادة السرية - السيد مهدي الغريفي
■ هاتف العقل - آیة الله المرحوم السيد علي العلوي
■ واحة الصور
■ الـحـرب أو الفـقـرأیّهما الأخطر ؟!!
■ الشجرة المبارکة بعض تلامذة الآخوند الخراساني
■ کن أنت - کلّ يوم ممکن یکون بداية
■ مجلة الکوثر - السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين× - الدکتور فارس العامر


بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله تعالى وسلّم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى|، وعلى أوصيائه الغُرِّ الميامين.
أولاً: فئتان: فئة مؤمنة وفئة ضالّة:
إنَّ الحديث عن ثورة عاشوراء، وعن قائدها الإمام الحسين× وأهل بيته الأبرار، وأصحابه الأوفياء، حديث ذو شجون، حيث تحرّكت فئتان على صعيد كربلاء: فئة قليلة، مؤمنة، مخلصة، تقاتل في سبيل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الحقّ، لم تهن ولم تنكل، ولم تتراجع على الرغم من كثرة العدوِّ وشراسته، بل زادهم ذلك إيماناً، وصلابة وقوة احتساباً، ولسان حالهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(1).
وفئة أخرى كثيرة ضالّة تقاتل في سبيل الطاغوت، ومن أجل دنيا هزيلة، ومواعيد زهيدة لم ينالوا منها شيئاً، استمع إلى أمنية عمر بن سعد قائد الجيش الأموي في كربلاء الذي بات ليلته في صراع مع نفسه، فهو بين أمرين: بين ملك الري وبين دخول النار، بقتله الحسين×، وذلك هو الخسران المبين قال:
أأترك ملك الرَّي والرَّيُّ رغبتي
أم أرجع مذموماً بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها
حجاب وملك الري قرَّةُ عيني(2).
وجاء ي كتاب نور الأبصار أن يزيد بن حصين الهمداني ـ من أهل الورع ـ طلب الإذن من الإمام الحسين× في أن يكلِّم عمر بن سعد حين حال بين الإمام الحسين× وبين ماء الفرات فأذن له، وبعد كلام جرى بينه وبين عمر بن سعد، وبعد إنشاده تلك الأبيات قال: (يا أخا همدان ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك ملك الرَّي لغيري(3).
ووقف سنان بن أنس النخعي أحد قادة جيش عمر بن سعد على باب فسطاط عمر بن سعد منادياً بأعلى صوته: 
أوقر ركابي فضةً وذهبا
إني قتلتُ السَّيِّدَ المُحجَّبا
قتلتُ خيرَ الناس أُمّاً وأباً وخيرهم إذ يُنسَبون نَسَبَاً
فقال له عمر بن سعد: أشهد أنّك لمجنون، وحذفه بالقضيب، وقال له: يا مجنون أتتكلم بهذا الكلام؟: والله لو سمعك إبن زياد لضرب عنقك(4).

وصرّح شبث بن ربعي بضلال جبهتهم بقوله: «والله لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسدّدهم لرشدٍ، ألا تعجبون أنَّا قاتلنا مع علي بن أبي طالب، ومع ابنه آل أبي سفيان خمس سنين، ثم عَدَوْنا على ابنه، وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية، وإبن سمية الزانية، ضلال، يا لك من ضلال»(5).
وغيرها من الأقول والتصريحات والمواقف التي توضِّح بأنَّ قتالهم كان بغير عقيدة، وإنّما كان لأجل حطام دنيا هزيلة.
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(6).
ثانياً: نصائح ومواعظ الإمام× وأصحابه:
الإمام الحسين× كجدِّه وأبيه، وأخيه، والأئمة المعصومين من بعده^ كانوا يدعون إلى الله عزَّ وجلَّ على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة، فهو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لم يبخل بنصائحه ومواعظه لأولئك الذين أجمعوا على قتاله وقتله، فهو× لم يبخل عليهم منذ الداية وحتى خرَّ صريعاً على رمضاء كربلاء، وتأسّىبه أهل بيته وأصحابه الذين هم الآخرون لم يتركوا النصح والوعظ بإخلاص لأولئك المنحرفين القساة.
والأكثر من ذلك كلِّه أنَّ الإمام الحسين× ـ على ما نقلت بعض المصادر التاريخية ـ كان يبكي في اليوم العاشر من المحرم لمّا نظر إلى تلك الجموع الغارقة في الضلّالة التي أجمعت على قتاله وقتله، يبكي عليهم، لأنّهم يدخلون النار بسببه. إنَّها لأعلى مراتب سموّ الذات، وإلّا فأيًّ إنسان يبكي على مَن يريد قتله وتمزيقه ظلماً وعدوناً؟ إنّها الروح الكبيرة، روح جدِّه وأبيه فهم الرحمة المهداة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(7).
إلّا أنَّ ذلك الموقف الرؤوف لم يؤثِّر على مواقف أولئك الفسقة المنحرفين، الذين قست قلوبهم فكانت كالحجارة أو أشدّ قسوة. بل لو يزدادوا إلّا وحشية وعنفاً، فارتكبوا أعظم الجرائم يوم عاشوراء: قتلوا، قطعوا الرؤوس ووضعوها فوق الرماح، قتلوا حتى الأطفال الرضّع، منعوا عنهم الماء، أحرقوا الخيام، ومناديهم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين، نهبوا وسلبوا ما في معسكر الإمام× وخيمه، وما على بنات الرسالة، بل سلبوا ما على الإمام الشهيد×، وساقوا بنات الرسالة سبايا من الكوفة إلى الشام على حالة يُرثى لها، لا يتحملها إلّا أولئك الطاهرون الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان، وغير ذلك مما لا يمكن وصفه في تلك الواقعة التي بكت لها السماء والأرض وما فيهما، وفي ذلك قالت الحوراء زينب‘: «ويلكم يا أهل الكوفة، أتدرون أيَّ كبد لرسول الله فريتم، وأيّ كريمة له أبرزتم، وأيّ دم له سفكتم،وأيّ حرمة له انتهكتم، لقد جئتم شيئاً إدّاً، تكاد السموات يتفطرن منه، وتنشقُّ الأرض، وتخرُّ الجبال هدّاً... أفعجتم أن مطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون»(8).
ثالثاً: لمن النصر؟
أقول وبإختصار: لقد حقّق الإمام الحسين× باستشهاده هو وأهل بيته، وأصحابه فتحاً ونصراً للإسلام لا يُوصَف، وإلى هذا أشار الإمام× قبل شهادته في رسالته إلى بني هاشم بقوله: «مَن لحق بنا استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح»(9)، وأشار إلى هذا المعنى كذلك الإمام زين العابدين× حينما دخل المدينة مع أهله وعياله، وساله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله قائلاً: مَن الغالب؟ أجابه الإمام×: «إذا دخل وقت الصلاة، فأذّن، وأقم تعرف الغالب»(10).
سمّى أبو عبد الله× اللحوق به، والاستشهاد بالفتح، وأيُّ فتح أعظم من هذا الفتح؟ إنّه ليس فتحاً لبلدٍ، وإنّما هو فتح للنفوس،ونصر للإسلام، ودخر لمن أراد هدم الإسلام، وهذا أعظم من أيِّ فتح مادي.
كما أوضح الإمام زين العابدين× بأنَّ الأذان وإقامة الصلاة أكبر دليل على أنَّ الغالب هو مَن استُشهِد من أجل إقامتها، وبإقامتها إقامة للدين الحنيف.
وقد قيل في ثورة الإمام× وصلح الإمام الحسن×، ونعم ما قيل: لولا صلح الإمام الحسن×، وثورة الإمام الحسين× لما بقي من الدين إلّا إسمه، ومن القرآن إلّا رسمه.
فتلك الثورة صفقة رابحة، لأنها كانت مع الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(11).
رابعاً: عاقبة المشتركين في قتل الإمام الحسين×:
لقد عاقب الله عزَّ وجلَّ جميع مَن إشترك في قتل الإمام الحسين× وأهل بيته البررة، وأصحابه الكرام بمختلف العقوبات عاجلاً في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾»(12).
قال الشيخ المفيد: «وتظاهرت الأخبار بأنه لم ينجُ أحدٌ من قاتلي الحسين× وأصحابه رضي الله عنهم، من قتل، أو بلاء، إلا افتضح به قبل موته»(13).
وقال سبط بن الجوزي: «قال الزهري: ما بقي أحد إلا وعُوقب في الدنيا، إمّا بالقتل، أو العمى، أو سواد الوجه، أو زوال الملك في مدّة يسيرة»(14).

وقد أخبرهم الإمام الحسين× بذلك في خطبه ومواعظه منها:
قوله×: «أما والله لا تلبثون بعدها إلّاكر يثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرَّحَى، وتقلق بكم خلق المحور، عهد عهده إليَّ أبي، عن جدي رسول الله| ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾»(15).
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(16).
ثم رفع الإمام الحسين× يديه نحو السماء، وقال: «اللهمَّ أحبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف(17) يسقيهم كأساً مصبَّرةً.... واللهِ لا يَدَعُ أحداً منهم إلّأ إنتقم لي  منه قتلة بقتلة، وضربة بضربة، وإنَّه لينتصر لي ولأهل بيتي وأشياعي»(18).
ومنها قوله× عندما رماه أبو الحتوف بسهم في جبهته، فنزعه، وسالت الدماء: «اللهمَّ إنَّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللَّهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً، ثم صاح بصوتٍ عالٍ: يا أمَّة السوء بئسما خلَّفتم محمداً في عترته... وأيمُ اللهِ إنِّيث لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون»، فقال الحصين: وبماذا ينتقم لك منا يا إبن فاطمة؟ قال×: «يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثم يصبُّ عليكم العذاب صبّاً»(19).
ونحن هنا نذكر باختصار ما جرى من عقوبات على أغلب أولئك العصاة المردة قتلة الإمام الحسين× وأهل بيته وأصحابه:
أ ـ عقوبات في كربلاء:
1 ـ طلب الإمام الحسين× الماء في ساعاته الأخيرة، فناداه رجل: يا حسين: ألا ترى الفرات كأنَّه بطون حيّات؟ فلا تشرب منه حتى تموت عطشاً، فقال الحسين×: «اللهمَّ أمته عطشاً»، فكان ذلك الرجل يطلب الماء فيؤتى به، فيشرب حتى يخرج من فيه، وما زال كذلك إلى أن مات عطشاً(20).
2 ـ روي أنَّ الإمام× قال: «اللهمَّ إنا أهل بيت نبيك وذريته وقرابته، فاقصم من ظلمنا، وغصبنا حقَّنا إنَّك سميع قريب»، فقال محمد بن اأشعث: وأيّ قرابة بينك وبين محمد؟ فقرأ×: «إنَّ الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض»،ثم قال: «اللهمَّ أرني فيه هذا اليوم ذلاً عاجلاً، فبرز ابن الأشعث للحاجة فلسعته عقرب على ذكره، فسقط وهو يستغيث، ويقلّب على حدثه»(21).
3 ـ لما قتل الإمام الحسين× عمد إليه أبجر بن كعب، فسلبه سراويله وتركه مجرداً، فكانت يدا أبجر بعد ذلك تتيبسان في الصيف حتى كأنّهما عودان، وتترطبان في الشتاء، فتنضحان دماً وقيحاً إلى أن أهلكه الله(22).
4 ـ وروي أن جابر بن زيد الأزدي أخذ عمامة الإمام×، وَتّعمَّم بها، فصار حالاً معتوهاً(23).
5 ـ وأخذ ثوبه جعوبة بن حوبة الحضرمي، ولبسه، فتغير وجهه، وحُصَّ شعره، وبرص بدنه(24).
6 ـ وروي أنَّ رجلاً حاول أخذ تكة سراويله ـ وكان لها قيمة ـ يقول: أردت نزع التكّة وضع يده اليمنى عليها، فلم أقدر، فقطعت يمينه، فوضع يده اليسرى عليها، فلم أقدر على رفعها، فقطعتها، وهممت بنزع السروال فسمعت زلزلة، فخفت وتركته، وغُشي عليَّ وفي هذه الحال رأيت النبي وعلياً وفاطمة والحسن، وفاطمة تقول: يا بني قتلوك، قتلهم الله، فقال لها: يا أمّ قطع يدي هذا النائم، فدعت عليَّ، وقالت: قطع الله يديك ورجليك، وأعمى بصرك، وأدخلك النار، فذهب بصري، وسقطت يداي ورجلاي، ولم يبقَ من دعائها إلّأ النار(25).
ب ـ انتقام المختار من قتلة الإمام الحسين×:
ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة سنة (66 هـ)، فبايعه الناس على كتاب الله، وسنة رسوله|، والطلب بدم الحسين× ودماء أهل بيته وأصحابه، والدفاع عن الضعفاء.
وفي معركة بالكوفة حدثت بين المختار وبين عبد الله بن مطيع والي الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير، واحتدمت معارك ضارية بين جيش المختار بقيادة إبراهيم بن مالك الأشتر، وجيش عبد الله بن مطيع بقيادة شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، وغيرهم، فاستطاع جيش المختار أن يقتل الكثير من أولئك ويلحق بهم الهزيمة، ويأسر خمسمائة شخص منهم، فأمر المختار بقتل كل مَن شهد منهم قتل الحسين×، فقتل منهم (248) رجلاً.
وسيطر المختار على الكوفة، ثم نادى منادي المختار: كلّ من أغلق عليه بابه، فهو آمن إلّا مَن شرك في دماء آل محمد|.
وبعدها جمع وجوه أصحابه، وقال لهم: بأنَّه لا يسوغ له طعام ولا شراب وقتلة الحسين× أحياء يمشون على الأرض.
فتتبَّع أصحاب المختار قتلة الإمام الحسين× وقتلوهم عن بكرة أبيهم:
1 ـ عمرو بن الحجاج الزبيدي: شهد قتل الإمام الحسين×، بل كان أحد قادة الجيش الأموي في كربلاء، قيل: أخذ طريق واقصة(26)، ولم يُرَ له خبر حتى الساعة. وقيل: أدركه أصحاب المختار، وقد سقط من شدّة العطش، فذبحوه، وأخذوا رأسه.
2 ـ شمر بن ذي الجوشن: بعث بكتاب إلى عبد الله بن الزبير، ولما علم المختار بخروج الشمر هارباً من الكوفة أرسل إليه المختار عبد الرحمن بن عبيد الله الهمداني، وضمَّ إليه عشرة من الأبطال، لطلبه، وقال لهم: أنشدكم الله إلّا أقررتم عيني بقتله، وشفيتم غليلي بذلّه، فأدركوه عند قربة على شاطئ الفرات يُقال لها «الكلتانية»، ومعه جماعة من صحبه من قتلة الحسين×، فلم يشعروا إلّا بسماع التكبير والمحاصرة فهرب أصحابه وتركوا خيولهم، ووثب الشمر وهو مئتز بِبُرد حيث أعجلوه عن لبس ثيابه، وكان أبرص، فبان بياض برصه من فوق البُرد وهو يطاعنهم بالرمح، فطعنه عبد الرحمن في نحره فسقط قتيلاً وقطعوا رأسه، وقيل: قتلوا جميع أصحابه، وبُعث برأسه ورؤوسهم إلى المختار، وقيل: بعد قتل الشمر أوطئوا الخيل صدره وظهره، كما فعل بالحسين×(27).
وقد روي أنَّ الإمام الحسين× حدّث أصحابه في كربلاء، بأنَّ جده| قال: كأني أنظر إلى كلب أبقع بلغ في دماء أهل بيتي، ولما رأىالشمر أبرص، قال: هذا هو الذي يتولى قتلي(28).
3 ـ ودُلَّ على عبد الله بن أُسيد الجهني، ومالك بن بشير البَدّيّ، وحَمَل بن مالك المحاربي فأحضروهم إلى المختار، فقال: يا أعداء الله ورسوله، أين الحسين بن علي؟ أدّوا إليَّ الحسين، قتلتم مَن أُمرتم بالصلاة عليهم، فقالوا: رحمك الله بُعثنا كارهين، فامنن علينا، واستَبْقِنا.فقال لهم: هلّا مننتم على الحسين بن بنت نبيكم، فاستبقيتموه وأبقيتموه، وسقيتموه؟
وكان البَدِّيّ صاحب برنسه، فأمر بقطع يديه ورجليه، وتُرك يضطرب حتى مات، وقتل الآخَرَين.
4 ـ وأمر المختار بزياد بن مالك الضَّبُعي، وعمران بن خالد القُشيري، وعبد الرحمن بن أبي خشكارة البجلي، وعبد الله بن قيس الخَوْلاني فأُحضِروا عنده، فلما رآهم قال: يا قتلة الصالحين، وقتلة سيد شباب أهل الجنة، قدأقاد الله منكم اليوم، لقد جاء الورس في يوم نحس، وكانوا قد نهبوا من (الورس) الذي كان مع الحسين×، ثم أمر بقتلهم، فقُتِلوا.
5 ـ ثم أُحضر عنده: عبد الله، وعبد الرحمن ابنا صلخت، وعبد الله بن وهب بن عمرو الهمداني، وهو ابن عم أعشى همدان، وأمر بقتلهم.
6 ـ وأُحضر عنده: عثمان بن خالد بن أُسيد الجُهني، وأبو أسماء بشر بن شميط القانصي، وكانا قد اشتركا في قتل عبد الرحمن بن عقيل، وفي سلبه، فضُربت أعناقهما، وأُحرقا بالنار.
7 ـ وأرسل إلى خَوَلي بن يزيد الأصبحي، وهوصاحب رأس الحسين×، فأختفى،فدخل أصحاب المختار يفتشون عنه، فخرجت امرأته واسمها «العيوف بنت مالك»وكانتتعاديه منذ جاء برأس الحسين×، فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: أين زوجك؟ قالت: لا أدري، وأشارت بيدها إلى موضع وجوده، فدخلوا عليه وأخذوه،ثمقتلوه، وأحرقوه بالنار.

8 ـ وأرسل المختار إلى حكيم بن طُفيل الطائي، وقد أصاب سلب العباس× ورمى الإمام الحسين× بمسلم، فأخذه أصحاب المختار وقتلوه رمياً بالسهام، كما رمى الحسين× حتى صار كالقنفذ.
9 ـ وجاء أصحاب المختار إلى قاتل علي بن الحسين وهو مُرَّة بن منقذ، فأحاطوا بداره، فخرج على فرسه يطاعنهم برمحه، فضُرب على يده، وهرب منهم فنجا، ولحق بمصعب بن الزبير، وشُلَّت يده بعد ذلك.
10 ـ وجاؤو إلى زيد بن رُقّاد الجُنُبي، وكان قد رمى عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فثبتت كفُّه في جبهته، ولم يستطع أن يزيل كفَّه عن جبهته، ورمى الغلام بسهم آخر، وقد نزع السهم الذي قتله به من جوفه، ولما جاؤوا إليه خرج إليهم بالسيف فرموه بالنبل والحجارة فسقط، فأحرقوه حيّاً.
11 ـ وبعث المختار إلى سنان بن أنس الذي ادعى قتل الحسين×، فهرب إلى البصرة، فهدموا داره.
12 ـ كما هرب عبد الله بن عقبة الغنوي إلى الجزيرة، فهدموا داره أيضاً.
13 ـ وأُحضِر عمرو بن صبيح الصُّدائي عند المختار، فطُعِن بالرماح حتى مات.
14 ـ عمر بن سعد بن أبي وقاص: قائد الجيش الأموي: لقد نصحه الإمام الحسين× بالتقوى والتراجع عما أقدم عليه، وأخبره بأنَّه لا يأكل من بُرِّ العراق إلّا يسيراً، ولا ينال ملك الري، ومما قاله×: «أي عمر، أتزعم أنَّك تقتلني، ويوليك الدعي بلاد الرَّي وجرجان؟ والله لا تتهنّأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي، بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يَتَرَامَاهُ الصبيان بالكوفة، ويتخذونه غرضاً بينهم».
وبعد إرتكابه الجريمة ندم، وأخذ يقول: ما رجع أحد إلى أهله بشرٍّ ممّا رجعت به، أطعت الفاجر الظالم ابن زياد، وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة.
وأوّل أمر لاقاه ابن سعد ذهاب ولاية العهد، فإنّه لما رجع من كربلاء طالبه عبيد الله بن زياد بالكتاب الذي كتبه له بولاية الرَّي، فأدعى ابن سعد ضياعه، فشدّد عليه ابن زياد بإحضاره، فقال ابن سعد: تركته يُقرأ على عجائز قريش، اعتذاراً منهنَّ، أما والله لقد نصحتك في الحسين لو نصحتها أبي سعداً لكنت قد أدّيت حقَّه، فقال عثمان بن زياد، أخو عبيد الله صدق، وددت أنَّ في أنف كلِّ رجل من بني زياد خزامة إلى يوم القيامة، وأنَّ الحسين لم يُقتل.
وطلب عمر بن سعد الأمان من المختار فآمنه بشرط أن لا يخرج من الكوفة وإلّا فدمه مهدور، وقد استأجر المختار نساءً يبكين على الحسين×، ويجلسن على باب دار عمر بن سعد، وهو فعل يلفت النظر؛ بأنَّ صاحب هذه الدار قاتل سيد شباب أهل الجنة، فضجر عمر من ذلك، وكلّم المختار فيه، فقال له المختار ألا يستحقُّ الحسين البكاء عليه.
ثم قَتل عمر بن سعد، وابنه حفص، وقطع رأسيهما(29).
15 ـ عبيد الله بن زياد والي يزيد بنمعاوية على البصرة والكوفة:
في محرم/ 67 هـ التقى إبراهيم بن مالك الأشتر مع جيشه من أهل العراق بعبيد الله بن زياد مع جيشه على نهر الخازر بالموصل ودارت معركة حامية الوطيس، دامت ساعات طوال، قُتل فيها اللعين عبيد الله بن زياد، وقتل فيها كذلك من قادة جيشه شُرَحْبيل بن ذي الكلاع الحميري، وحُصين بن نمير وغيرهم وانهزم جيشبن زياد فتبعهم إبراهيم، حتى غرق مَن غرق منهم، وقُتل مَن قُتل، وكان ذلك في اليوم العاشر من المحرم.
وقطعوا رأس عبيد، قيل: وأُحرقت جثَّته، وأرسل إبراهيم برأسه ورؤوس قادته إلى المختار، وأرسل المختار رأس عبيد الله إلى الإمام زين العابدين، فوصله وهويتغدَّى، فقال: سبحان الله أدخل رأس أبي عبد الله× علي ابنزياد وهو يتغدّى، وأوتيت برأس ابن زياد وأنا أتغدَّى(30).
وهكذا لا يزال المختار يتتبع قتلة الإمام الحسين× وأهله حتى قتل منهم كثيراً، وهرب قسم منهم، فهدَّم دورهم، وقتلت العبيد مواليها ممن قاتلوا الحسين×، فأعتقهم المختار(31).
وفي ذلك حكى السَّدِّي قائلاً: نزلت بكربلاء ومعي طعام للتجارة، فنزلنا على رجل، فتعشينا عنده، وتذاكرنا قتل الحسين× وقلنا: ما شرك أحد في دم الحسين إلّا ومات أقبح ميتة، فقال الرجل: ما أكذبكم، أنا شركت في دمه، وكنت فيمن قتله، وما أصابني شيء، قال: فلمّا كان آخر الليل إذا بصياح، قلنا: ما الخبر؟ قالوا: قام الرجل يصلح المصباح، فاحترقت إصبعه، ثم دبَّ الحريق في جسده فاحترق.
قال السَّدّي: أنا والله رأيته كأنَّه فحمة(32).
خامساً: شخصية يزيد ومصيره:
أ ـ شخصية يزيد:
يكاد يجمع المسلمون على فسق يزيد بن معاوية وانحرافه، لأنَّ ذلك كان أمراً ظاهراً للجميع وغير مستور، ونحن نشير إلى بعض ما قيل فيه:
1 ـ لقد وصفه سيد الشهداء الإمام الحسين× بأبلغ وأوجزوصف مستنكراً على معاوية أخذ البيعة له بقوله: «وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح مفحمة الدُّجى... وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد|، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنَّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان ممّا احتويته بعلم خاصٍّ، وقد دلَّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد في ما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهاوش، والحمام السُّبَّق لأترابهنَّ، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً، ودع عنك ما تحاول...»(33).
وقال فيه مرةً أخرى: «واعلم ـ يعني معاوية ـ أنَّ الله ليس بناسٍ لك قتلك بالظنّة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيّاً يشرب الشراب، ويلعبَ بالكلاب...» (34).
وقال× للوليد بن عتبة والي المدينة آنذاك حينما طلب منه البيعة ليزيد: «إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرِّسالة، ومختلف الملائكة، بنافتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثل لايبايع مثله..» (35).
2 ـ وقال فيه وفد المدينة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة وجماعته بعدرجوعهم إلى المدينة: «قدمنا من عند رجل ليس له دين،يشرب الخمر، ويضرب بالطنابير، ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب...» (36).
3 ـ وممّا قاله الجاحظ فيه: «...فهو ـ أي يزيد ـ لا يعد والفسق والضلال، وذلك أدنى منازله، فالقاسق ملعون، ومَن نهى عن لعن الملعون ملعون...» (37).
4 ـ وقال المسعودي: «وكان يزيد صاحب طرب، وجوارح، وكلاب، وقرود وفهود، ومنادمة على الشراب...» (38).

5 ـ وقال الفقيه الشافعي الكيا الهراسي: «... وأمّا قول السلف ففيه لكلِّ واحد من أبي حنيفة، ومالك، وأحمد قولان: تصريح وتلويح، ولنا قول واحد، التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو المتصيِّد بالفهد، واللاعب بالنَّرد، ومدمن الخمر... إلى أن يقول:ولو مُدِدتُ ببياضٍ لأطلقت العنان، وبسطت الكلام في مخازي هذا الرجل»(39).
6 ـ وقال سبط بن الجوزي: قال جدي في كتاب (الردّ على المتعصب العنيد المانع من ذمِّ يزيد): سألني سائل فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له: يكفيه مابه، فقال: أيجوز لعنه؟ فقلت: قد أجاز العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حقِّ يزيد ما يزيد على اللعنة(40).
6 ـ وقال سعد التفتازاني: «والحقّ أنَّ رضا يزيد بقتل الحسين×، وأهانته أهل بيت رسول الله| مما تواتر معناه، وإن كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، فلعنة الله عليه، وعلى أنصاره، وعلى أعوانه»(41).
7 ـ وقال ابن حجر: «إنَّ يزيد قد بلغ من قبائح الفسق والإنحلال عن التقوى مبلغاً لا يستكثر عليه صدور تلك القبائح منه، بل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به علماً وورعاً»(42).
8 ـ وكان سعيد بن المسيَّب يسمِّي يزيد بن معاوية بـ «الشؤم»، لأنَّه قتل في السنة الأولى من خلافته الحسين بن علي×، وأهل بيت رسول الله، وفي السنة الثانية استبيح حرم رسول الله| وانتهكت حرمة المدينة، وفي السنة الثالثة سُفكت الدماء في حرم الله وحُرّقت الكعبة(43).
9 ـ وقال محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي: «قلت: وكان ـ أي يزيد بن معاوية ـ ناصبيّاً، فظّاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر»(44).
9ـ شعره ناطق بفسه:
إنَّ شعر يزيد بن معاوية ينطق وبصراحة بفسقه، بل بكفره وإلحاده، من ذلك قوله لما رأى السبايا والرؤوس على أطراف الرماح: 
لمّا بَدَتْ تلك الحمولُ وأشرقَتْ
تلك الرؤوسُ على شفا جيرونِ
نعبَ الغرابُ فقلتُ: قُلْ أو لا تقلْ
فقد اقتضيتُ من الرسولِ ديوني(45).
وعندما وضع رأس سيد الشهداء الإمام الحسين× بين يديه، أخذ ينكث ثناياه بقضيب، ثم أنشأ يقول:
يا غرابَ البين ما شئت فقل
إنّما تندبُ أمراً قد حصلْ
ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا
جزعَ الخزرجِ من وقع الأملْ 
قد قتلنا القرمَ من ساداتهم
وعدلناه ببدرٍ فاعتدلْ
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً
ثم قالوا: يا يزيدُ لا تُشلُّ
لعبتْ هاشم بالملكِ فلا
خَبرٌ  جاءَ ولا وحيَّ نَزَلْ
لَستُ من خِندف إنْ لم أنتقم
من بني أحمدَ ما كانَ فَعَلْ(46)
والأبيات صريحة في طلبه الانتقام من آل أحمد| لأشياخه المشركين، وفيها كفر واضح وإلحاد لنكرانه الوحي والنبوة.
وغيرها كثير أعرضنا عن ذكره طلباً للاختصار(47).
ب ـ مصير يزيد وكيفية موته:
1 ـ مصير يزيد:
لقد قصم الله تعالى عُمْرَ يزيد بن معاوية لعنة الله عليه، حيث هلك وعمره تسعة وثلاثون عاماً، ولم يهنأ بالخلافة التي لم تدم سوى ثلاث سنوات وتسعة أشهر إلّا أياماً،ارتكب فيها أكبر الكبائر، وإنتهك فيها أعظم حرمات الإسلام، ففي السنة الأولى من خلافته سنة (61 هـ ) قتل فيها الإمام الحسين×، وأهل بيته، وأصحابه، وبتلك الصورة المأساوية، والمثلة التي ليس لها نظير، وحمله بنات رسول الله| إلى بلاد الشام حواسر علىأقتاب الإبل العارية.
وفي السَّنة الثانية إنتهك حرمة المدينة، أخاف أهلها، وسفك دماء الآلاف منهم، وفيهم الصحابة والتابعون، وأباحها ثلاثة أيام، وأُخذت البيعة ليزيد ممن بقي من أهل المدينة على أنهم عبيد ليزيد، إن شاء أعتقهم، وإن شاء باعهم، ومَن أبى ذلك ضُربت عنقه.
وروي أنَّ الدماء وصلت إلى قبر رسول الله|، وامتلأت الروضة والمسجد، وقيل: إلتجأ الناس إلى حجرة رسول الله| ومنبره والسَّيف يعمل فيهم.
وذكر بأنَّ ألف إمرأة بعد واقعة الحرّة ولدت من غير زوج، وقيل: عشرة الآف إمرأة.
وكانت وقعة الحرّة سنة (63 هـ ) فكان بينها وبين موت يزيد اللعين ثلاثة أشهر فقط(48).
وفي السنة الثالثة من خلافته سنة (64 هـ) إنتهك حرمة الكعبة، رماها بالمنجنيق بعد أن حاصرها، فهدمها وأحرقها(49).
ولقد أطلقت بطلة كربلاء الحوراء زينب‘ كلمتها في تلك الخطبة الثورية البليغة في مجلس الطاغية يزيد المغرور فكسرت شوكته بتلك الكلمات العظيمة، والتي جاء فيها:
«فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلّا فند، وأيامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين»(50).
لقد أوضحت سلام الله عليها مصير الطاغية يزيد بأسلوب أشدّ من وقع السهام.
وقال إبنه الصالح معاوية بن يزيد بعد توليه الخلافة وخلع نفسه منها: «... إنَّ هذه الخلافة حبل الله، وإنَّ جدي معاوية نازع الأمر أهله... ثم قلّد أبي الأمر، وكان غير أهل له، نازع ابن بنت رسول الله|، فقُصِفَ عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثم بكى، وقال: إنَّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئس منقلبه، وقد قتل عثرة رسول الله|، وأباح الخمر، وخرّب الكعبة... »(51).
وقال ابن كثير: «فإنَّه ـ أي يزيد ـ لم يمهل بعد وقعة الحرّة وقتل الحسين إلّا يسيراً حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده إنَّه كان عليماً قديراً»(52).
وغيرها من الكلمات والأقوال التي أشارت إلى جرائمه الكبرى وإنتهاكه حرمات الإسلام الحنيف ممّا أدّى إلى قصف عمره، وسوء مصرعه.
2 ـ كيفية موت يزيد وسببه:
قال أبومخنف: «إنَّ يزيد (لعنه الله) بقي بعد الحسين× أياماً قليلة فخرج ذات يوم إلى الصيد في عسكره، فلاحت له ظبية، فطلبها ومنع أن يتبعه أحد من أصحابه، فركض شديداً، حتى وصل إلى مكان لا يهتدي فيه طريقاً، فلقيه أعرابي، وقال له: أضالٌّ فأرشدك، أم جائع فأطعمك، أم عطشان فأسقيك؟ فقال يزيد (لعنه الله): لو عرفتني لزدت كرامتي، فقال الأعرابي: مَن أنت؟ فقال: أنا يزيد، فقال الأعرابي: لا مرحباً بك، ولا أهلاً، ما أقبح طلعتك، وما أشنع سمعتك، واللهِ لاقتلنَّك كما قتلت الحسين×. وجذب سيفه، وهم أن يعلوه، فذعرت فرس يزيد من بريق السيف، فطرحته تحتها، وقطّعت أمعاءه.وقيل: هلك عطشاً»(53).
وقيل: مات سكران.
وقيل: كان يسابق قرداً، فسقط من على فرسه، فمات بحوارين من أرض حمص، وحمل إلى دمشق(54).
وفيه قال أحد الشعراء:
يا أيُّها القبر بحوّارينا
ضممتَ شرَّ الناس أجمعينا(55)
وقيل: غير ذلك.
والظاهر أنه ليس له قبر معلوم.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾(56).
الختام: للإنتقام من قتلة الإمام الحسين× اسلوبان: 
الأسلوب الأول ـ القتل وغيره:
لقد انتقم الله عزَّ وجلَّ من قتلة الإمام الحسين× وأهل بيته، وأصحابه بمختلف العقوبات الدنيوية، بالقتل، والأمراض مع الموت السريع، وزوال الملك.
وقد سلّط الله تعالى عليهم ـ كمامرَّ ـ المختار الثقفي رضوان الله عليه الذي تَتَبَّعَهُم تحت كلِّ حجر ومدر، وقضى عليهم بالحديد والنار، كما دعا عليهم الإمام الحسين× بقوله: «وسلِّط عليهم غلام ثقيف، يسقيهم كأساً مصبَّرة»(57)، ولم يبق منهم باقية.
الأسلوب الثاني ـ اللعن والبراءة:
جاء في زيارة عاشوراء: «يا أبا عبد الله إنِّي سِلمٌ لمن سالمكم وحربٌ لمن حاربكم إلى يوم القيامة، ولعنَ الله آل زياد، وآل مروان، ولعنَ اللهُ بني أُميّة قاطبةً، ولعن الله ابن مرجانة، ولعنَ الله عمر بن سعد، ولعنَ اللهُ شِمراً، ولعنَ الله أُمَّةً أسرجت وألجمت، وتنقَّبت لقتالك... يا أبا عبد الله إني أتقرّب إلى الله، وإلى رسوله، وإلى أمير المؤمنين، وإلى الحسن، وإليك بموالاتك وبالبراءة مِمَّن أسَّس أساس ذلك، وبنى عليه بنيانه، وجرى في ظلمه وجوره عليكم وعلى أشياعكم، برئت إلى الله وإليكم منهم، وأتقرب إلى الله ثم إليكم بموالاتكم وموالاة وليكم، وبالبراءة من أعدائكم، والناصبين لكم الحرب، وبالبراءة من أشياعهم وأتباعهم...»
اللهمَّ إلعن أبا سفيان ومعاوية ويزيد بن معاوية عليهم منك اللعنةُ أبدَ الآبدين... اللهمَّ فضاعف عليهم اللعنَ منك والعذاب... اللهمَّ إلعن أوَّل ظالم ظلم حقَّ محمد وآل محمد، وآخر تابعٍ له على ذلك، اللهمَّ إلعن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهمَّ إلعنهم جميعاً.
اللهمَّ خُصّ أنت أوّل ظالم باللعن مني، وابدأ به أولاً، ثم إلعن الثاني والثالث، والرابع، اللهمَّ غلعن يزيدَ خامساً، وإلعن عبيد الله بن زياد وإبن مرجانة، وعمر بن سعد، وشمراً، وآل أبي سفيان وآل زياد، وآل مروان إلى يوم القيامة»(58).
وفي زيارة وارث: «... فَلَعنَ اللهُ أُمَّةً قتلتك، ولعنَ اللهُ أُمَّةً ظلمتك، ولعن الله أمَّة سمعت بذلك فَرضيَتْ به».
إذاً: اللعن على القتلة، وعلى جميع أشياعهم وأتباعهم، واللعن علىالأُمّة التي أسرجت وألجمت، وتنقَّبت، وشايعت وبايعت وتابعت على قتله×، بل اللعن على أمَّةٍ ـ أيّ أُمَّةٍ ـ سمعت بذلك فرضيتْ به، وإلى يوم القيامة.
تلك اللعنات تُصَبُّ على أولئك القتلة من ذلك اليوم، وإلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة، يُردِّد ذلك الملايين من الناس صباحاً ومساءً، وفي كافة أنحاء المعمورة، وأعطف على ذلك اللعنات من الله عز وجل ورسوله| والأنبياء^ وأئمة المسلمين، والصحابة والتابعين لهم بإحسان، والمؤمنين إلى يوم القيامة.
أقول: لو لم تكن ثمَّة عقوبة إلّا عقوبة اللعن والبراءة منهم لكف بذلك عقوبةً وشقاءً.
فأيّ عقوبة أعظم من هذه العقوبة؟ وأيّ شقاء أعظم من هذا الشقاء؟
هذا كلّه في الدنيا، وفي الآخرة أشدّ وأعظم، وهذا كتاب الله عز وجل ينطق بمصير قاتل نفس مؤمنة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَ﴾(59).
وأيُّ مؤمن قتلوا؟ قتلوا حجة الله في أرضه، ابن بنت خاتم الأنبياء والمرسلين، خامس أصحاب الكساء، وأهل بيته وأصحابه الذين ليس لهم نظير على وجه الأرض...
«وأُتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود»(60).
«وأُتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين»(61).
«ألا لعنة الله على الظالمين»(62).
﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾(63).
﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ﴾(64).
والسلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين× أبداً ما بقي الليل والنهار.
والحمد لله أولاً وآخراً.

الهوامش والمصادر
1 ـ آل عمران: 173.
2 ـ الكامل في التاريخ، إبن الأثير، ح4، ص: 52، 53.
3 ـ نور الأبصار في مناقب النبي المختار، مؤمن الشبلنجي، ص: 143.
4 ـ الكامل في التاريخ، ص: 79.
5 ـ ن. م، ص: 69، ومقتل الحسين، المقرم، ص: 299.
6 ـ الأنعام: 81.
7 ـ الأنبياء: 107.
8 ـ المقرم، ص: 56.
9 ـ ن.م، ص: 56.
10 ـ ن.م.
11 ـ التوبة: 111.
12 ـ فصلت: 46.
13 ـ الإرشاد لمن طلب الرشاد، المفيد، ص: 252.
14 ـ تذكرة الخواص، سبط بن الجوزي، ص: 252.
15 ـ يونس: 71.
16 ـ هود: 56، المقرم، ص: 288، واللهوف في قتلى الطفوف، ابن طاووس، ص: 43.
17 ـ غلام ثقيف: هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي.
18 ـ المقرم، ص: 289، ومقتل الخوارزمي، حـ2، ص: 8.
19 ـ المقرم، ص: 351، والخوارزمي، ص: 24.
20 ـ المقرم، ص: 350، وبحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، حـ45، ص: 301.
21 ـ المجلس، ص: 302.
22 ـ المفيد، ص: 241، والمجلسي: ص: 301.
23 ـ المجلسي، ص: 301.
24 ـ حُصَّ شعره: سقط شعره، ص: 302.
25 ـ المجلسي، ص: 311، والمقرم، ص: 360.
26 ـ واقصة: موضع قرب القادسية.
27 ـ ابن الأثير، ص: 188، وما بعدها، والبحار، ص: 375، 338.
28 ـ البداية والنهاية، ابن كثير، حـ 8، ص: 205.
29 ـ راجع في ما ذكرناه إلى هنا: الكامل في التاريخ، حـ4، ص: 228 ـ 265، وما بعدها، والعقد الفريد، ابن عبد ربه، حـ 3، باب نهضة المختار، والبداية والنهاية، ابن كثير، حـ 8، وبحار الأنوار، حـ 45، ص: 300، وما بعدها، وتذكرة الخواص، سبط بن الجوزي، ص: 252، وما بعدها، ومقتل الحسين، المقرم، ص: 248، 249، 431، وحكاية المختار في اخذ الثار، برواية أبي مخنف، مطبوع ضمن اللهوف في قتلى الطفوف، لابن طاووس، منشورات الرضي ـ قم.
30 ـ الكامل في التاريخ، مصدر سابق، ومروج الذهب، المسعودي، حـ 1، ص: 390، والبحار، حـ 45، ص: 335، والعقد الفريد، ابن عبد ربه، حـ3، ص: 384، والصواعق المحرقة، لابن حجر ص: 230، وتذكرة الخواص، سبط بن الجوزي، ص: 256.
31 ـ البحار، الصفحات اسابقة.
32 ـ البحار، ص: 307، وتذكرة الخواص، ص: 253، والصواعق المحرقة، ص: 227.
33 ـ الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ص: 186.
34 ـ ن. م.
35 ـ اللهوف، ابن طاووس، ص: ص: 10.
36 ـ الكامل في التاريخ، حـ 4، ص: 102.
37 ـ رسالة الجاحظ في بني أمية، ضمن كتاب النزاع والتخاصم للمقريزي، ص: 125.
38 ـ مروج الذهب، المسعودي، ص: 376.
39 ـ حياة الحيوان، الدميري، حـ 2، ص: 175، 176.
40 ـ تذكرة الخواص، ص: 257.
41 ـ ن. م، ص: 62، والاتحاف بحب الاشراف، الشبراوي، ص: 65، 66.
42 ـ ن. م، ص: 66.
43 ـ تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، حـ 2، ص: 168، 169.
44 ـ سير أعلام النبلاء، الذهبي، حـ 4، ص: 37.
45 ـ مقتل الإمام الحسين، المقرم، ص: 448.
46 ـ اللهوف، ص: 79، والاتحاف، ص: 56، 57، وبلاغات النساء، ابن طيفور، ص: 34.
47 ـ إذا أردت المزيد فراجع كتابنا: الأمويون وثورة الإمام الحسين×.
48 ـ تذكرة الخواص، ص: 258، وما بعدها، والفتنة الكبرى، علي وبنوه، طه حسين، ص: 247، وما بعدها.
49 ـ ن. م.
50 ـ مقتل الحسين، المقرم، ص: 464.
51 ـ الصواعق المحرقة، ص: 257، 258، وحياة الحياة، الدميري، حـ 1، ص: 88، 89، والكامل في التاريخ، حـ4، ص: 130.
52 ـ البداية والنهاية، ابن كثير، حـ 8، ص: 246.
53 ـ مقتل الحسين، أبومخنف، ص: 152.
54 ـ علي وبنوه، طه حسين، ص: 248، والعقد الفريد، حـ 3، ص: 375.
55 ـ تاريخ اليعقوبي، حـ 2، ص: 168، 169، الاعلام، الزركلي، حـ 8، ص: 189.
56 ـ الشعراء: 227.
57 ـ اللهوف، ص: 43، ومقتل الحسين، المقرم، ص: 289.
58 ـ مقاطع من زيارة عاشوراء، راجع مفاتيح الجنان، عباس القمي.
59 ـ النساء: 93.
60 ـ هود: 99.
61 ـ القصص: 42.
62 ـ هود: 18.
63 ـ آل عمران: 87.
64 ـ البقرة: 159.

‹ فكر الإمام علي بن أبي طالب× - إعداد: نبيهة علي حسن مدن منهج الامام الصادق× في بناء الجماعة الصالحة - اعداد الدکتور علي رمضان الأوسي ›