مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر الثلاثون
شهر رجب المرجب 1435هـ
2014م
■ کلمتنا:التوحید هو المقصد الأعلی والغایة القصوی
■ نظریات صاحب الکفایة:الشیخ غالب الکعبي
■ شرح حدیث عنوان البصري٣:الاستاذ السید عادل العلوي
■ الإمامة والخلافة:آیت الله السید محمد حسن الموسوي
■ الخصائص القرآن الکریم:شیخ طالب الخزاعي
■ سیدات نساء العالمین:ماهر الجراح
■ الإمامة سنة کونیة:محمد محسن العمید
■ التفسیر السلبي للأمر بالمعروف:الدکتور فارس عامر
■ الغدیر في کلام أخي الأمیر:رحیم امید
■ الملائکة:الشیخ علي الکعبي
■ أوصاف المسیح:مائدة عبد الحمید
■ في رحاب الخیر:السید علي العلوي
■ الأخلاق و أهمیته:علي یحیی تیمسوقي
■ نسیم الربیع:الدکتور طه السلامي
■ معاجز المعصومین(ع):مفید حمیدیان
■ من الشعر الشعبي العراقي:یاسر الشجاعي
■ بناء الکعبة المشرفة:هیئة التحریر
■ کل شي یطیعهم:هیئة التحریر
■ إقرءها ثلاث مرآت:هیئة التحریر
■ تحریم الغناء في القرآن الکریم:هیئة التحریر
■ واحة السؤال والجواب:السید عادل العلوي
■ صورة العدد المختارة:محمد لاجوردي
■ واحة الصور:صدقة جاریة:محمد لاجوردي
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

کلمتنا:التوحید هو المقصد الأعلی والغایة القصوی

للعارف بالله
إعلم -أیدّك الله -إن الغاية القصوى فيما سوى الله هو الله جلّ جلاله، فإن كل أهداف الأنبياء ومقاصد الأولياء وغايات العرفاء،تعود إلى كلمة واحدة،وهي كلمة التوحيد المتجلية في (معرفة الله) سبحانه، فإذا دُعي إلى العلوم والفنون والعرفان، وإذا دُّعى إلى الإيمان والعمل الصالح، وإذا دُعي إلى تهذيب النفس وتربية الرّوح، وإذا دُعى إلى الحياة الطيّبة والفُضلى، فإن كلّ ذلك يعود إلى تلك النقطة الأولى التي يتفجر منها الكون، وهي معرفة الله المودعة في فطرة الإنسان، فإن كافة الناس والبشر قد أودع الله في فطرتهم معرفته وتوحيده، فكلّ الرسل والأنبياء والكتب السّماویّة ومن في عوالمهم من الصديقين والشهداء والصالحين يهدفون على كشف النقاب ورفع الستار ونفض الغبار عن هذه النقطة الرئيسية ألا وهي معرفة الحق جلّ جلاله، فإن ذلك هو الهدف الأسمى والغاية القصوى.
ثمّ مقصد الإسلام  وخاتم الأديان والشرائع السّماوية بكتابه الكريم وسنّة نبيّه الأكرم| وأحاديث العترة الطاهرة^ إنما هو تصفية العقول وتربية الأرواح وتزكية النفوس لحصول المقصد الأعلى في كل مجالات الحياة وهو التوحيد، فما لم تصل النفس الی الصفاء الرّوحي والنور الباطني، ولم تصل إلى الكمالات والكمال المطلق وهو الله سبحانه، فإنها لم تكن مورداً لتجلّي الأسماء الحسنى والصفات العليا والمعرفة الحقيقيّة، ولن تصل إلى كمال المعرفة، ففي الواقع ان جميع الأعمال الظاهرية والأفعال الصدرية ممّا يتعلق بالأبدان، وكذلك الأخلاق الروحيّة وما يتعلق بالأرواح، إنما هي مقدمات للمعارف الإلهية وعرفان التوحيد، فهي مقدمة لحقيقة التوحيد والصمدية الإلهيّة والأحدية الفرديّة التي هي الغاية القصوى والمقصد الأعلى للسير التكاملي في الوجود الإنساني، وانها منتهى السلوك العرفاني في السير والسلوك إلى الله تعالى، فالتوحيد والتفريد والتجريد قرّة عين أهل الله والأولياء من العرفاء المقربين، فالعارف بالله يوجه وجهه لله الذي فطر السماوات والأرض، وانه يتوجّه من الكثرة إلى الوحدة، ويجعل هنّ الجهات المتكثرة فانية في الوحدة، وهذا ما يحصل بالبرهان، فإنه لا مؤثر في الوجود إلّا الله و بالقرآن (له ما في السموات والأرض) (البقرة: 116) و(بيده ملكوت كلّ شيء) (المؤمنون: 88) (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (الزخرف: 84)... وبالعرفان الحاصل من الرياضيات القلبية فينكشف في القلب شهود الوحدانيّة، فيردّ ملكوت العوالم ومُلكاً، غيبها وشهودها إلى صاحبها وبارئها وخالقها جلّ جلاله. ومن لم يرفرف على قلبه راية سلطان الوحدة الفاعليّة لله سبحانه، فإنه بعيد عن الخلوص والإخلاص ومهجور عن التوحيد، فإن الرياء في الأفعال والنوايا أي الأعمال الریّیائیّة الأفعالية والقلبية، فان أغلبها إنما هو من نقصان التوحيد الأفعالي.
فمن يرى أنّ غير الله سبحانه مؤثراً في دار التحقق والوجود، ويراه متصرفاً في سلطنة الحق، كيف يتمكن من الرياء ويرى نفسه غنياً عن جلب قلوب النّاس، ويخلص في عمله ونيّته ويصفي قلبه عن شراك الشيطان، فلابد لمن أراد الإخلاص وبالإخلاص يكون الخلاص أن يصفّي العين والینبوع من الوحل أوّلاً لينبع منه الماء الصافي، والا كيف ينبع الماء الصافي عن العين الوحلة بالتراب، فمن عرف ان قلوب العباد بيد الحق، وذاق قلبه حلاوة (يا مقلب القلوب) فإنه لا يفكر ان يعيد القلوب وان كان ضعيفاً ومسكيناً، بل يخلص العمل لمن بيده القلوب.. والمُلك والملكوت، فيكون حينئذٍ غنياً بغنا الله سبحانه، وخلص من الشرك الخفي والجلّي، وكان موحداً حقاً خالصاً، وهذا من التوحيد العملي والأفعالي القلبي.
ثم جميع العلوم الدينية والشرعية التي تدرس في حوزاتنا العلميّة إنما هي مقدمة لمعرفة الله تبارك وتعالى للوصول والحصول على التوحيد الخالص في القلب وهي صبغة الله (ومن أحسن من الله صبغة) (البقرة: 138) وأما العلوم الأخرى فهي مقدمة للعلوم الشرعية، وهذا يعني ان العلوم كلّها من المقدمات لعلم التوحيد، إلّا ان بعضها من المقدمات البعيدة وبعضها من المقدمات القريبة.
فعلم الفقه مثلاً مقدمة للعمل وتطبيق الشريعة السّمحاء والقيام بالعبادة، والأعمال العبادية مقدمة لحصول المعارف الإلهيّة وتحصيل وترسيخ التوحيد والتجريد، إن كانت الأعمال صحيحة ومقبولة بأدائها كاملة في الظاهر والباطن.
وكذلك علم الأخلاق والعلم بالمنجيات والمهلكات، فانّه مقدمة لتهذيب النفوس وتربية الأرواح، وهي بدورها مقدمة لحصول المعارف والحقائق ولياقة النفس وأهليّة القلب للإنكشافات والشهود ولتجلَي التوحيد في حياة الإنسان.
ولا يخفى أن معرفة الذات الإلهية من الخط الأحمر، فإنه لا يصل إليها الإنسان،وإن كان أشرف الخلائق ورحمة للعالمين وهو الرسول الأعظم محمد المصطفی كما قال| (ما عرفناك حقّ معرفتك) فإنه وإن كان اعلم أشرف بني آدم،إلا أنه لا يستطيع الوصول إلى مرتبة الذات الإلهية، فإنه لا يعلم ما هو ألا هو جلّ جلاله، وقد ورد النهي الأكيد عن التّفكر في ذات الله جلّ جلاله، فإنه يوجب الكفر والضلال، نعم یمكن أن يصل الإنسان إلى معرفة الأسماء والصفات الإلهيّة، ألا أن هذه المعرفة من الكلّي التشكيكي ذات المراتب الطولية والعرضية، فمنها ما يدركه النبي الأعظم| خاصة ومنها ما يدركه الأئمة الأطهار عليهم ثم الأنبياء،ثم الأولياء ثمّ ألأمثل فالأمثل، ألا ان يصل المراتب إلى حدّ عقولنا وإدراكاتنا البدائية والسطحيّة، فإن الله سبحانه عرّف نفسه لخلائقه كلّ بحسب قابليّته واستعداداته.
فالله سبحانه صرف الوجود والحقيقة الحقّة جلّ جلاله، ومن أراد أن يعرفه بحقيقته وذاته وماهيته فان ماهيته إنيّته وصرف الوجود المطلق، فهو الوجود البسيط بصرف الوجود، وأما تعريف ذات الشيء كما في الممكنات إنما يكون ممكناً وقابلاً للتصور والتصديق إذا كان له جنس وفصل، وهذا بخلاف صرف الوجود. فإنّه لا جنس له ولا فصل، لأن الجنس إنما هو مورد الشركة  ولا يوجد في العالم شيء غير الوجود كي يكون شريكاً معه.
ثم الوجود مساوق للوحدة، وإنما يكون التمييز في الأنواع المشتركة في الجنس، وليس في الوجود شيء غير الوجود كي يحتاج إلى تمييز، ومن هذا المنطلق نقول: لا يمكن تعريف الوجود بالجنس والفصل، إنمّا يعرف من باب شرح الإسم، فهو وان كان بديهي ومن أبده البديهيات، ألا انه في غاية الخفاء، فلا تتفكروا في ذات الله جل جلاله، وهذا النهي الوارد في الشرعية،إنما هو من النهي الارشادي ألا ان العقل قاصر عن درك ذات الله،فلا يتعب نفسه، فإنه لا طريق لمعرفة حقيقة الوجود، فان مقام الوجود أعلى وأنبل من أن يحيط به العقول، بل هو المحيط بكل شيء (والله من ورائهم محيط) وما سواه فهو معلول ومحاط، ويستحيل للمعلول أن یحيط بعلّته، وما أروع ما يقوله العرفاء في هذا المقام بأن محبوبنا الجميل وهو الله جلّ جلاله (ان الله جميل ويحبّ الجمال) لم يستر وجهه، فإنه كما ورد في الحديث القدسي (كنت كنزاً مخفياً فخلقت الخلق لكي أعرف) فهو الظاهر وهو الباطن وهو الأول وهو الآخر، فلم يكن مستورا الوجه، بل إن عيوننا أُغمضت لشدّة سناء نور وجهه وبهاء جلاله وجماله، فغمض الأبصار والبصائر القلبية عن معرفة الإلوهيّة بسبب أنواره المشّعة من جماله وكماله. فسبحان الله عمّا يصفون فما يقال من انه ورد النّهي في الأحاديث الشريفة عن التفكر في ذات الله إنما يقصد منه النّهي الإرشادي إلى عجز العقل عن ذلك،وأنه لا يمكن للعقل مهما بلغ في كماله أن يحيط بذات الله،كما هو ثابت في محلّه،من الحكمة والفلسفة والعرفان والقرآن.
وأما معرفة الله في أسماءه وصفاته وأفعاله،فإنّه من علم التوحيد المرغوب والمطلوب، وكلّما ازداد الإنسان معرفة بربه اقترب منه، وكان مع أولياءه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهذا ما حثّ عليه العقل والنقل من القرآن والسّنة والأحاديث الشريفة.
لقد ورد في الأحادیث الشريفة، (تكفرّوا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره) (بحار الأنوار: 54: 148 ح43).
وقال أبو جعفر×: (تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله، فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلا تحيّراً) (الكافي 1: 52) (باب النهي عن الكلام في الكیفیّة الحديث الأول).
فهذا الحديث الشريف ومثله يدل على أن المراد من التكلم في الله أي في التناه عن ذات الله وكيفيته وتعليله فهذا ممّأ يوجب زيادة التحيّر،حتّى ينتهي إلى الكفر والضلال والشرك، وهذا لا يتنافى مع الكلام في إثبات ذات الله سبحانه وسائر صفاته الذاتية والثبوتية والسلبية،توحيده وتنزيهه بما لا يوجب التجبر، بل يوجب كمال المعرفة ومعرفة الكمال.
وعن حريز (تكلموا في كل شيء ولا تتكلموا في ذات الله) (المصدر نفسه).
وعن أبي جعفر× قال: إياكم والتفكر في الله ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته، فانظروا إلى عظيم خلقه) (الكافي: 1: 93)، فيستدل على عظمة الله وصفة العظيم، فعله العظيم بعظمه مخلوقاته العلوية والسفلية، المادية والمجردة، وهذا التفكر الممدوح والمحبذة، يشير إليه الإمام الصادق×: (أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته) (الكافي: 23: 55 باب التفكر ح3).
وفي حديث الإمام زين العابدين× قال: إن الله عز وجل علم أنّه يكون في آخر الزّمان أقوام متعّموقون فأنزل الله تعالى (قل هو الله أحد) والآيات من سورة الحديد إلى قوله: (وهو عليم بذات الصدور) فمن رام وراء ذلك فقد هلك) (الكافي: 1: 91 باب النسبة الحديث 3).
وهذا يدل بوضوح ان الآيات التي تشير إلى التوحيد وتنزيه الله سبحانه وتشير إلى المعاد ورجوع الكائنات إلی الله وإليه تصير الأمور، وأن الكثرة ترجع للوحدة، انها نزلت للمتّقین ولأهل التفكير العميق، وكما ان الناس في آخر الزمان يتعمقون في العلوم الصناعية والتكنلوجيا حتى جعلوا العالم في عصرنا هذا كالقرية الصغيرة، فإنهم كذلك يتعمق أهل التوحيد في المعارف الإلهية،وفي العرفان الإسلامي الصحيح المبتني على الثقلین القرآن الكريم والعترة الطاهرة^.
فلا يصح أن يقال بحرمة التفكر في الله مطلقاً حتى في إثبات ذاته وبيان صفاته وأفعاله وأسماءه الحسنى، وما أكثر النصوص المروية عن النبي وأهل بيته هي في قمة العرفان، فان ما جاء في خطاباتهم أكمل وأتم وأجلى وأوضح ممّا قاله الحكماء والعرفاء من غير مدرستهم ومذهبهم الحق، فإن أقوالهم وأفعالهم وتقاريرهم مشحونة ومليئة بوصف الحق جلّ جلاله، والإستدلال على ذات الله وتجريده وتوحيده وبيان صفاته وأفعاله المقدسة، فالممنوع من التفكر في الله إنما هو في ذات الله بمعنى الإحاطة بالذات ومعرفة الكنه والحقيقة الذّاتية وكيفيتها كما ورد في الكافي (من نظر في الله كيف هو هلك) (الكافي: 1: 53) وأما في غير الذات الإلهية كاثباتها وتنزيهها وبيان صفاتها وأفعالها، فهذا مما رُغّب فيه، الا انه مع رعاية درجات الفهم والاستيعاب و وعاء القلب، فإن القلوب أوعية خيرها أوعاها، ولا يحق لمن كان في الصف الثاني أن يحمل ما عنده على الصّف الأول، بل له أن يلحقه في صفه فيقول له ما عنده، (وقل رب زدني علماً)(وفوق كل ذي علم عليم) فمن لم يكن له الاهلية والاستعداد للمعارف العالية في التوحيد والمعارف والعرفان السليم،لا يحق له ان يدخل في هذا الوادي، فإنه بالنسبة إليه ممّا يزيده التحيّر أيضاً.
أما الذين لهم الإستعداد والأهليّة،فانه يكون من الراجح لهم التفكر والتعّمق واستخراج الدرر واللئالئ في المعرفة بل هو من أفضل العبادات وأجل الأعمال،مما يزيد في التوحيد والتجريد الذي هو قرّة عيون المقربّين من الملائكة والأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين.
وبهذا جمعنا بين الأخبار الناهية عن التفكّر في الله،والآمرة في التفكر بالله سبحانه،وهنا وجه آخر للجمع بين الأخبار، فان الجمع مهما أمكن أولى من الطرح، فان الأخبار الشریفة الآمرة بالتفكر في الله سبحانه تشير إلی المشاهدة الحضورية الشهودية،والمكاشفة الذوقية القلبيّة،فهذا ليس من الاكتناه بالذات الإلهية في شيء، فإن المشاهدة إنما يحصل علمها للعارف ببُراق العشق والذّوق العرفاني،ولكن الاكتناه يكون بأقدام الفكر، وقيل في تعريف الفكر: حركة من المراد إلى المبادي من المبادي إلی المراد أو ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمر مجهول، وهذا يصدق في الماهيات التي لها الجنس والفصل، وأما من كانت ماهيّته إنيّته أي وجوده كان صرف الوجود المطلق،والذي لا خير له ولا فصل فيه فلا برهان عليه كان الفكر حينئذ بالنسبة إليه هو الحجاب، كما يقال: العلم هو الحجاب الأكبر.
فالمشاهدة العرفانية رفض التعيّنات قاطبة،والوصول إلى مقام التدلّي والحضور،كما في قوله تعالى (ثم دنى فتدّلى فكان قاب قوسين أو أدنى) (النجم: 8 9).
وما ورد في مناجاة الأئمة الأطهار في المناجاة الشعبانية: (وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حُجب النور، فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قُدسك) (اقبال الاعمال: 199 المناجاة الشعبانية) وهذا يعني ان المعرفة وهي من العمل والعلم القلبي -والذي هو نور يقذفه الله في قلب من أراد أن يهديه- مرغوب فيه ومأمور به، وأما الفكر في ذات الله خاصة بالعلم العقلي فهو مرغوب عنه ومنهي عنه.
فالله سبحانه واجب الوجود لذاته مستجمع بجميع صفات الجمال والكمال، فإنه في غاية الظهور، وهل لغيره من الظهور حتى يستدل به على ظهوره، فإنه وان كان به ظهور كل شيء وكان مشهوداً وحاضراً لكل أحد، إلا أنه مع ذلك لا تدركه العقول،فهو غير مدرك في ذاته لأحد، ولا يمكن للعارف أن يصل إلى مقام شهود العرفاني للوجود المطلق بقلبه وبصيرته، ألا أن يُحّطم أصنام التّعينات ويخرق حجب الظلمات ثم حجب النور،كما ورد في الخبر: (إن لله تعالى سبعون ألف حجاب من نور، وسبعين ألف حجاب من ظلمة) (البحار: 55: 34).
فهو تعالى مع ظهوره الأتم في كل الحقائق،محجوب عن كل فهم، وأما المشاهدة الحضورية والمعرفة القلبيّة بالعلم النوري الظاهر بنفسه والمظهر لغيره، فانه ذات المراتب الطولية العرضية، فهي واقعة للناس مع اختلافهم في مراتب المعرفة، ولا تكون الإحاطة لجميع المظاهر إلّا للكاملين الأوحدين من الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء وفي طليعتهم محمد وآل محمد^.
فالله سبحانه لا يدركه العقول والأبصار،مع انه مشهود كل شاهد ومطلوب كل طالب، فهو يحول بين المرء وقلبه، اقرب إليه من حبل الوريد وهو في غاية الربوبیّة والعزّة،فهو تعالى دان في علوه وعال في دنوه وإنّه:(مع كلّ شيءلا بمقارنة،وغیركلّ شيءلابمزایلة)(نهج البلاغة)(وهو معكم أینما كنتم)(القرآن الكریم).
وربما يقال نجهله حقيقة لغاية قربه ودنوه،كما لا يدرك البصر حدقة العين، أو نجهله لغاية عزّته وعلوه كما لايدرك البصر وسط قرص الشمس لغاية نورها،حتى يتخيّل فيها السّواد والظلمة،مع انه منبع الأنوار،فتدبّر.
{prev_post_title} نظریات صاحب الکفایة:الشیخ غالب الکعبي ›