مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر الثالث والثلاثون
شهر محرم الحرام 1437هـ
2015م
■ کلمتنا
■ واحة الثقافة
■ واحة الملف - الانحراف
■ واحة الشعراء
■ واحة الأسئلة
■ واحة الصور
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

کلمتنا

النسخة الإلکترونیة لمجلة الکوثر العدد 33 بصیغة pdf للقرائة والتحمیل:

http://www.altabliq.com/102/al-kawthar-33.pdf









بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾(إبراهيم: 24 ـ 25).
أمّا بعد: فأعلم، أنّ البسملة (بسم الله الرحمن الرحيم) بحقيقتها وكنهها هي مبدء الوجود في كلّ ما سوى الله سبحانه وتعالى من المخلوقات والكائنات والموجودات الطبيعيّة الحيّة الشّهودية وما وراء الطبيعة من المجردات والعوالم الملكوتية والغيبيّة، وإنّ الله سبحانه خلق وفطر كل شيء برحمانيته ورحيميته، فجعل الحبّ والعلائق في ذات مخلوقاته وفي فطرتهم برحمة رحمانيته، وبجلاله وهيبته، فإنه الجواد الكريم لمن آمن ولمن كفر، يرزق المؤمن إلّا أنّه تعلّقت رحمة رحيميته التي من وراءها حبّه والأُنس بجماله وكماله عز وجل. بمن يجعل ذلك الحبّ وتلك العلائق والميول النفسانية في خدمة ربّه وسيده ومولاه، فمن قطع نفسه وقلبه عن العلائق والمتعلقات، ليجعلها في خدمة الله سبحانه، فإنّه يصل إلى حبّه وإلى رحمة رحيّميته.
 المخلوق الأول: ثم أول  ما خلق الله العقل من النور، فقال له أدبر فأدبر، ثم قال له أقبل فأقبل، فاحبّه فقال عزوجل: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أفضل منك بك أُثيب وبك أعاقب، كما خلق الجهل من الظلمات، فلّما خلق الجهل. قال له أدبر فأدبر، فقال له أقبل فلم يُقبل، فغضب الله عليه، فالعقل محبوب الله، ومن كان فيه العقل أحبّه الله عز وجل، كالمتقين والمحسنين، والجهل مبغوض الله، فمن كان فيه الجهل كان مبغوضاً لله سبحانه، والجهل بمعنى الأدبار الذي لاإقبال فيه، فهو من المعصية ويستحق العقاب والسخط والغضب الإلهي، وهذا الجهل يحارب العقل كما أن العقل يحاربه،  ولكل منهما جنود كما في الأخبار()، وإذا كان الجهل فيه الإقبال، فهذا ما يقابل العلم،وإن الجاهل الذي يتعلّم محبوب لله سبحانه، ولم يكن جهله من الإدبار المطلق الذي لا خير فيه.
والعقل العملي ما عبد به الرحمن وإكتسب به الجنان، فالعاقل من آمن بالمبدء والمعاد وما بينهما من النبوة والإمامة، وبالدين الحنيف، فكان مؤمناً وعمل صالحاً لله سبحانه.
خلق آدم والإدبار عن علائقه يقبل على ربّه:
ولمّا خلق الله آدم× قالت الملائكة مثل هذا  ليفسد في الأرض، فقال سبحانه: إني أعلم ما لا تعلمون، فعلّم آدم الأسماء كلّها.
ثم تسبيح الملائكة حيث لا تعلّقات لهم كما يكون لبني آدم، فلنزاهتهم يسبحون لله سبحانه، إلّا أنه كمال التسبيح لمن كان له علائق دنيوية ودائمية فيتركها لله سبحانه وبني آدم فيسبّح ربّه عن علم ويقين وطهارة وتقديس بعدما كان مخيّراً بين الفضائل والرذائل، وبين الخير والشر، والحق والباطل، والنزاهة والرذالة. وهذا ما يفوق به تسبيح الملائكة.
فالملائكة رأت تعلّقات آدم×، وأنه ليحب علائقه ومتعلقاته، ويجرّ النار إلى قرصه، ليملأ جوفه الفارغ، ومن ثمّ يقع في صراع محتوم وفسادٍ في الأرض، بسفك الدماء ليلبّي رغباته وشهواته، إلّا أنّ الله يعلم منه أنه لحبّه وقربه منه سيترك هذه العلائق، ليفوز برضوان الله ولقاءه.
فقال سبحانه للعقل الآدمي؟ أدبر أي أترك علائقك وميولك ومحبوباتك فأدبر، ثم قال له اقبل إليّ ووجّه وجهك للذي فطرك، وفطر السموات والأرض فأقبل، كما فعل إبراهيم خليل الرحمن، فإن علاقة وحبّ الوالد للولد أمر فطري، إلّا أنه أراد الله منه ان يدبر عن ذلك لله، فأمره بذبحه، ثم قال له أقبل فأقبل، وقال له أسلم، فقال: أسلمت وجهي لله، وهذا في أيام شيبه، كما انّه في أيام شبابه أدبر بتحطيم وكسر الأصنام، وأقبل على الله بالمنجنيق ليدخل نار نمرود، وجاءه جبرئيل الأمين قائلاً له  ـ وإبراهيم× ما بين السماء والأرض ـ هل لك حاجة؟ فقال؟ إبراهيم أمّا إليك فلا وأما لرّبي فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي.
فكانت النّار له برداً وسلاماً، وآمن من آمن، عند ما رؤوا كيف الأصنام لم تنتقم من إبراهيم، وكيف ربّه نجّاه من نار نمرود، ونصره ببرد وسلام.
فأمر الله العقل بالإدبار عن الذنوب والرذائل أوّلاً، ثم عن العلائق والميولات النفسيّة ثانياً، للإقبال على حبّ الله والقرب منه.
وأتمّ مصداق للإدبار والإقبال ما جرى في يوم عاشوراء وفي أرض كربلاء، وكيف أقبل سيد الشهداء الإمام الحسين× على ربّه، فأقبل العقل كلّه بإقبال الحسين× لله سبحانه وتعالى:
تركت الخلق طّراً في هواكا
وأيتمت العيال لكي أراكا
فلو قطعتني في الحبّ إرباً
لما حنّ الفؤاد إلى سواكا
العقل والوحي:
ثم لله على خلقه حجّتان بالغتنان: العقل والوحي، والوحي الحجة الظاهرية، كما أنّ العقل الحجة الباطنية، ثمّ كما يجب تعظيم وتقديس وإحترام الحجة الظاهرية من نبي أو وصي إمام÷، كذلك يجب تقديس واحترام العقل، إلّا أنّ الإنسان الظلوم الجهول لا يحترم عقله، فيتبع شهواته وأهواءه، فيكون عقله مغلوباً لهواه، فيبقى في الإدبار ولم يقبل على ربّه، فإنّه سمع (أدبر فأدبر) ولم يسمع (اقْبل فأقبل) فبقى في جهله وظلمه لنفسه وخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، كعمر بن سعد فإنه شمله خطاب أدبر عن مُلك ريّ وأقبل على الحسين×، إلّا أنه فعل عكس ذلك وبقي في الأدبار عن سيد الشهداء×، أي الإدبار عن حبّ الله جلّ جلاله، واقبل على ملك ريّ إلّا أنه لم يفز بذلك، فقال عندئذٍ لنفسه: خسر الدنيا والآخرة.
فالإدبار الأول في خطاب العقل كان من الطاعة، إذ أنه بطاعة الله أدبر ليقبل على الدنيا، إلّا أنه رجع من إدباره ليقبل على ربّه بطاعته، فالإدبار والإقبال العقلي كلاهما من طاعة الله سبحانه، ولكن الإدبار الجهلي من المعصية، إذ لم يستتبعها الإقبال ويبقى في الجهل الذي خلق من الظلمات، وكان مصيره إلى النّار، كالكافر والمنافق والفاسق الذي لم يتّب من ذنوبه.
ملك سليمان وملك سيد الشهداء الإمام الحسين×:
ثم سليمان النبي، طلب من ربه أن يأتيه ملكاً لا ينبغي لأحد، لا من قبله ولا من بعده، فأعطاه الله ذلك، إلّا أنه كان يصنع بيده الزنبيل ومن ثمنه يتقّوى على طاعة الله، فكان مقصوده من الملك العدل في رعيّته، لا أن ينتفع من ملكه وسلطنته.
وكذلك سيد الشهداء الإمام الحسين× طلب مُلكاً في تحمّل البلايا والمصائب ما لم يكن لأحد، لا من قبله ولا من بعده، فتحمل كل البلايا وترك الخلق طرّاً في هوى ربّه، وأيتم العيال ليراه، أي قطع العلائق كلّها وأدبر عنها ليقبل على الله في أعلى مراتب الإقبال، حتى يُقتدى ويتأسى به  في كل العوالم، ومن ثم بكّته السموات والأرضيين وما فيهما، وما يرى وما لا يُرى.
فأستشهد أبو عبد الله الحسين× وأنه ليبكي عليه ويندبه من يقوم بثأره ليلاً ونهاراً، ويبكيه بدل الدّموع دماً، حتى تتذوق البشرية العقل والعدل الحسيني في يوم عاشوراء، فإنّ× الكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السّماء، تؤتي أكلها كل حين،  بإذن الله عز وجل، وما كان قتال المنافقين إياه، إلّا  كما قالوا: (بغضاً لأبيك) وما أمير المؤمنين علي× إلّا تجسيم العقل والعدل في الكائنات، وإنّه لم يلد الزمان مثله، فلماذا يبغضونه؟!
الإنسان والسعادة:
لا شكّ أن أفضل الخلق هو الإنسان وإنّ المقصود من خلقته إستخلاف ربه في أسماءه وصفاته ليسعد في دنياه وآخرته.
ثم المراد من السعادة أن يقبله الله سبحانه، ويقبله الأولياء والمقربون، ليكون معهم في جنات ونَهَر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
والبيت القصيد في هذه المعلومة والمنظومة العرفانية، أنه لابّد أولاً: من تعريف الإنسان، فمن وماهو الإنسان، هل كما يقول المناطقة: (حيوان ناطق) وحسب، أو أنّه كما يقول العرفاء: (حيّ متألّه) يتجلّى فيه ربّه بأسماءه الحسنى وصفاته المثلى والعُليا.
وثانياً: لابُد كذلك من تعريف الكون والعالم، فماهي الكائنات؟وما الغرض من خلقتها وصُنعها؟ وهنا تختلف الرؤية الكونية بين الإلهيين والماديين، كما هو مذكور بالتفصيل في محلّه.
وثالثاً: ما موضع الإنسان ومحلّه من هذا الكون الرّحب الوسيع الخارج عن فهم البشرية.
وعندئذٍ ستعرف معنى سعادة الإنسان، بأنّ الله سبحانه خلق الخلق من أجله، وسخر له ما في السموات والأرض، وجعل الميل والحبّ في فطرته وقلبه نحو علائقه ومتعلقاته وما يحويه وما يمتلكه، كل ذلك برحمة رحمانيته، ثم طلب منه أن يقبل عليه بالإدبار عن علائقه وميوله، وعن غرائزه الحيوانية، ليكون خليفته في خلقه وفي أرضه، وإنه لا ينال البّر والقرب من ربّه حتى ينفق ما يحبّ، أي يدبر عمّا يتعلق به.
قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ (آل عمران: 92).
فيا أيها الإنسان إنك كادح لربك كدحاً فملاقيه، فأقبل عليه بالإدبار عن الدنيا والزّهد فيها، وإجعل النِّعم في خدمة المنعم، شكراً له، وأعبد ربك حبّاً وشوقاً بالإخلاص والمعرفة.
فالله سبحانه أعطى برحمانيته ما يُحبّه الإنسان من العلائق والمتاعات، ورأت الملائكة ذلك، وإنه ممّا يوجب سقوط الإنسان في الهاوية وفي الفساد والإفساد وسفك الدّماء، فرأت إدبار الإنسان عن ربّه بالإقبال حطامها أو زخارفها وزبرجها ومتاعها الغرور، إلّا أنّه لم تر إقباله على ربه وترك الدنيا وما فيها زهداً وورعاً وتقوى وحبّاً لله سبحانه، فرأت هبوطه في الرذائل، ولم ترَ صعوده في الفضائل، ولمثل هذا قال سبحانه ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30)فيعلم بإقبال الإنسان إليه، ولم يكن كإبليس في الإدبار المطلق، ولا كالملائكة في الإقبال المطلق، وبهذا تشرف على الملائكة، وكانت الملائكة في خدمته، وصار مسجوداً لهم فتدبّر.
هابيل وقابيل ويوسف وأُخوته:
ولتوضيح المطلب المزبور: نضرب مثالاً، فإنّ هابيل وقابيل أخوان من أمّ وأب واحد، فإنّهما إبنا آدم وحواء، فأراد قابيل عزّته الدنيويّة، ورأى أنّ قربان أخيه هابيل قد قُبل دون قربانه، فحسده وقتله، فسقط في هاوية الإدبار المطلق ومات كافراً، وكذلك أخوة يوسف، فإنّ حبّ الوالد وإن كان جيداً، وأرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، إذ تخيلوا أنّه يتوجه إلى يوسف أكثر مما يتوجّه إليهم، وهم عصبة، فما فِعل أبيهم هذا، إلّا عن ضلال وعدم المعرفة بالواقع الذي هم فيه، فقالوا اقتلوا يوسف، أو غيبوه عن وجه أبينا، حتى يخلو وجه لنا، فصار ما صار، إلّا أنهم تابوا واستغفروا وقبلت توبتهم.
فالعلائق الدنيوية هي أساس المفاسد والشرور، وكذلك عكسه، فإن التعلقات أيضاً هي أساس الخيرات، إلّا أنّ الأول بالإقبال عليها والإدبار عن الله، والثاني بالإدبار عنها والإقبال على الله سبحانه، ولا نقصد بذلك أن لا يحبّ العلائق الدنيوية ويزهد فيها مطلقاً، بل المقصود أن يجعل دنياه مزرعة آخرته، ومتجر عبادته، وموضع سجوده، فيدير ويدبّر هذه العلائق بالعقلانية وبتعليم وتربية الوحي، ويجعلها في خدمة محبوبه ومعشوقه وهو الله سبحانه وتعالى، فيجعل العلائق لله ويصرفها في سبيله، فإذا أحبّ الولد أحبّه لله وفي الله، وإن طلب منه ربّه أن يقدمه قرباناً، فإنّه يفعل ذلك بتمام الحبّ والإخلاص، فيقدم مثل سيدنا علي الأكبر سلام الله عليه، أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله’ شهيداً في سبيل ربّه، فمن يجاهد علائقه ونفسه الأمارة ليجعلها في سبيل الله وفي سبيل حبّه (اللّهم أُرزقني حبك وحبّ من يحبك وحبّ كل عمل يوصلني إلى قربك) وأذقني حلاوة محبتك، فماذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلاً، فإنّه يُنفق كل ذلك في سبيله، وبمقدار ما ينفق ينال البّر والقرب من الله سبحانه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وقد أنفق سيد الشهداء الإمام الحسين× كل ما عنده لله سبحانه، حتى أنفق ماء وجهه، فإنّه يمرّ زين العابدين على أجساد الشهداء^ فيراها لم تُدفن، فكادت روحه أن تخرج من بدنه، فقالت عمته زينب الحوراء‘ مالي أراك تجود بنفسك؟ فقال لها: إنّ القوم دَفنوا أجساد قتلاهم دون قتلانا، وكأنما لا يرونهم من المسلمين حتى يجب دفنهم.
فمن لم يترك علاقة لله كان من اتباع إبليس اللعين، إذ قال أنا خير منه، لأنه رأى عبادته في ركوع كانت ستة الآف سنة، فلم يترك ذلك، ليتواضع لآدم في السجود له وبهذه النظرة العرفانية تعرف أن (كل يوم عاشوراء وكلّ أرض كربلاء) إذ في كل يوم بساعاته ودقائقه وثوانيه، وفي كل بقعة من الأرض أنت في عاشوراء وكربلاء بالإدبار عن الدنيا الدنية وعن الذنوب والمعاصي والشبهات والمكروهات والإقبال على الله سبحانه والفضائل ومكارم الأخلاق والدين الإسلامي الأصيل، والعمل بأوامر الله بالطاعة والبعد عن المعصية بترك نواهي الله سبحانه.
فلسفة الدين:
هذا ودين الله وشرائعه إنّما جعلت للبشر لتنظيم حياتهم، وتعديل القوى، والإقامة بالقسط والعدالة الفردية والإجتماعية، ولإدارة التعلقات والعلائق بنحو ينتهي إلى عشق الله وعبادته، ثم الحبّ والمودة بين أفراد المجتمع ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 61) فيعطي ما عنده لأخيه المؤمن ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ (الحشر: 9)، وهذا ما تراه في سيرة النبي وآله^، فإنهم يطعمون الطعام على حبّ الله المسكين واليتيم والأسير، فإنّهم يطعمون خبزهم للأسير في اليوم الثالث، وانهم أحوج إلى هذا الطعام، لصيامهم ثلاثة أيام وإفطارهم على الماء فقط، فكانوا يرتجفون من الجوع، ولكن قدّموا الخبز للأسير، فهذا هو الإسلام المحمدي الاصيل، إلّا أنّ الدّواعش في عصرنا هذا  ـ خذلهم الله ـ قد شوّهوا صورة الإسلام الحنيف، فيحرقون الأسير تفسيراً لآية ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194)، بأنهم يصبّون علينا القنابل والنار، فنعتدي عليهم بإحراقهم أمام الملأ والعالم، والتلفاز، وهكذا يوحي الشياطين إلى أوليائهم في تحريف القرآن المجيد.
ومثل الحسين× يطعم الأسير في اليوم الثالث من صيامه ليبيت جائعاً، فمن يفعل مثل ذلك.
ويقول روحي فداه:
شيعتي مهما شربت عذب ماءً فاذكروني
أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني
فأنا السبط الذي من غير جُرمٍ قتلوني
وبجُرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني
ليتكم في يوم عاشوراء جميعاً تنظروني
كيف استسقى لطفلي فأبوا أن يرحموني
فسيد الشهداء×وارث الأنبياء في تحّمل البلايا والمصائب، فإن دخل إبراهيم نار نمرود، فدخل الحسين× نار يزيد لعنة الله، ليبقى الحسين الذهب المصفى وباقي الناس كلّهم التراب وأنه أدبر عن الدنيا أقبل على الله، فكان العقل والعدل بتمامها في يوم عاشوراء وفي أرض كربلاء، ونحن وإياكم على وربه ونهجه وثورته الخالدة، فإنّ كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى على محمد وآله الطاهرين.



{prev_post_title} واحة الثقافة ›