مجلة الكوثر صوت الكاظمين منشورات عشاق أهل‌بیت دار المحققین علوي.نت
الفهرست القائمة
مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون
شهر رجب المرجب 1437هـ
2016م
■ کلمتنا
■ واحة الحوزة
■ واحة العقائد
■ واحة الأخلاق
■ واحة الشعراء
■ واحة الصور
■ مجلة الکوثر السادس والثلاثون والسابع وثلاثون - شهر رجب وشعبان ورمضان 1438هـ -2017م
■ مجلة الكوثر - العدد العاشر - محرم الحرام - سنة 1420 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد التاسع - رجب - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثامن - محرم الحرام - سنة 1419 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السابع - 20 جمادي الثاني - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد السادس - محرم الحرام - سنة 1418 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الخامس - 20 جمادي الثاني - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الرابع - محرم الحرام - سنة 1417 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثالث - 20 جمادي الثاني - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الثاني - محرم الحرام - سنة 1416 هـ
■ مجلة الكوثر - العدد الاول - 20 جمادي الثاني يوم ولادة سيدة فاطمة الزهراء - سنة 1415 هـ
■ مجلة الکوثر الرابع والثلاثون والخامس وثلاثون - شهر رجب المرجب 1437هـ -2016م
■ مجلة الکوثر الثالث والثلاثون - شهر محرم الحرام 1437هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الثاني والثلاثون - شهر رجب المرجب 1436هـ -2015م
■ مجلة الکوثر الواحد والثلاثون - شهر محرم الحرام 1436هـ -2014م
■ مجلة الکوثر الثلاثون - شهر رجب المرجب 1435هـ -2014م
■ مجلة الکوثر التاسع والعشرون -شهر محرم الحرام 1435ه -2013م
■ مجله الکوثر 28-رجب المرجب1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 27-محرم الحرام1434 هـ 2012 م
■ مجله الکوثر 26-العدد السادس والعشرون رجب المرجب 1433هـ 2012م
■ مجلة الکوثر 25

کلمتنا

النسخة الإلکترونیة لمجلة الکوثر العدد 34-35 بصیغة pdf للقرائة والتحمیل:

http://www.altabliq.com/102/al-kawthar-34-35.pdf








لماذا في كل الأدعية المأثورة في شهر رمضان اليوميّة والليليّة والسحريّة نطلب من الله عزّ وجل حجّ بيته الحرام ونحن نعلم في أكثر الأحيان لم يتحقق هذا الدعاء بالخصوص في الواقع الخارجي ولكن نجد هذا التركيز والإصرار لهذا الدعاء في جميع أدعية شهر رمضان المختصرة والمفصّلة وفي الليالي والأيام العظيمة والمباركة؟
وكما ورد في الخطبة الشعبانية عن رسول الله|: إنّ في هذا الشهر قراءة آية من القرآن الكريم يساوي ويعادل ختمة كاملة من القرآن الكريم، من باء البسملة إلى سين الناس، فالآية الواحدة في شهر رمضان تعادل الختمة الواحدة في الشهور الأخرى، وبالتّبع كذلك الأدعية الذي نقرءها في هذا الشهر الفضيل لابّد من إستجابتها أسرع وأكثر بالنسبة إلى سائر الأدعية في الشهور الأخرى كما أنها أفضل كذلك.
وفي البداية يمكن أن يتبادر إلى الذهن بأنّ كثيراً ما نسأل الحوائج من ربنا ورب العالمين وندعو بالأدعية الكثيرة والطويلة أحياناً ونتضرع ونخشع ونبكي و... ولكن لم نصل إلى حاجتنا المسؤولة والمطلوبة وهذا خلاف ما وعدنا الله به من الإستجابة والله لا يخلف وعده.
نستعيذ بالله من هذا التبادر ومن هذا الظن السوء بخالقنا وجليسنا الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكن أين الحّل وأين السّر؟
ورأيت الجواب والسؤال في ما تفضل به سيدي الأستاذ الوالد الذي رباني وعلمني الكلم الطیب فضلاً عن الحروف سماحة آية الله المعظم السيد عادل العلوي في إحدى محاضراته التي ألقيت على مسامع الأخوة الطلبة البحرينين في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك وكان الحديث عن عظمة ليالي القدر وتطرق إلى هذا الموضوع أيضاً إستطراداً، والفقير وددت أن أكتب خلاصة مما سمعته في السؤال والجواب في خصوص هذا الموضوع ولو بقلمي القاصر وبفهمي الفاتر والله المستعان.
فقال سماحته: أنّ هناك فرق بين الإستجابة وقضاء الحاجة، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، ويتصوّرون أنّ الإستجابة من قبل الله عز وجل بمعنى قضاء الحاجة المسؤولة والمطولبة وحسب، كما هو حال السائل والمجيب في التساؤلات العرفية وبين الناس، ولكن لا يعلمون أنّ بين الخالق والمخلوق فرق كبير من الثرى إلى الثريا، ومن الوجود إلی الندم وأين هذا من ذاك؟! ولا يُقاس بالله أحد.
أخوتي الأعزاء أخواتي الكريمات: 
إعلموا أنّ مراتب الإستجابة أربعة كما ورد ذلك في جملة من الأخبار الشريفة عن الرسول الأعظم| والعترة الطاهرة^ وأدنى المراتب وهي ما نحن نتمنّاها ونتصور أنّ الإستجابة الحقيقية هي ولا غير، هي قضاء الحاجة التي نطلبها من الله سبحانه.
 وهنا يتفاجأ الإنسان ويتعجب فإنّه لاشكّ أنّ كلام الأئمة المعصومين^ نور ـ كما ورد في زيارة الجامعة الكبيرة (كلامكم نور) ـ ومن سمعه وتفكر فيه فإنّه يطمئن قلبه ويزداد نوراً وعلماً ومعرفة وقرباً من الله سبحانه وتعالى، ولكن لبعدنا عن المعارف الإلهية والأنوار الرحمانية نشعر في حياتنا بالتعب والكسل، ولا نعلم من أين أتت هذه الحالات البائسة، ولا نعلم ما هو الحلّ، وإنّه نبتعد أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم عن النور الحقيقي والحلّ الوحيد، أعني التقرب إلى الله بمعرفته وهو الكمال والتكامل المطلوب من الإنسان في حياته الدنيوية ويحصل ذلك بالعلم النافع والعمل الصالح وبزيادة الهداية والثبات عليها، كما يحصل بالتّدبر في كلمات كتابي الله عزل وجل: الصامت وهو القرآن الكريم التدويني والناطق وهو محمد وآل محمد^ العيني، وأنهما لن يفترقا أبداً في الدنيا والآخرة، فمن تمسك بهما إهتدى وسُعد وفاز، ومن تركهما أو تمسك بأحدهما ضلّ سواء السبيل وكان من الهالكين، ثم الجود والكرم لهما مراتب ودرجات وأدنى المرتبة هي أن يعطي الكريم ما طلب منه السائل، كما هو معروف عن حاتم الطائي الذي كان لقلعته أربعون باباً وإذا أتى السائل في يوم واحد من كل الأبواب وسأل من حاتم، كان يعطي له ولا يردّه، ولهذا عُرف بالجود والكرم وتخلد في التاريخ لهذه الصفة الحميدة، ولكن هناك مرتبة أعلى وهي أن يعطي أكثر مما سأله كما قال الإمام الصادق× نحن أهل البيت إذا أتانا أحد في الباب الأوّل نعطي له ما یغنيه عن السؤال من الأبواب الأُخرى.
بعدما عرفت أنّ أدنى مراتب الإستجابة هي قضاء الحاجة المسؤولة، إعلم أنّ للإستجابة مراتب أخرى تختلف بإختلاف مراتب السائل وفي معرفته، وهذا تارة يكون بالنسبة إلى مسؤوله، وأُخرى بما يراه المسؤول وهو الله سبحانه وتعالى بما فيه من المصلحة والحكمة ممّا يتعلق بحال السائل في دنياه وآخرته.
فإنّ المرتبة الثانية هي الإستجابة إلّا أنّه بقضاء حاجة أخرى أهمّ من الحاجة المنظورة، ولكن السائل غافل عنها بأسباب متعددة، منها عدم علمه بها، أو الجهل بالنسبة إلى أهمّيتها أو لعلل كثيرة أخرى، لا يعلمها إلّا الله عز وجل.
وهذا كثير ما يقع في إستجابة الأدعية وإذا فكرّنا قليلاً، والتّفكر ساعة أفضل من عبادة سنة، سنرى قضاء بعض الحوائج المطلوبة بما هو أعظم، مثلاً لو طلبنا من الله داراً ولكن الله إستجاب لنا بزيارة بيته الحرام الذي هو أفضل من الدار كما يعلم حقيقة ذلك يوم القيامة يوم تنكشف الحقائق ﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾(ق: 22)  ويكون أمره حينئذٍ كأمر الطبيب مع مريضه فربما المريض يطلب من طبيبه دواءً خاصّاً، إلّا أنّ الطبيب أعرف بحاله فيوصف له ما هو أفضل له وأسرع في شفاءه مثلاً، وفي هذا السّياق ترى ما في الأدعية المأثورة وهذا التراث الضخم الذي ورثناه عن القرآن والرسول الأعظم| وعترته الأئمة الهداة المهديين^، وما في هذه الأدعية من الحوائج والمقاصد العليّة كما في أدعية شهر رمضان المبارك، وكأدعية ليالي القدر أو ما شابهها في الفضيلة كليلة النصف من شعبان أو ليالي الجمعة، ولكن قلّ ما نتوجه إلى هذه الأمور ونتدبّر في أسبابها ومبادئها، وحتى ننسى أن نشكر المعطي وللأسف الشديد في كثير من الأحيان نبتعد عنه، بتوهّم عدم قضاء حاجتنا المنظورة! ومن لطفه الوافر لم يعاقبنا على هذا بل يعاملنا بكرمه وجوده، فخيره إلينا نازل وشرّنا إليه صاعد.
المرتبة الثالثة من الإجابة الإلهية: هي الإستجابة بغفران الذنوب والنجاة من النار وهذه النوعیة من الإستجابة وإن دلّت على شيء فإنّها تدل على كثرة حب الحبيب عز وجل إلى محبوبه من عباده الصالحين كما قال سبحانه: (لو علم الخلق كيف حبي إليهم لما عصوني).
ونعصي الله ونعصي الله ونعصي الله، ويغفر ذنوبنا، ويستر عيوبنا، ويبدل سيئاتنا حسنات!
وما أجمل هذه المرتبة من الإستجابة مرتبة تحكي عن وجود العشق الحقيقي بين الرب والمربوب، عشق بين العبد العاصي والمولى الغافر! ما أجمل هذا العشق؟ كيف أصف هذا الحب وأجد نفسي قد عصيت الحبيب طيلة حياتي، وقد غفر لي من دون أن يفاجئني بعصياني! والحال إن عصيت من هو أقرب إليّ من أبي وأمي أو أخي أو اختي أو صديقي الذي عشت معه عشرات السنين أو أهلي وعيالي وأولادي وبناتي الذين هم من دمي ولحمهم لحمي، ولو كان العصيان بعمل بسيط، لطردوني وأخجلوني وفضحوني أمام الآخرين، وتجد في أحسن الأحوال يبقى الخجل عندي ممن عصيته إلى آخر حياتي سواء رأيته بعد ذلك أم لم أره! ولكن في كل يوم وساعة ودقيقة وثانية وحتى في كلّ لحظة من لحظات عمري وحياتي هو الله معي، ويراني وهو أقرب إليّ من حبل الوريد، ولكن لا أخجل منه، وحتى لم أستغفره، في كثير من الأحيان، ومع هذا إذا دعوته، ويعلم وأعلم أنّ دعائي في كثير من الأحيان بل في كل الأحيان إنّما هو لحل مشاكلي الدنيوية ومع كلّ هذا الجفاء مني، ولكن الوفاء من الله، إذ كتب على نفسه الرحمة، ووعدني بالإستجابة، وأحبني، ويعرف ما هو صلاحي، فجعل إستجابته أن يغفر لي ذنوبي التي لم أتب منها فكم وقعت الغيبة منّا ونحن غافلون عنها وعن التوبة منها، والغيبة أشد من الزّنا، وكمن زنا بأُمه سبعين زنية في بيت الله الحرام! فأيهما أفضل؟ أن يقضي حاجتي وهو طلبي منه أن يرزقني بيتاً و يشافني من المرض، أو أنّه يغفر لي هذه الذنوب العظیمة؟ لا شك الثاني أفضل وهذا معنى إستجابة الدعاء من الله لعبده والوفاء بذلك، إذ أنه وعد، وأنه صادق الوعد وقال في كتابه الكريم ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾.
وأمّا: المرتبة الرابعة والأخيرة: وهي علو الدرجات في الجنة.
وهذه من أفضل وأعلى المراتب وهي مرتبة الصلحاء الأخيار الأبرار والمخلصين ـ بكسر اللام ـ وهي أن تتبدل السیئة بالحسنة ثم الحسنة، بالدرجة والدرجة بالغرفة من غرفات الجنة، والغرفات بالعاليات، وهذا التبديل ورد في زيارة أمير المؤمنين علي×، فيكون في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
 هذا إجمال ما قاله السید الوالد حفظه الله في محاضرته، و لكن بعد المحاضرة أضاف بقلمه المبارك و هذا ما نصه: (مرتبة خامسة في الإستجابة تختص بخاص الخواص من العرفاء الكملّين والعباد المقربيّن، إذ أنه كما في العبادات، فإنّ الناس بالنسبة إلى عباداتهم كالصيام على ثلاثة أصناف، فصنف وهم العامة أي عامة الناس يصوم بطنه وفرجه عن المفطرات، وصنف وهم الخواص يصوم جوارحه عن المحرمات فضلاً عن صوم البطن والفرج، وصنف يصوم قلبه عن ذكر وخواطر غير الله سبحانه وهؤلاء خواص الخواص، كذلك في إستجابة الدعاء، فصنف يستجاب لهم بقضاء حوائجهم الدنيوية وهذا من الإستجابة الملكيّة والأرضية، وصنف يستجاب لهم بالمراتب الثلاثة الأخرى وهي من الإستجابة الملكوتيّة والجبروتية، ممّأ تتعلق بأفعال الله وصفاته، وصنف من الإستجابة اللاهوتية بما يتعلق بذات الله الذي لا يعلم ما هو إلّا هو جلاله، وهي المرتبة الخامسة من الإستجابة الإلهية لأدعية أهل الايمان والتقوى، وهي: أن تكون الإستجابة هو الله نفسه، بمعنى أن يصل العبد إلى لقاءه والفناء في إرادته والبقاء به، فلا يرى العبد في الدّیر ديّاراً إلّا هو، فيكون في مقام التوحيد الخالص والمخلص، فيكون غاية مقصده ومقصوده في كل حوائجه وفقره وإحتياجه هو الله نفسه جلّ جلاله، فهو حاجتي وهو مقصودي وغايتي ومناي ودنياي وآخرتي، وما هو خارج عن وهمي وعقلي ولا أدركه إلّابقلبي وشهودي يوم ألقاه برحمته الرحيمية وما ذلك إلّا لما أودع الله في فطرة الإنسان الموحدة من حبّ الجمال والخير والكمال المطلق، وهو الله نفسه سبحانه عمّا يصفون، فالله سبحانه في إستجابة عبده يرجعه إلى موطنه الأصيل وإلى مبدءه الأوّل، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وإليه تصير الأُمور، وإنّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه، وإلى ربك المنتهى جلّ جلاله وعظم شأنه، وهذا من كمال الإنقطاع إليه، كما في المناجاة الشعبانية لأئمتنا الأطهار^، وعندئذٍ يستغني العبد بغنى وصمدية الله سبحانه، فيعرف نفسه، فيعرف ربّه، فيعرف كلّ شيء، ويصل إلى حقيقة العبودية والتوحيد فيما يقوله سيد الشهداء الإمام الحسين بن علي× في عرفانه وفي دعاء عرفة (ماذا وجد من فقدك؟ وما الذي فقد من وجدك؟ لقد خاب من رضي دونك بدلاً، ولقد خسر من بغى عنك متحوّلاً) (عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً) فالعارف بالله سبحانه عندما يسأل ربه في أدعية شهر رمضان (اللهم أرزقني حجّ بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام)، فإنّ الله يرزقه لقاءه وزيارته في عرشه وفي ملكوته الأعلى، فأين هذه الإستجابة من إستجابة العبد بأن يرزقه حج البيت في الدنيا، فأين الشهود من غيب الغيب؟ وأين المُلك الأدنى من الملكوت الأعلى، وأين الثرى من الثُريّا؟!
ولمثل هذا فليعمل العاملون وليتنافس المتنافسون، وهذه المرتبة في الإستجابة هي أعظم المراتب فإنّه قاب قوسين أو أدنى من العلي الأعلى، رزقنا الله وإياكم هذه المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى فإنّه لا يلقاها إلّا ذو حظ عظيم، آمين يا رب العالمين.) تم كلامه.
ثم ورد في الحديث الشريف بعد ما يعرف العبد مراتب الإستجابة ويشاهد الدرجات التي وصل إليها من قبل أدعيته التي لم تُقضَ ظاهراً، يتمنى أن تكون كل أدعيته تستجاب بهذه المراتب الملكوتية من الإستجابة، ويتحسّر من طلبه لقضاء الحاجات الدنيوية اليسيرة والصغيرة الفانية الزائلة، فإنّه طلب من ربّه بيتاً في الدنيا إلّا أنّ الله رزقه غرفات الجنان في العقبى وفي حياة أبدية، فمن رزقه الله البيت في الدنيا يتمنى أنّه يكون كصاحبه الذي طلب مثل طلبه، إلّا أنّه لم يعط له بيتاً في الدنيا، وعوّض ذلك بقصور وغرفات وجنات في الآخرة، فيتحسّر يوم الحسرة على ما فرّط في جنب الله، وأساء الظن بربّه، إذ لم يقض حاجته الدنيوية، الحاجات الذي تفنى بموت صاحبها، لأنّ الدنيا بعظمتها فانية ولكن ما كان لله وعنده فهو باق وينمو ويخلّد بالخلود الأبدي. وربما كنا نعلم بهذه المعلومة ولكن أين العلم من الإيمان، وربما نؤمن بها ولكن أين الإيمان من اليقين، وإعلم أنّ مرتبة اليقين هي مرتبة الاولياء الذين جاهدوا بالجهاد الأكبر، وراقبوا أنفسهم عشرات السنين حتى وصلوا إلى هذه المرتبة العظيمة وهي المرتبة الذي طلبها خليل الرحمن من الرحمن الرحيم حتى يهبه اليقين، لما سئل من الله أن يراه إحياء الأموات وفي جواب الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
 وآيست من نفسي بعد ما سمعت هذا الكلام الرائع من سماحة السید الوالد في محاضرته وآیست من الوصول إلى مقام اليقين، ولا حتى إلى مراتب العلم والإيمان، وفي هذا الحين تبادر إلى ذهني وخطر في قلبي أنّ ليلة القدر خير من ألف شهر، وحين نفكر نرى أنّ ألف شهر يعادل ما يقارب ثلاث وثمانين سنة وهذا هو الحلّ في من يأمل الوصول إلى المحبوب، ولكن لكثرة ذنوبه ومعاصيه لم يتمكن من ذلك، فيكفيه في ليلة واحدة بكل إخلاص وإطمئنان ويقين أن يتوجه إلى ربه الكريم ولسان حاله (وفدت على الكريم بغير زاد من الحسنات والقلب السليم ـ فحمل الزاد أقبح كلّ شيء إذا كان الوفود على الكريم)، نعم ليلة واحدة خيرٌ من ألف شهر، هي ليلة العاشقين، وهي الليلة الذي يقترب العاشق إلى معشوقه، هي ليلة الوصال، وصول العبد إلى خالقه، ليلةٌ، ولكن هي مفتاح للخير العظيم، الخير الذي تتنزّل الملائكة والروح به، والروح وهو ملك أعظم من جبرئيل، ينزل الخير إلى من نفخ فيه منه، وبهذا النزول يتصل الروح، بالروح ويجعل الإنسان الكامل ملكوتياً أعظم من جبرئيل، ويجعله خليفة الله في أرضه تخدمه الملائكة، وهذا هو العشق الحقيقي، الحبيب لحبه یجعل العبد الأبق المذنب، جليساً عنده في مقعد صدق بليلة واحدة!
ليلة القدر مفتاح المفاتيح ويفتح به ألف باب للعبد من المعرفة، ولكن لمن فاتته هذه اللیلة المباركة یبقی أن یتوجه إلی ما سمعنا من أحد المشايخ العرفاء المعاصرين بأنّه قال للشاب الذي سأله الدعاء في زواجه؟ فأجاب الشيخ: عليك بالصلاة في أول وقتها، وسأله مرة أخرى بالدعاء لشراء المسكن؟ فأجابه: عليك بالصلاة في أول وقتها، وسأل الشاب في المرة الثالثة بالدعاء لحصول العمل؟ فأجابه الشيخ مرة أخرى: عليك بالصلاة في أول الوقت، ولما رأى تعجب الشاب! قال له: إعلم أن الصلاة في أول وقتها مفتاح لحلّ كلّ المشاكل، والحين فما الإرتباط بين الصلاة في أول وقتها وبين ليلة القدر الذي هي أفضل من ألف شهر؟ هل الصلاة في أول الوقت تعادل ألف صلاة؟ هل الصلاة في أول وقتها تقربك إلى المخلوق بركعة واحدة؟ هل الصلاة في أول وقتها تفتح لك ملكوت السماوات والأرض؟
وكما قال الإمام الصادق× لا تنال شفاعتنا لمن يستخف بالصلاة، من معاني الإستخفاف بالصلاة هو من أخّر صلاته من أول وقتها من دون عذر ودليل!
وإعلم إنّ الإحياء في ليلة القدر له مراتب وأدنى المراتب، هي أن تحييها بالدعاء والمناجات، وأنه لا تنام الأعين الظاهرية، ولكن المرتبة العالية هي أن تستيقظ العيون القلبية الإلهية، وترى الله في هذه الليلة بحقائق الإيمان كما قال أمير المؤمنين× إ نّما يُرى الله بحقائق الإيمان في القلوب، وكذلك تَرى ولي الله الأعظم إمام زمانك صاحب العصر# الذي تتنزل عليه الملائكة والروح في ليلة القدر بكل أمر حكيم وما يقع في خلال السنة من الآجال والأرزاق وغيرها حتى صكّ الحاج والحاجة كما ورد في الأخبار الصحيحة في مدرسة أهل البيت^. ثم لابّد للوصول إلى المرحلة العالية والعبور والجواز من المرحلة الدانية ولكن بخلوص.
وإذا لم نعبر من مرحلة الدعاء النوراني، فإنّه ينقلب هذا الدعاء إلى حجاب! الحجاب الذي يمنعنا من رؤية الحبيب! ونبقى في هذا الدعاء إلى الصباح ونعجب به ونغفل من المدعو، ونغفل من الحبيب، ونغفل من المعشوق، فالدعاء إنما هو كمال الإنقطاع إلى الله سبحانه وحلقة وصل ومرآة لرؤية جمال الله وجلاله وكماله، فهذا شهر عظيم وهذه ليالي عظيمة، ومن بينها ليلة القدر، فإنّها أعظم الليالي، وأنت تدعو الله فيها مرة أو مئة مرة أو ألف مرة وأحياناً أنت في حالة السجود وهي أفضل حال يتقرّب العبد به إلى الله، بأن يرزقك حج بيته الحرام دعاء ربما لم يتحقق في حياتك ولا مرة واحدة، ولكن من ورائه الكنوز والمراتب والمعارف يهبها الحبيب إلى محبوبه، لأنه لاشكّ يستجيب لك هذا الدعاء، وإن لم يقضه في الواقع الخارجي إلّا أنه يعطيك من الثواب والدرجات والمراتب العالية يوم القيامة ما يعطي مَن حَجّ بيته في كل عام، ومن ثَمَّ من أوّل شهر رمضان وإلى آخره وفي كثير من أدعيته النهارية التي تكون من تعقيبات الصلاة وغيرها، وكذلك الليليّة والسحريّة تسأل الله أن يرزقك حج بيته الحرام في هذا العام وفي كلّ عام، وأنت مطمئن القلب إنّ الله يستجيب لك هذا الدعاء، إلّا أنه تارة يرزقك الحج في الدنيا في عام واحد أو أكثر وهذه هي المرتبة الأولى من الإستجابة، وأخرى يعطيك من الفيوضات الإلهية والأرزاق المعنوية والأخروية، ما هو أعلى مرتبةً من ذلك، كالمراتب الأربعة التي مرّت، فما أكرم ربّي إنه أكرم مثواي، فإنّه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.
أخي الكريم أُختي الكريمة: أسأل الله لي ولكم التوفيق والتسديد والوصول إلى هذه المعارف وإلى هذه الحالات العرفانيّة والشهوديّة الكشفيّة، ومن وفّقه الله في هذه الليالي المباركة ليالي القدر العظيمة، ورأى ربّه بقلبه وسمع مناجاته في سريرته وكلامه في عقله ووُفّق للحضور في حضرة قدسه وسبوحيّته فأقسم عليه بالمولى الودود أن لا ينساني في هذا الحال من الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
.والسلام.
.رئیس التحریر.



{prev_post_title} واحة الحوزة ›