ارسال السریع للأسئلة
تحدیث: ١٤٤٠/٩/١٦ من نحن منشورات مقالات الصور صوتيات فيديو أسئلة أخبار التواصل معنا
العصمة بنظرة جديدة مجلة الکوثر الرابع والثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م صحيفة صوت الكاظمين الشهرية العدد 207/206 النور الباهر بين الخطباء والمنابر قناة الکاظمين مصباح الهداية ونبراس الأخلاق بإدارة السید محمد علي العلوي الخصائص الفاطميّة على ضوء الثقلين الشباب عماد البلاد إجمال الكلام في النّوم والمنام المؤسسة الإسلامية العالمية التبليغ والإرشاد برعایة السید عادل العلوي صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ الانسان على ضوء القرآن أخلاق الأنبياء في القرآن الكريم العلم الإلهامي بنظرة جديدة في رواق الاُسوة والقدوة الله الصمد في فقد الولد في رحاب اولى الألباب المأتم الحسیني الأسبوعي بإشراف السید عادل العلوي في دارالمحققین ومکتبة الإمام الصادق علیه السلام- إحیاء للعلم والعل نظرات في الإنسان الكامل والمتكامل مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م نور العلم والعلم نور مقالات في رحاب الامام الحسين(ع)
اللغة
تابعونا...
فهرست کتاب‌‌ لیست کتاب‌ها
■ کلمتنا
■ واحة الحوزة
■ واحة الملف
■ واحة الثقافة
■ واحة الشعراء
■ واحة الأسئلة
■ واحة الصور
  1. صوت الكاظمين _ العدد :239_240
  2. صوت الكاظمين _ العدد :237_238
  3. صوت الكاظمين _ العدد :235_236
  4. صوت الكاظمين _ العدد :233_234
  5. صوت الكاظمين _ العدد :231_232
  6. صوت الكاظمين _ العدد :الحادي عشر _ربيع الثاني 1414 ه
  7. صوت الكاظمين _ العدد :العاشر _ربيع الاول 1414 ه
  8. صوت الكاظمين _ العدد :التاسع _صفر 1414 ه
  9. صوت الكاظمين _ العدد :الثامن _محرم 1414 ه
  10. صوت الكاظمين _ العدد :السابع _ذوالحجة 1413 ه
  11. صوت الكاظمين _ العدد :السادس _ذوالقعدة 1413 ه
  12. صوت الكاظمين _ العدد :الخامس _شوال 1413 ه
  13. صوت الكاظمين _ العدد :الرابع _شهر الرمضان 1413 ه
  14. صوت الكاظمين _ العدد :الثالث _شعبان 1413 ه
  15. صوت الكاظمين _ العدد :الثاني _رجب 1413 ه
  16. صوت الكاظمين _ العدد :الاول _جمادي الثاني 1413 ه
  17. صحيفة صوت الکاظمين - العدد: 230-229. رمضان و شوال 1439 هـ
  18. صحيفة صوت الکاظمين - العدد: 228- 227. رجب المرجب و شعبان 1439 هـ
  19. صحيفة صوت الکاظمين - العدد: 226-225. جمادی الأولی والثانية 1439 هـ
  20. صحيفة صوت الکاظمين - العدد: 223-224 ربیع الأول والثاني 1439 هـ
  21. الكوثر العدد الرابع والعشرون - رجب 1432هـ
  22. الكوثر العدد الثالث والعشرون - رجب 1426
  23. الكوثر العدد العشرون محرّم 1425
  24. الكوثر العدد التاسع عشر رجب 1424
  25. الكوثر العدد الثامن عشر محرّم 1424
  26. الكوثر العدد السابع عشر رجب 1423
  27. الكوثر العدد السادس عشر محرّم 1423
  28. الكوثر العدد الخامس عشر رجب 1422
  29. الكوثر العدد الرابع عشر محرّم 1422
  30. الكوثر العدد الثالث عشر رجب 1421
  31. الكوثر العدد الثاني عشر محرم الحرام 1421
  32. صحیفة صوت الکاظمین 222-221 أشهر محرم الحرام و صفر 1439 هـ
  33. صحیفة صوت الکاظمین 219-220 أشهر ذي القعدة وذي الحجة 1438هـ . 2017م
  34. مجلة الکوثر - السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
  35. صحیفة صوت الکاظمین 216-218 أشهر رجب - شعبان - رمضان 1438هـ . نيسان / ايّار / حزيران 2017م
  36. مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
  37. مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
  38. مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
  39. مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
  40. مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
  41. مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
  42. مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
  43. مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
  44. مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
  45. مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
  46. مجلة عشاق اهل بیت 7
  47. مجلة عشاق اهل بیت 6
  48. مجلة عشاق اهل بیت 5
  49. مجلة عشاق اهل بیت 4
  50. مجلة عشاق اهل بیت 3
  51. مجلة عشاق اهل بیت 2
  52. مجلة عشاق اهل بیت 1
  53. صحیفة صوت الکاظمین 215-212 شهور ربیعین وجمادیین 1438هـ . دیسمبر / مارس2017م
  54. صحیفة صوت الکاظمین 210 -211 شهر محرم وصفر 1438هـ . أکتوبر/ نوفمبر 2016م
  55. صحیفة صوت الکاظمین 208 -209 شهر ذي القعدة وذي الحجة 1437هـ .أغسطس/سبتمبر 2016م
  56. مجلہ عشاق اہل بیت 14و 15 ۔ ربیع الثانی 1437 ھ
  57. مجلہ عشاق اہل بیت 12و 13 ۔ ربیع الثانی 1436 ھ
  58. صحیفة صوت الکاظمین 206 -207 شهر رمضان وشوال 1437هـ .نیسان/أیار2016م
  59. مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
  60. صحیفة صوت الکاظمین 205-204 شهر رجب وشعبان 1437هـ .نیسان/ أیار 2016م
  61. صحیفة صوت الکاظمین 203-202 شهر جمادي الاول والثاني 1437هـ .فبرایر/مارس 2016م
  62. مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
  63. صحیفة صوت الکاظمین 201-200 شهر ربیع الاول والثاني 1437هـ .دیسمبر/کانون الاول 2015م
  64. صحیفة صوت الکاظمین 198-199 شهر محرم الحرام وصفر 1436هـ .اکتبر/نوفمبر 2015م
  65. صحیفة صوت الکاظمین 196-197 شهر ذي القعدة وذي الحجة 1436هـ . اغسطس/سبتمبر 2015م
  66. صحیفة صوت الکاظمین 194-195 شهر رمضان وشوال 1436هـ . حزیران/تموز 2015م
  67. صحیفة صوت الکاظمین 193 شهر شعبان 1436هـ . مایو/آیار 2015م
  68. صحیفة صوت الکاظمین 192 شهر رجب المرجب 1436هـ . ابریل /نیسان 2015م
  69. مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
  70. مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
  71. صحیفة صوت الکاظمین 190 -191 شهر جمادي الاول والثاني 1436هـ. فبرایر/شباط 2015مـ.
  72. صحیفة صوت الکاظمین 189 شهر ربیع الثاني 1436هـ. ینایر/کانون الثاني2014مـ.
  73. صحیفة صوت الکاظمین 188 شهر ربیع الاول 1436هـ. کانون الاول/ کانون الثاني 2014مـ.
  74. صحیفة صوت الکاظمین 187 شهر صفر المظفر 1436هـ. دیسمبر/ کانون الاول 2014مـ.
  75. صحیفة صوت الکاظمین 186 شهر محرم الحرام 1436هـ. اکتوبر/ تشرین الاول 2014مـ.
  76. صحیفة صوت الکاظمین 185 شهر ذي الحجة 1435هـ. سبتمبر/ أیلول 2014مـ.
  77. صحیفة صوت الکاظمین 184 شهر ذي القعدة 1435هـ. اغسطس/ اب 2014مـ.
  78. صحیفة صوت الکاظمین 183 شهر شوال المکرم 1435هـ. یولیو/تموز 2014مـ.
  79. صحیفة صوت الکاظمین 182 شهر رمضان 1435هـ. یونیو/حزیران 2014مـ.
  80. مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
  81. صحیفة صوت الکاظمین 181 شهر شعبان المعظم 1435هـ. یونیو/حزیران 2014مـ.
  82. صحیفة صوت الکاظمین 180 شهر رجب المرجب 1435هـ. مایو/أیار 2014مـ.
  83. صحیفة صوت الکاظمین 179 شهر جمادي الثاني 1435هـ. ابریل/نیسان 2014مـ.
  84. صحیفة صوت الکاظمین 178 شهر جمادي الأول 1435هـ. مارس/آذار 2014مـ.
  85. صحیفة صوت الکاظمین 177 شهر ربیع الثاني 1435هـ.فبرایر/شباط2014مـ.
  86. صحیفة صوت الکاظمین 176 شهر ربیع الأول 1435هـ. ینایر/کانون الثاني2014مـ.
  87. صحیفة صوت الکاظمین 175 شهرصفر 1435هـ. دیسمبر/کانون2013مـ.
  88. مجلة عشاق اهل بیت 11
  89. مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
  90. صحیفة صوت الکاظمین 174 شهر محرم الحرام1435
  91. صحیفة صوت الکاظمین 173 شهر ذي الحجة 1434
  92. صحیفة صوت الکاظمین 172 شهر ذي القعده
  93. مجلة عشاق اهل بیت شماره 10شوال 1434هـ
  94. صحیفة صوت الکاظمین 171 شهر شوال
  95. مجلة عشاق اهل بیت 8 - شوال 1333هـ
  96. مجلة عشاق اهل بیت 9 - ربیع الثانی 1334
  97. مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
  98. مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
  99. صوت الكاظمین-العدد 170-رمضان 1434 هـ -یولیو/تموز2013 م .
  100. مجلة صوت الکاظمین العدد166
  101. صوت الكاظمین-العدد 169-شعبان المعظم 1434 هـ - یونیو 2012 م .
  102. صوت الكاظمین-العدد 168-رجب المرجب 1434 هـ - مایو 2012 م .
  103. صوت الكاظمین-العدد 167 -جمادی الثانی 1434 هـ - أبریل 2013 م .
  104. صوت الكاظمین-العدد 165-ربیع الثانی 1434 هـ - فیرایر 2012 م .
  105. صوت الكاظمین-العدد 164-ربيع الاول 1434 هـ - يناير 2013 م .
  106. صوت الكاظمین-العدد 149-ذی الحجة 1432هـ - أکتوبر 2011 م .
  107. صوت الكاظمین-العدد 150-محرم الحرام 1433 هـ - نوفمبر 2011 م .
  108. صوت الكاظمین-العدد 151-صفر المظفر 1433 هـ - ینایر 2012 م .
  109. صوت الكاظمین-العدد 152-ربع الأول الخیر 1433 هـ - فبرایر 2012 م .
  110. صوت الكاظمین-العدد 153-ربیع الثانی1433 هـ - مارس 2012 م .
  111. صوت الكاظمین-العدد 154-جمادی الأولی 1433هـ - مایو 2012 م .
  112. صوت الكاظمین-العدد 155-جمادی الثانی 1433 هـ - یونیو 2012 م .
  113. صوت الكاظمین-العدد 157-شعبان المعظم 1433 هـ - اغسطس 2012 م .
  114. صوت الكاظمین-العدد 156-رجب المجرب 1433 هـ - یولیو 2012 م .
  115. صوت الكاظمین-العدد 158-رمضان الکریم 1433هـ - اغسطس 2012 م .
  116. صوت الكاظمین-العدد 159-شوال 1433هـ - سبتمبر 2012 م .
  117. صوت الكاظمین-العدد 160-ذی القعدیة 1433 هـ - سبتمبر 2012 م .
  118. صوت الكاظمین-العدد 161-ذی الحجة 1433 هـ - آکتوبر 2012 م .
  119. صوت الكاظمین-العدد 162-محرم الحرام 1434 هـ - نوفمبر 2012 م .
  120. صوت الكاظمین-العدد 164-صفر الخیر 1434 هـ - دیسمبر2012 م .
  121. صوت الكاظمین-العدد 163-صفر الخیر 1434 هـ - دیسمبر2012 م .
  122. مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
  123. مجلة الکوثر 25

الإفراط وتضاده للعقل والشرع - الشیخ احمد البهشتي


بسم الله الرحمن الرحیم
الخلاصة: هذا المقال يمر أولاً على الميل إلى الإفراط ومضراته، وثانياً يبحث عن الإفراطات القومية والبشرية والحزبية والصّنفية والمذهبية، ولما كان الميل إلى الإفراط مولود العصبية الجامدة، والخروج عن جادة الإعتدال والعقلانية والفرار عن الشريعة الحنيفة السهلة السمحة الغرّاء، يلزمنا أن نبحث عن مضراته وفوائد الإعتدال والقصد في المشي وإرائة الطريق، وإذا رجعنا إلى الكتاب والسّنّة نرى مطالب عالية وبيانات شافية تهدينا إلى الإعتدال، وفي هذا المقال نستفيد منها إستفادات وافية وإلهامات شافية.
الإفراط في اللّغة «إلّا مجال والتقدم، وأفرط في الأمر أسرف وتقدم» (إبن منظور: 1408 ق، ج10 ص235) وفي حديث علي×: ولا يرى الجاهل إلّا مفرِطاً أو مفرّطاً، هو بالتخفيف المسرف في العمل، وبالتشديد المقصّر فيه، (نفس المصدر).
والميل إلى الإفراط «إعجال الشيء في الأمر قبل التثبت وأفرط فلان في أمره أي عجل فيه وجاوز القدر، والسحابة تفرط الماء في أول الوسمّى إذا عجّلت فيه» (الفراهيدي، 1414 ق، ج3، ص1387).
فمن خرج عن جادّة الإعتدال والعقلانية وعن صراط الشريعة الحقّة وإعتمد على العصبية الباطلة وتجمّدعلى عقيدته وطريقته الفردية أو القومية أو الحزبية أو الصنفية أو المذهبية ولم يستمع الأقوال والنظرات ولم يتّبع أحسنه فهو مفرط، فليس من الّذين هداهم الله وليس من أولى الألباب الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 29، الآية: 17 و18).
الإفراط في العقيدة والعمل يكون من المبتدعات الخبيثة التي أسّست أساس الجور والعدوان والإفساد في الأرض.
وسفك الدماء وإهلاك الحرث والنسل من القديم إلى الآن وكان العقلاء والمتشرعون وعلى رأسهم أئمّة الحق الذين يهدون بأمر الله سَعَوا سعياً بليغاً وجاهدوا جهاداً كبيراً في دفعه ونجاة البشريّة عن آثاره وآثامه.
لا ريب أن حب الوطن من الإيمان وعلاقات الطائفية والقوميّة والدينية من الأمور الطبيعية للإنسان السليم قلبه عن الإفراط والتفريط، وإذا لم تنجّز إلى نفي سائر الأقوام والأمم مطلقا، وإلى تحقير آدابهم وعاداتهم وأخلاقياتهم كلّاً، ولم تسدّ باب التعامل والإرتباطات والجدال الأحسن، فلا ضرر فيها ولا ضرار، بل سبب للنشاط والإرتقاء والإستكمال وظهور المدينة الإلهيّة، والقرية العالمية التي يبشر بها الغرب، والحق أنّ مبشرها الحقيقي الإسلام الخالص المهدوي المهدوي المحمدي، لا الإسلام المحرّف الداعشي والتكفيري، ولا الغرب الأسير في أغلال الكفر والظلم والشهوات النفسانية.
من يدّعي أنه الحق المطلق ومن سواه باطل محض فهو مفرط ومفسد ومهلك للبشريّة وخارج عن طريقة الشريعة الغراء المحمدية. فقد قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ﴾ (آل عمران: الآية 64) فإذا كان الإشتراك بيننا وبين أهل الكتاب كلمة «الله» ويمكننا التعامل والتفاهم معهم، فكيف لا يمكننا التعامل والتفاهم مع من يكون «الله» ربهم، ومحمد‘ نبيهم والقرآن الكريم كتابهم والكعبة قبلتهم والقيامة معادهم ومرجعهم؟!
وليعلم أنّ الحد الفاصل بين الإفراط والتفريط العقلانية والتشرع، فمن إعتدل فهو العاقل المتشرع ومن أفرط أو فرط فهو الجاهل غير المتشرع.
فمن جعل العقلانية شيمته لم يغرّ بآرائه وافكاره، بل ينظر غلى سائر الآراء والأفكار، فإن وجد رأياً أفضل أو فكراً أرشد، يمل إليه ويذر فكره ورأيه الخاص وراء ظهره والشرع القديم يؤيّد هذه الرؤيّة ويصدّقها.
تقتضي العقلانية أن يكون الإنسان محباً للحقيقة، وأن يعرف الحق ثم يعرف أهله، فهو تابع للحجة البالغة ولا تحصل هي إلّا بالبرهان والبداهة الوجدانية، وأما التورط في الإفراط فيقتضي التعشق للنفسانيات وجعلها ملاكاً للحق والحقيقة، فما وافقها فهو حق وما خالفها فهو باطل، وكم ضلّ أشخاص وهلك اقوام وأهريقت الدماء وأضيعت الحقوق والنواميس في ظل هذه الطريقة الإبليسيّة! تتلذ أرسطو عند أستاذه أفلاطون عشرين سنة ومن المنتظر أن يكون فيلسوفاً أفلاطونياً، لكنه قال: «الأستاذ عزيز والحق أعزّ» ولذا خالف أستاذه في أكثر المسائل العقلية وأسس فلسفة سمّيت بالمشائية (فروغي 1317 ش ج1، ص23).

وكان صدر المتألهين يتواضع لأستاذه ميرداماد أعلى التواضع، وكان في عهد شبابه معتقداً بأصالة الماهية تبعاً له، لكنه قال: «وإني وإن كنت شديد الذب عنهم في إعتبارية الوجود وتأصل الماهيات حتى أن هداني ربي وإنكشف لي إنكشافاً بينا أنّ الأمر بعكس ذلك» (صدر المتألهين، بلا تاريخ، ج1، ص49)، والكنت الألماني أفرغ وسعه في نقد العقل النظري والعملي، كي يحفظهما عن السقوط في ورطة العواطف المضلّة والإحساسات المضيعة (يوسف كرم، 1962، 213 هـ بول فولكيه 1347 ش، 215)
جدال العقل والعاطفة
الإنسان موجود مركب من العقل والعاطفة، فكما أنّ العقل من قواه النفسانية فكذلك العاطفة ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
لا يخلو الإنسان من الحب والبغض، فإنّه يحب نفسه وأولاده وزوجته وأقاربه وماله وجاهه ووطنه، ويحب الجمال والكمال، ويبغض كل ما كان مضرا بحاله، ومن كان مزاحماً لحياته ولوازمها.
فإذا كان الحاكم على حبه وبغضه، بل جميع عواطفه وشهواته العقل والشرع، اللّذين لا يفترقان ويكون إمتثال أحدهما إمتثال الآخر (الحلي، بلا تاريخ، 273) فهو سعيد، ولا يستضرّ بعواطفه وشهواته، بل يستفيد منها في الإرتقاء إلىمدارج الكمال والإهتداء إلى الرشد والإنفصال عن الغي، وقد أعلن الله تعالى في كتابه عدم حب الجهر بالسوء من القول وإظهار الغضب والعداوة إلّا على الظالم، فقال:﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء: 4، الآية 148).
وليعلم أنّ الفرق البيّن بين الإنسان والحيوان، أنّ الحيوان يتبع غرائزه فقط ومع ذلك هو برئيٌ عن الإفراط والتفريط، ولكن الإنسان صاحب العقل ومالك الغريزة والعاطفة، فإن كان عقله أمير عليها فيرشد، وإن كانت الغريزة والعاطفة أميرتين وحاكمتين على عقله، فهو يهلك. «كم من عقل أسير تحت هوى أمير» (المجلسي: بلا تاريخ، ج64، ص: 410، ح125).
ففي الميل إلى الإفراط  ـ بأيّ شكل كان ـ يموت العقل وينسى الشرع ويسدّ طريق الحركات المفيدة والأهداف العالية والأغراض الإلهية.
كان يقول مخالفوا الأنبياء والرّسل أنّ القرآن والتوراة كليهما سحر وحاملهما ومبلغهما ـ أي موسى ومحمد‘ ـ  ساحران يستظهر أحدهما بالآخر ويدعيان أن كتابهما سماوي وإلهي، فقال ـ تعالى ـ لنبيّه الأكرم: ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (القصص: 28 الآية 48).
طرق طرء الإفراط
لنا طريقان واضحان وسبيلان بيّنان لطرد الإفراط عن الحياة البشرية، وخاصّة الأمّة الإسلاميّة، ولا ريب في أنّهما لا يكونان مانعي الجمع، بل علينا أن نجمع بينهما ما أمكن، «فإن الجمع ـ مهما أمكن ـ أولى».
1 ـ طريق العقل:
العقل قسمان: نظري وعمليّ، فالعقل النظري له شأن الطلب والكشف عن وجه الحقيقة وتبيين جميع مسائل الوجود والعدم بقدر الطاقة البشرية وتأسيس العلم والفلسفة والإستدلال على الأمور الإعتقادية الشرعية ولا يستغنى عنه فرد ولا مجتمع، والعقل العملي يأمر وينهى ويبيّن المحسنات والمقبّحات ويحكم بها.
فيكون العقل النظري ظهير للعقل العملي والعقل العملي خادماً للعقل النظري.
العقل النظري يؤسس معرفة العالم ومبدئه وغايته والعقل العملي يبنى الايئولرژي على ضوئه وفي نطاقه، ويكون بنائه على هذا المبنى عرشياً بل فوق العرش.
ولولا أن العقل النظري يميز الحق عن الباطل بملاكاته المحكمة ويعرف الواقع بنظراته الصائبة، لكان العقل العملي خالي اليد عن إصدار الأحكام، وإنشاء الأوامر والنواهي.
وفي هذا المجال لا تطرد الأهواء النفسانية والعادات المنفية والهواجس الشيطانية والأباطيل والأوهام والأساطير القومية، ويقبح الإنسان مع الأسف في حضيض الإنحطاط، هذا مع أنّه تعالى قال: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (التين: 95، الآية 4 إلى 6).
وطريق تقوية العقل وتضعيف الأهواء النفسانية أولاً الرجوع إلى التاريخ الذي يمثل كيفية رقاء الأقوام وإنحطاطهم وآثار الإفراط والإسراف وعدم الإعتدال في حياتهم، ثم إلى فلسفة التاريخ التي تحلل علل الرقاء وأسباب التنزل والسقوط ويبيّن ان محرّك الجوامع إلى قمّة الكمال، بل أقواه ما هو؟ ثم العلوم الإجتماعية وعلى رأسها الفلسفة.
وعلينا أن لا ننسى أنّ للأنبياء الكرام وبالأخص خاتمهم ورئيسهم حقاً عظيماً على البشرية وسوقها إلى ذروة الكمال. فمحمد ‘ بعث في الأمييّن ﴿ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ (الجمعة: الآية 2).
والجامع كل ما في التاريخ وفلسفته والعلوم الإجتماعية «الحكمة»، فقد قال تعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ (النساء: 4، الآية 54) وقال ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ (لقمان: 31، الآية 12) لكن الرسول الخاتم كان معلّم الحكمة كما في الآية (الجمعة: 62 الآية 2).
يجب التوجه إلى الحكمة، فإنّها فرار عن الإفراط والجمود والتعصب ولذا قال إمام الحكماء ورئيس العقلاء بعد النبي الخاتم: «الحكمة ضالّة المؤمن، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق» (نهج البلاغة، الحكمة: 80) وقال أيضاً: «كلمة الحكمة ضالّة المؤمن فحيث  وجدها فهو أحق بها» (المجلسي، بلا تاريخ، ج2، ص99، ح57) وقال أيضاً: «خذ الحكمة انّى كانت، فإنّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتتخلّج في صدره، حتى تخرج، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن» (نفس المصدر، ح58).
الذين صاروا محفوظين عن الإفراط والتعصب المهلكين في ضوء العقلانية والحكمة يفرون عن السكولار، ويلجأون غلى تعاليم الأنبياء ويعلمون أنّ تعاليمهم من الله الحكيم الذي هو خالق العقل الذي له منزلة فوق المنازل، ولذا قال سيد العقلاء ومعلم الحكمة والحكماء‘: «ما عبد الله بمثل العقل» (نفس المصدر، ج1، ص109، ح6) وقال المحدث الكبير المجلسي الخبير ملهما من الكتاب والسنة: العقل سبب العبادة ووسيلتها ومكملها، والعبادة الفارغة عن هذه الأمور عبث وجهالة. (نفس المصدر) وما كانت صلاة الجاهلية «عند البيت إلّا مكاء وتصدية» (الأنفال: 8، الآية 35).
2 ـ طريق الشرع
طريق الشرع طريق واضح وصراط مستقيم ومنهج قويم ليس بين الشرايع النوحيّة والإبراهيمية والموسويّة والعيسويّة والختميّة المحمدية تضاد وتعاند، بل كل ما كان لاحقاً كان مكملاً لما قبله، ودين الإسلام بلغ إلى ذروة الكمال وقمة الإعتدال، ولا يتصور كمال فوقه وإعتدال دونه، ولذا كان كل من جاء سابقاً كان مبشراً لظهور من بعده، وكل من كان لاحقاً كان مصدقاً لمن بعده، قال عيسى بن مريم×: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ (الصف: 61، الآية 6) وأما القرآن الكريم فكان ﴿ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ (المائدة: 5، الآية 48) وللمهيمن معنى واسع عال، فإنّه يحافظ ويراقب.
فالإرتباط الوثيق بين الشرائع السماوية وهيمنة القرآن عليها من بديهيات القرآن ومسلماته، قال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا ﴾ (الشورى: 42، الآية 13) فيكون روح جميع الشرايع إقامة الدين وعدم التفرقة، وهذا معنى دقيق للعقلانية والإعتدال.
فلنطلب برنامج الشرع في تثبيت الإعتدال ونفي الإفراط والجمود والإسراف من كل واحد من الكتاب والسنة وهما أساس الشرع المحمدي القويم ومكمل الشرايع السالفة.

ألف ـ القرآن الكريم:
توجد في القرآن الكريم آيات كثيرة وإشارات واضحة تدل على نفي الإفراط ومطلوبيّة الإعتدال.
1 ـ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ (البقرة: 2: الآية 143)، ولاشكّ أنّ الأمة الوسط هي الأمة التي تجتنب عن الإفراط والتفريط وتتحرك في طريق نسميه طريق الإعتدال.
2 ـ ﴿ خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ (الأعراف: 7، الآية 199).
ونقل عن الإمام المجتبى× أن هذه الآية أهمّ آية تعلّم أدب الحياة (المجلسي 1397 ق، ج75، ص114، ح10).
ولقد عرف أرسطو الفضائل النفسانية بما يكون بين الإفراط والتفريط، ذلك لأن للنفوس الإنسانيّة قوى ثلاثة: شهوية وغضبية ونطقية.
فما يكون وسطا للقوة الشهوية يسمّى بالعفة ويكون جانب الإفراط الشره وجانب التفريط الخمود، وما يكون وسطاً للقوة الغضبية يسمى بالشجاعة، ويكون جانب الإفراط التهور وجانب التفريط الجبن، وما يكون وسطاً للقوة النطقيّة الحكمة، ويكون جانب الإفراط الجربزة وجانب التفريط البلاهة.
فإذا إجتمعت هذه الفضائل النفسانية،  يحدث ما يكون وسطاً للنفوس الإنسانية ولسمى بالعدالة، ويكون جانب الإفراط الظلم وجانب التفريط الإنظلام، والقرآن الكريم ينفي كليهما ويقول: «لا تظلمون ولا تُظلمون» (البقرة: 2، الآية 297).
وأرسطو كان يعتقد أنّ الأخلاق ليست إلّا موافقة العقل في جميع الحالات، وعلينا أن نعلم في ضوء العقل ما يحكم بفعله وما يحكم بتركه، وما يحسن أو يقبح، وما يكون صالحاً لتعلق الأمر به وتعلق النهي عنه في أي وقت، وفي أي مورد، ولمن ولما (الفروغي 1317 ش، ج1، ص33) ونضيف إليه أنه لابّد لنا أن نستعين من الشرع أيضاً، لا نكتفي بعقلنا فقط.
ويقول العلامة الطباطبائي إنّ علماء الأخلاق الإسلامية استخرجو من الأصول الأربعة للفضائل والفروع الثمانية للرذائل فروعاً كثيرة، كل فروع الفضائل مبتنية على الإعتدال، وكل فروع الرذائل مبتنية على الإفراط والتفريط (الطباطبائي بلا تاريخ: ج1، ص376 إلى 387).
والشاهد عليه كتاب «طهارة الأعراق» لأبي علي مسكويه، و«أخلاق ناصري» للحكيم القدوسي، الخواجا نصير الدين الطوسي، وكتاب «جامع السعادات» للنراقي الأول، و«معراج السعادة» لإبنه النراقي الثاني، والمحجة البيضاء للفيض الكاشاني.
ثم نقول بالآية المذكورة آنفا يستدل على الحكمة بـ «وأمر بالعرف » وعلى العفّة بـ «خذ العفو» وعلى الشجاعة بـ «أعرض عن الجاهلين».
وقال إمام أهل الإعتدال، والهادي إلى قمة الكمال وأسوة من يكون طالباً وعاشقاً للجلال والجمال: «لا يرى الجاهل إلّا مفرطاً أو مفرّطاً» (المجلسي، بلا تاريخ، ج1، ص159، ح34).
وعلى العقلاء والموحدين أن يدفعوا ويطردوا الجاهل المفرط أو المفرّط ولا يخافوا من إفراطه وتفريطه، ولا ريب في أنّ هذا يحتاج إلى الشجاعة العلوية والتجنب القاطع عن التهور والجبن، وأولئك هم الأقلّون جداً!
3 ـ ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ (ص: 38، الآية 86).
كان يقول الإمام أمير المؤمنين×: العترة الطاهرة جامعة لعلوم جميع الأنبياء من آدم إلى الخاتم‘ ثم يقول: «أنا رهين بذلك قسماً حقاً وما أنا من المتكلفين» (نفس المصدر، ص100، ح59).
وقال المجلسي: مراده× أنه ليس أهلاً للتصنع وإدعا الباطل وما لا يصلح له (نفس المصدر: ص104).
4 ـ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 3، الآية 159).
ونادى سعد بن عبادة يوم الفتح: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة... فوقف النبي ‘ وناداه... اليوم يوم الرحمة، اليوم أعزّ قريشاًن وأرسل إلى سعد فعزله عن اللّواء» (المجلسي، بلا تاريخ، ج21، ص109 ب فتح مكة) وقال‘: «إنّما أنا رحمة مهداة» (نفس المصدر، ج16، ص306، ح4).
5 ـ ﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (لقمان: 31، الآية 19).
وهذه الآية من مواعظ لقمان لإبنه، وعن الإمام الصادق×: قال لقمان لإبنه: يا بنيّ، لكل شيء علامة يعرف به ويشهد عليها... وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول ما لا يعلم ويتعاطى ما لا يقال، وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويعين الظلمة... وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب ويتملق إذا شهد ويشمت بالمعصية...» (المجلسي، بلا تاريخ، ج13، ص415 ح8)
وكان لقمان ممن أوتي الحكمة ولأجل ذلك كان آمنوا بالإعتدال وناهيا عن الإفراط والتفريط ومخالف للمفرط والمفرط.
6 ـ ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً *وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ (الفرقان: 25، الآيات 63 إلى 67).
7 ـ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص: 28، الآية 55).
في تفسير علي بن إبراهيم «قالوا ذلك متاركة لهم وتوديعاً... لا نطلب صحبتهم ولا نريدها» (بحار الأنوار، بلا تاريخ، ج64، ص265).
ب ـ السنة
تعرف السنة عندنا بقول المعصوم وفعله وتقريره. والمسلمون متفقون على حجية سنة رسول الله‘، ولا ريب أنّ الأئمة الطاهرين^ كانوا يبينون سنته القويمة و«أهل البيت أدرى بما في البيت» ويعملون على ضبقها وكتب الإمام علي× إلى بعض عماله على الصدقات: «ثمّ احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر الله به، فإذا أخذها أميناً فأوعز إليه... حتى تأتينا بإذن الله بدّنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنّة نبيه» (نهج البلاغة، من وصية له×: 25).
وفي مفردات الراغب: «سنة النبيّ طريقته الّتي كان يتحراها» (الراغب الإصفهاني)133 ش 245) وطريقته تتجلى في قوله وفعله وتقريره وكانت سنته مبينة للوحي الإلهي ومكملة لسنن الأنبياء والمرسلين، ولولا الأئمة الطاهرون لأنطمست سنتهم ومحت طريقتهم أو يؤمن ببعض ويكفر ببعض أو يحرّف، وكل ذلك إفراط أو تفريط، ولذا قال الإمام الباقر×: «يا معاشر الشيّعة شيعة آل محمد^ كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي» (القمي 1355 ق، ج2، ص611).
فسنة الأئمة الطاهرين^ إستمرار السنّة النبوية والطريقة القيّمة الإلهية، وفيها شواهد كثيرة ودلائل منيرة تدل على منع الغلو والإفراط، والتلو والتفريط، وعلى أهمية ومطلوبية النمرقة الوسطى والأمر بين الأمرين، فلنذكر نماذج منها:
1 ـ ترك الإعتدال والجور.
قال الإمام أمير المؤمنين×: «من ترك القصد جار» (نهج البلاغة، من وصية له× للحسن بن علي÷).
2 ـ الإعتبار بخروج إبليس عن الطريق الوسط قال׫فاعتبروا من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد» (نفس المصدر، الخطبة 192).
3 ـ طرد الفخر والكبر بذكر القبر.
قال×: «ضع فخرك وأحطط كبرك وإذكر قبرك » (نفس المصدر، الخطبة 153).
4 ـ ترك الفخر الذي هو إفراط بذكر مبدء الحياة ومنتهاها قال× «ما لإبن آدم والفخر؟! أوله نطفة وآخره جيفة». (نفس المصدر، الحكمة 454).
5 ـ النهي عن الوثوب والأمر بالإمهال:
روى أنّه× كان جالساً بين أصحابه، فمرت بهم إمرأة جميلة فرمتها القوم بأبصارهم فقال×: «إن أبصار هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها، فإذا نظر أحدكم إلى إمرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنما هي إمرأة كأمرأته، فقال رجل من الخوارج (وهم مظاهر الإفراط والعصبيّة النفسانية): «قاتله الله كافراً ما أفقهه!» فوثب القوم ليقتلوه، فقال: «رويدا، إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب» (نفس المصدر، الحكمة 420).
6 ـ منع الحكام عن القسوة والتحقير:
كتب الإمام أمير المؤمنين× غلى بعض عماله: «أما بعد، فإنّ دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظه وقسوة واحتقارا وجفوة.. فالبس لهم جلبابا من اللّين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والإدناء، والإبعاد والإقصاء إن شاء الله» (نفس المصدر، من كتاب له× إلى بعض عماله: 19).
فعلى هذا المكتوب المبارك، الحاكم المبعد المقصى مفرط، والحاكم المقرب المدني مفرّط، وكلاهما مذمومان، والممدوح من الحكام من داول للرعيّة بين القسوة والرأفة.
7 ـ هلاك المحب الغالي والمبغض القالي:
المحب الغالي مفرط، والمبغض القالي مفرّط وكلاهما هالكان، ولذا قال علي×: «هلك فيّ رجلان: محب غال ومبغض قال » (نفس المصدر، الحكمة: 117).
ومعنى الغلو فيه× إعتقاد ألوهيته، ومعنى القلو فيه عدم قبول إمامته ونكث بيعته، كما فعل الناكثون المارقون والإنحراف عن متابعته كما فعل القاسطون.
8 ـ الإفراط والفرار عن الحق:
الإفراط في المحبة أو العداوة سبب للفرار عن الحق والسقوط في غمرة الباطل، ولذا قال مولى الموحدين أمير المؤمنين× في من يفرط في المحبّة: «يذهب به الحب إلى غير الحق» وقال فمن منا يفرط في البغض: «يذهب به البغض إلى غير الحق». (نفس المصدر: الخطبة 127).
9 ـ من هو خير النّاس ومن هو شرّهم؟
الناس في الإرتباط إلى حبّ علي× وبغضه طائفتان، فشرهم من افرط في الحب والبغض وخيرهم النمط الأوسط.
قال×: «خير الناس فيّ النمط الأوسط» (نفس المصدر).
10 ـ الدّاء لا الدّواء:
الإفراط داء إجتماعي مزمن، يستضرّ به الفرد والجمع. والأشخاص المفرطون يهلكون الجوامع والأمم.
الإسراف في صرف المال يورث الفقر، والإفراط في السياسة وإدارة المجتمع يوجب الفتن المهلكة ويشتعل به تثور العداوة والقسوة والغلظة كما نشاهد في الداعشيين التكفيريين الذين تولدوا من الوهابية العمياء، ومع الأسف، يحسبون أنهم يحسنون صنعاً وأن الأمة المسلمة قاطبة في ظلال! فهم داء ملك للشرية، وخطر عظيم للأمة الإسلامية.
وقتل إمام العدل وقائد النمط الأوسط بأيدي المفرطين كان خسارة عظيمة للأمة الإسلاميّة، ومصيبة مبكية لجميع من يطلب العدل إلى زماننا هذا وفي الأزمنة المستقبلة. ولذا قال عليّ× في مقام الشكوة والدعاء: «اللّهم قد ملّت أطبّاء هذا الدّاء الدّوي، وكلّت النزعة بأشطان الرّكي» (نفس المصدر: الخطبة 121).
وعنده× لا دواء لهذا الدّاء الدّوي إلّا القرآن الكريم، ولذا قال: «ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة هدى أو نقصان من عمّى» (نفس المصدر، الخطبة 176).
خاتمة البحث
أرينا في هذا المقال طريقين لطرد الإفراط عن حياة الفرد والمجتمع، والهداية غلى قمة الصد والإعتدال: أحدهما طريق العقل وثانيهما طريق الشرع، وقسمنا العقل إلى النظري والعملي، وقلنا إنّ العقل النظري يطلب الحق ويسعى للوصول إليه، والعقل العملي يستفيد ويستمد منه في إطار العمل.
إذا قوينا العقل في كلا بعديه النظري والعملي نصير حكاماً على النفسانيات والشهوات والعصبيّة وكلاهما متلازمان ويكمّل كل منهما الآخر. ويكون سراج هذا الطريق ومضيئ هذا السبيل الشرع القويم ودلائله الواضحة وإنا رأته البيّنة، والطريق الذي ليس فيه نور وضياء محيّر ومضلّ وإن كان مستقيماً، ومهلك وغن كان مهيأً وليس مآله إلّا الهلاك والدّمار، كما هلك الخوارج لأجل جمودهم على نفسانياتهم وعدم الإستفادة من إمام الشريعة وهادي الطريقة.
الشرائع السماوية كل واحدة منها حلقة من ححلقات سلسلة واحدة وكل حلقة منها مكملة للحلقة السابقة وأرضيّة للحلقة اللاحقة والشريعة المحمدية مستمرة إلى يوم القيامة وأتمها وليس فوقها فوق «لا قرية وراء عبّادان»، وقد لاحظنا هذا المدّعى في آية الشورى (الآية 13) فتدبر.
ويكفينا أن نلاحظ الخطبة التي أنشأها مولى النمرقة الوسطى عام 37 هـ عند أعضاء جيشه طلبا لإستقامتهم في طريق حرب القاسطين الذين خرجوا عن حدّ الوسط، وعلى راسهم معاوية، الذي يغدر ويفجر (نهج البلاغة: الخطبة 200) والناس الجاهلون يظنون أنّه أدهى من علي×، ولا ريب أنّ الغدر والفجور ليسا إلّا خروجا عن الجادّة الوسطى والطريق الأقوم الذي يهدي إليه القرآن، وليس لبني اميّة مبنىً إلّا عصبية الجاهلية الأولى والفرار عن العقلانية (انظر الخطبة 160 من نهج البلاغة) وكانت روح الخطبة المشار إليها إتصال الشرائع الإلهية وإرتباطها الوثيق ووحدة كلام الأنبياء والمعصومين وبلاغهم ويرتهم، حتى أن كل واحد منهم يصدّق لسابقه ويبشّر بلاحقه.
إنّ أمير الكلام يبحث أوّلاً عن رسول الله الخاتم وحياته الطيبة وسيرته المرضية وكونه أسوة كافية جامعة للأمّة الوسط، ثم ينظر إلى حياة سائر الأنبياء، ويمثل صبر موسى وإكتفائه بقرص من الخبز وبقلة الأرض وشكره، ثم إلى داوود، صاحب المزامير، وقارئ أهل الجنّة، الذي يعمل سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه: أيّكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها، ثم إلى عيسى، الذي يتوسّد الحجر، ويلبس الخشن ويأكل الجشب، ثم قال: «تأسّ بنبيك الأطهر‘ فإن فيه أسوة لمن تأسّى وعزاء لمن تعزّى».
كل واحد من هذا الرجال الإلهيين وعلى رأسهم سيدهم وخاتمهم إجتنبوا عن الإفراط وساروا في الطريق الوسط والصراط المستقيم، وليسوا تاركين للدّنيا، فإنّ حب الدنيا إفراط وتركها التفريط.
فالآن ليس نبي من الأنبياء بيننا وبقي تعاليمهم القيمة، لا في التوراة والإنجيل المحرفين، بل في القرآن الكريم الذي نحتاج في فهمه غلى تبيين أهل بيت الوحي والفكر.
قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (النحل: 16، الآية 44) وكان خلفاء النبيّ الأعظم مبينين للقرآن بعده.